هل خياراتنا صائبة؟

date 2017/08/03 views 1467 comments 6
سليم قلالة

أستاذ جامعي

فجأة نتحوَّل إلى التقشف بعد تبذير لا محدود، نتحوّل إلى الحد من الاستيراد بعد تجاوز كل الحدود، نريد أن نبني صناعة حقيقية من دون تمهيد، محاربة فساد عمّ بعد أن تركناه يتغوَّل بلا رقيب ولا حسيب، نُريد أن نستمر في سياسات دعم بعد أن حادت عن العدالة الاجتماعية وتحوّلت إلى مبرّرات ثراء وتلاعب فئات قليلة لم تتوقف عن طلب المزيد.. بكلمة واحدة نُريد في لحظة معينة أن نبدو وكأننا تحوّلنا من سياسة كل شيء مسموح دون رقيب أو حسيب، إلى كل شيء ممنوع حتى يمر على الرقيب. هل هذه منهجية صائبة للبحث عن أفضل الخيارات؟

منهجية متبعة منذ استعادة السيادة الوطنية، غلق كل المجالات إلى حد الاختناق، ثم فتحها إلى حد التسيب، بلا سياسة رشيدة تقوم على التدرج في الفتح أو الغلق وعلى الانطلاق من الجزء إلى الكل لأجل تحقيق غاية مسطرة على الأمد البعيد. باستمرار نحن إما خياراتنا مفتوحة تماما أو مغلقة تماما، وأحيانا نقيضة للأولى، أبدا ما اعتمدنا خط الاعتدال القائم على التفكير المستدام لاقتصاد موارد اليوم إلى الغد أو للسعي لحلّ مشكلات اليوم ضمن أفق الغد.

بدل أن تعرف الجزائر نتيجة تلك الوفرة المالية بروز مستثمرين حقيقيين يقيمون اقتصادا مُنتِجا، عرفت المزيد من التجار الوهميين الذين حقّقوا مزيدا من الثروات الخيالية مقابل ملء الأسواق الجزائرية بكل خردة استوردوها من الخارج بكميات ونوعيات أكبر من سنوات الثمانينيات، من السيارات إلى الأجبان إلى مواد التجميل.

باستمرار نحو الخيارات الحادة؛ عندما اخترنا الاشتراكية كان التأميم فيها حادا إلى درجة أن مَسَّ صغار الفلاحين المنتجين وصغار التجار والصناعيين الحقيقيين. وعندما اخترنا الانفتاح كان العكس تماما، حيث قُمنا باستيراد كل شيء وسوَّقناه بالسعر المُدعَّم حتى اتخِمت الأسواق، وقيل آنذاك أنه علينا "التنفيس" عن الشعب، وعلى الناس أن يأكلوا الموز والجبن المستورد وأن نُمكِّنهم من الاستفادة من كل ما كان ممنوعا منذ سنوات إن لم يكن منذ أشهر قليلة، مِن السيارات والأجهزة الكهرومنزلية إلى مواد التجميل والكماليات. وفرح مَن فرح بذلك، وربح مَن ربح من ذلك، لبضع سنوات.

وحتى سياسيا عندما هبَّت رياح التغيير على العالم، وباتت التعددية والديمقراطية خيارا يسارع نحوه الجميع، أخذنا ذلك بحِدِّية غير مسبوقة. نفس الأشخاص المتشددين في عهد الاشتراكية تحوّلوا إلى ليبراليين وإلى مدافعين عن اقتصاد السوق، ونفس الأشخاص الذين قنَّنوا بيع الزيت والسكر والسميد تحوّلوا إلى مدافعين كبار عن حرية التجارة. وانتقلنا بهم من حِدَّة موقف إلى حِدَّة موقف آخر، وكأننا محكومون بهذه المنهجية في العمل وليس لنا بديلٌ عنها.

وتكرر ذات المشهد بعد سنة 1999، بعد أن انطفأت نار الفتنة أو كادت، بدل أن نتصرف بعقلانية مع ما توفر لدينا من موارد ومداخيل مالية ضخمة في بداية القرن، اتخذنا قرارا حادا آخر تَمثَّل في توزيع المال العام على القريب قبل البعيد، وعدم محاسبة هذا وذاك، والعفو عن كل من خُصَّ بأموال طائلة من الخزينة العمومية باسم الدعم الفلاحي أو الدعم الاقتصادي أو تسهيل الاستيراد أو تمكين أقلية من المشاريع الضخمة باسم الولاء والصداقة وتقاسم الريع... وبدل أن تعرف الجزائر نتيجة تلك الوفرة المالية بروز مستثمرين حقيقيين يقيمون اقتصادا مُنتجا، عرفت المزيد من التجار الوهميين الذين حقّقوا مزيدا من الثروات الخيالية مقابل ملء الأسواق الجزائرية بكل خردة استوردوها من الخارج بكميات ونوعيات أكبر من سنوات الثمانينيات، من السيارات إلى الأجبان إلى مواد التجميل... ولكن بنفس منهجية ما بعد الاشتراكية: استبدال مواقف حادة وقرارات حادة بنقيضها تماما واعتبار ذلك خدمة للشعب وتنفيسا له ومكافأة له على صبره، على تقشف اشتراكية السبعينيات، و"جوع" وإرهاب التسعينيات... وفي كل الحالات كانت النتيجة الفشل في معرفة الطريق الصحيح نحو التقدم، والفشل في اعتماد المقاربة الأفضل لبناء اقتصاد مُنتِج ودولة حقيقية وقبل ذلك إنسان سَويٍّ كل شيء قائم فيه على التوازن وعلى التدرج بعيدا عن المواقف والقرارات الحادة والسياسيات الشعبوية التي تسعى لإرضاء الحاضر على حساب المستقبل ولمنع البلاد من امتلاك استراتيجية بعيدة المدى تَحكُمها معالم ثابتة لا علاقة لها بنزوات أو رغبات الأفراد ومحاولة البروز في كل مرة في شكل القائد الملهم البطل الذي سيخلِّده التاريخ.

