ماذا لو خسرنا الامتحان الأهمّ؟

date 2017/07/30 views 2787 comments 0
author-picture

icon-writer سلطان بركاني

تروي إحدى الصّالحات –نحسبها كذلك- موقفا لها مع إحدى الفتيات، تقول: سألتني وكلّ معالم الدهشة والضيق ترتسم على وجهها الذي لوّنته بعناية بكلّ ألوان الطيف، سألتني فقالت: ألا تغارين؟! فتركتُ ما في يدي من عمل وسألتها: ممّن أغار؟ فصرختْ في وجهي: من كلّ هؤلاء الفتيات من حولك، من عطورهنّ النفّاذة، وملابسهن الأنيقة الملفتة، انظري كيف يستمتعن بشبابهنّ وأنت قد أفنيت شبابك بهذا الحجاب، ألا تشعرين بالغيرة منهنّ؟.

 

تقول الصّالحة: ارتسمتْ على وجهي ابتسامة لم أستطع مقاومتها، وأجبتها قائلة: نعم أغار.. أنا إنسانة خلق الله داخلي كلّ مشاعر البشر، ولكنّ السؤال الأهمّ هو: ممّن أغار؟ أغار من كلّ أخت مؤمنة صالحة سبقتني بخطوة إلى الله تبارك وتعالى.. أغار من كلّ أخت مؤمنة مَنّ الله عليها بختم كتابه الكريم فصارت من أهلِ القرآن أهلِ الله وخاصّته.. أغار من كلّ أخت مؤمنة وُفّقت لارتداء حجاب أوسع وأسبغ من حجابي.. وأغار أكثر من كلّ أخت أو أمّ لي على ثغور المسلمين قدّمت لهذا الدين ابنا أو زوجا دفاعا عن مقدّسات المسلمين، وأغار من كلّ أخت مؤمنة أحسن الله خاتمتها وختم لها بطاعة من الطّاعات.. نعم أغار لكنّ غيرتي ليست كتلك التي تدور في ذهنك.. فأنا أحبّ أخواتي المؤمنات الصّالحات جميعا وأدعو الله أن يُلحقني بهنّ ويجمعني بهن في مستقرّ رحمته ودار كرامته إنّه وليّ ذلك والقادر عليه. اهـ.

هكذا يفترض في كلّ عبد مؤمن أن ينظر إلى هذه الحياة الدّنيا على أنّها دار امتحان يتنافس فيها المتنافسون على القرب من الله الواحد الأحد، وعلى نيل رضاه وتحقيق سعادة الدّنيا والآخرة في كنف طاعته.. أموال الدّنيا ودُورها وسياراتها وملابسها ومآكلها ومشاربها، تُسخّر -في الغالب- لتحقيق سعادة زائفة سرعان ما تزول لمرض أو قلّةٍ أو غضب، لكنّ السّعادة الحقيقية التي لا تزول هي السّعادة التي يجدها العبد المؤمن حينما يحسّ أنّه يزداد في كلّ يوم قربا من خالقه ومولاه، ويزداد شوقا ليحطّ الرّحال في بيته الذي يتمنّاه ويدعو الله أن يجعله مستقرّه ومثواه.. يرى أبواب الحرام من حوله مُشرعة، وطُرقَه معبّدة مذلّلة، ويرى النّاس يتداعون إليها ويتزاحمون عليها، لكنّ نفسه لا تجد راحتها وأُنسها إلا في طريق الاستقامة، لأنّه يعلم أنّ من ترك شيئا لله في الحرام عوّضه الله خيرا منه في الحلال، وأنّه كلّما كان الوصول إلى الحرام أسهل، كان ثواب الخوف من الله أعظم وأجزل.

يستشعر أنّ الله يراقبه في كلّ مكان وفي كلّ وقت، ويستحي من نظره سبحانه إليه واطّلاعه عليه، يستحي أن يراه خالقه ورازقه على ما لا يحبّه ويرضاه، ويخشى نقمته جلّ في علاه.. الجنّة بين عينيه والنّار أمام ناظريه.. يحزن إذا ضعف إيمانه أو نقص دينه، ويراجع حاله، ويفتّش في نفسه، لأنّه لا يريد أن تُسلب منه حلاوة الطّاعة.. أمّا إذا نقصت دنياه، فإنّه لا يتسخّط ولا يتلمّظ بل يقول: "عسى أن يكون خيرا، لعلّ الله يعوّضني به خيرا منه في الآخرة".

دخل المسلمون في يوم عيد على أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- ليهنّئوه، فلمّا انصرف الرّجال ودخل الغلمان، كان بينهم ابنُ خليفة المسلمين، دخل وهو يلبس ثيابا رثه قديمة، وأبناء الرعية يلبسون الثياب الجديدة الجميلة، فلمّا خرج الغلمان بكى أمير المؤمنين، فتقدّم إليه الابن المبارك وقال: يا أبتاه ما الذي طأطأ رأسك وأبكاك؟ قال: لا شيء يا بني سوى أني خشيت أن ينكسر قلبك وأنت بين أبناء الرعية بتلك الثياب البالية القديمة وهم يلبسون الثياب الجديدة، قال الغلام لأبيه: "يا أبتاه.. إنّما ينكسر قلب من عرف الله فعصاه، وعقّ أمّه وأباه، أمّا أنا فلا والله" اهـ.

ما مِن أحد إلا سيأتي عليه يوم يعرف فيه حقيقة هذه الدّنيا؛ حين ينزل به ملك الموت، ويُكشف الغطاء عن بصره، ((فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ))، فيرى ما لم يكن يراه، ويدرك ما كان غافلا عنه.. يدرك أنّه كان في غرور وأنّ حياته كلّها لم تدم إلا يوما أو بعض يوم.. يتمنّى لو يؤخّر ساعة واحدة بعد أن عرف حقيقة الدّنيا وأيقن أنّ عمرها قصير وأمرها حقير.. يتمنّى لو يؤخّر ساعة واحدة ليتوب ويصلح، ولكن هيهات فقد فات الأوان.

لأجل هذا، فالعبد المؤمن الكيّس الفطن لا ينسى أنّه في هذه الدنيا في امتحان لا يدري كم مدّته، وفي أي لحظة قد تسحب منه ورقة الامتحان، وينتهي الوقت الذي خصّص له، لذلك فهو يهتمّ بورقته وصحيفته ويترك الاهتمام بأوراق وصحائف الآخرين، إلا أن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر أو يسدي نصيحة.

  • print