الوطنُ يحترِقُ!

date 2017/08/03 views 1075 comments 3
محمد حمادي

عديمو الضمير، الذين أضرموا النيران عمدا في غابات شاسعة عبر ولايات الوطن، لا يختلفون عن أولئك المسؤولين الفاسدين، الذين عاثوا في المال العام نهبا، في ظل غياب أجهزة الرقابة، التي تغضّ الطّرف في كل مرة عن مثل هذه الممارسات التي لا تمت بصلة للوطنية؛ فحارقو الغابات والمغترفون من مال الشعب، كلاهما يُؤذي البلاد والعباد بطريقته الخاصة.

الحرائق التي أتت على مساحات غابية شاسعة عبر ولايات القطر الوطني، أحرقت معها أعصاب أولئك القاطنين في القرى والمداشر، وعمّقت من جراحهم؛ فلم يجدوا من وسيلة للخلاص من هذا الجحيم سوى الفرار بجلدهم تاركين وراءهم بساتينهم وحقولهم، التي  تعدّ مصدر قوتهم، فمن يتحمّل غبن هؤلاء؟ ومن يساعدهم على تخطي محنتهم في ظل تأخر إجراءات التكفل بهم، التي وقعت في فخ التسويف والمماطلة؟.

قد نسلم بالأمر الواقع ونقول: "إن هذه الحرائق من صنيع الطبيعة وهي قضاء وقدر نقابله بالدعاء والاحتساب للّه"، ولكن بماذا نفسر إقدام مواطنين على إضرام النيران في الغابات وبطريقة عشوائية؟ أين روح المواطنة والحس المدني؟ ما هي الرسالة التي يريد هؤلاء المخرّبون توجيهها لصنّاع القرار في البلد؟ ألهذه الدرجة أصبحنا ننتقم من هذا الوطن الذي أطعمنا من جوع وآمننا من خوف؟

ما أوردته الصّحافة الوطنية بخصوص التحقيقات الأمنية التي أفضت إلى تورّط مواطنين في إضرام النيران في غابات بشرق البلاد، ما أدى إلى اندلاع حرائق مهولة أتت على الأخضر واليابس، يوضح بجلاء حجم الاستهتار واللامبالاة، من قبل عديمي الضمير، الذين أضحوا يتفنّنون في إيذاء هذا البلد وساكنته، خاصة وأنّ هذه الجريمة التي ارتكبت مع سبق الإصرار في حق الطبيعة، تزامنت وارتفاع درجة الحرارة التي بلغت مستويات قياسية، ما دفع بكثير من سكان الولايات الداخلية، التي تفتقر إلى مرافق الراحة والاستجمام، إلى اكتساح الوديان والبرك والسدود، التي في كل مرّة تحصد أرواح أطفال في عمر الزهور.

قد يفسّر علماء الاجتماع والنفس في بلادنا، قيام مواطنين في كامل قواهم العقلية بحرق الغابات عمدا، إنّه نوع من أنواع إثبات الوجود، الذي يتلوّن بصبغة انتقامية، مردّها الوضع المتردي الذي يعيشونه، ما جعلهم يشفون غليلهم في أي شيء يصادفونه في طريقهم.

إنّ صدقت هذه التفسيرات؛ فإن الوضع خطير جدّا، ويستدعي حملات توعية وتحسيس، تشارك فيها جمعيات المجتمع المدني، والمساجد، والمؤسسات التربوية والجامعات..، لأنّه لا يعقل أن يقوم كل جزائري لم يحصل على سكن أو عمل أو تعرّض إلى ظلم، بإفراغ غلّه وحقده على مرفق عمومي أو غابة أو فضاء للتسلية، عن طريق الحرق أو التخريب.

افتعال النيران في الغابات التي تعد رئة نتنفس عبرها الهواء العليل، هو انتقام في المقام الأول من الوطن الذي يجمعنا، وهذه الأرض التي تحتضننا، نحن نمعن في إيذاء بعضنا البعض بسلوكيات غير آدمية، وضعتنا في ذيل ترتيب الأمم التي تصلح مدنها للعيش، لذلك فوطننا للأسف يحترق بسبب ما صنعته أيدينا التي تحرّكها ثقافة الانتقام  ويغذيها انعدام المسؤولية وروح المواطنة.

  • print