لم نكن قطّ في حاجة إلى مثل هذه المنهجية التي ابتلينا بها منذ أكثر من 50 سنة، بسب الجهل أحيانا، وقصر النظر أخرى، وحب الزعامة في كثير من الأحيان.. والمؤسف له أننا لم نتعلم الدرس إلى الآن، وها نحن على أبواب تكرار ذات الخطأ الذي اُرتُكِب وبنفس الطريقة ربما للمرة الثالثة.

اليوم وبدل أن نجري تقييما موضوعيا للمسارات التي اتبعتها بلادنا في العقود الماضية، ونتأكد من طبيعة الخلل الذي عرفته سياساتنا العامة، وبخاصة منهجية العمل، ونعترف بأننا في كل مرة كُنّا نجانب الطريق الصحيح أو يأتي المسؤول الأول الذي يجعلنا نجانب هذا الطريق الصحيح، ها نحن نتصرف بنفس "غريزة" النظام السياسي السابقة: ينبغي أن نضع نقطة إلى السطر في أكثر من مكان ونأخذ منعرجات حادة مرة أخرى في شكل سياسة تحمل لوحة "قف" في يدها كبديل لسياسة كانت تحمل لوحة "انتهت الممنوعات" التي سبقتها، معتبرين ذلك هو البديل الذي سيُريح الشعب ويُمكِّن الحكم من الاستمرار لسنوات أخرى بلا ضغوط ولا تهديدات، دون أن ندري أن في ذلك مَنعا لانطلاق البلاد حقيقة نحو التقدم والازدهار وبناء دولة عصرية تحكمها الاستراتيجيات الكبرى والقوانين الصارمة لا الأهواء والسياسات "البوليتيكية" التي تقوم على استعطاف عامة الناس ومنعهم من اعتماد مواقف ضاغطة على الحكومات المتتالية.

بمعنى آخر أننا اليوم لا نعتمد المنهجية الصحيحة في تعديل مسار بلادنا، إذ لا يمكن أبدا لأي حكومة أن تفتح جميع الملفات في آن واحد وبحدِّية واضحة، وأن تسعى لمواجهة كافة المشكلات بطريقة شاملة وكأنها تملك عصا سحرية ستُمكنها من تغيير واقع البلاد من النقيض إلى النقيض، إلا إذا كانت الأهداف شخصية مرتبطة بالزمن المباشر من هنا إلى سنة 2019، أما إذا كُنَّا نسعى إلى تصحيح السياسات السابقة بما يبني الاقتصاد الوطني ومؤسسات الدولة بطريقة متينة فهذه ليست هي المنهجية الصحيحة.

المنهجية الصحيحة ينبغي أن تقوم على تحديد أهداف بعيدة للبلاد لما بعد 15 سنة، ولا بأس أن يكون من بينها القضاء على الفساد وبناء صناعة قوية وفلاحة مُنتِجة وقبل ذلك إعادة الاعتبار للإنسان والذكاء والتربية والأخلاق، أهداف تكون بحق في مستوى تطلعات الأمة مع الاعتراف بأنها لا يمكن أن تتحقق بين عشيَّة وضحاها، وبعدها يتم الشروع في تنفيذ سياسات عملية لتحقيق هذه الاهداف تدريجيا ومن غير أي مواقف أو تصريحات حادة أو تصرُّفات سريعة تخيف البعض أو تدفع بآخرين ـ كانوا قد تغوَّلواـ إلى الانتقال إلى المواقف المعادية التي لن تكون سوى مقدمات لحرب أو حروب شرسة يدفع ثمنها البلد غاليا.. هل القيام بتقنين الاستيراد بالطريقة التي نقوم بها حاليا، سيساهم في بناء الاقتصاد الوطني أم أنه سيدفع بكبار المستوردين الذين تُرِكوا لسنوات عديدة بلا حسيب ولا رقيب يقومون بردّة فعل تجاه الحكومة ندفع ثمنها غاليا؟ هل القرارات المتعلقة بالمناطق الصناعية وبالاستثمار الخارجي والاستثمار العمومي وبميزانية التجهيز هي قرارات صائبة أو فيها من المنهجيات الخاطئة سابقا الكثير؟

يبدو أن تلك هي الحقيقة؛ أن هناك الكثير من منهجية العمل السابقة وغير الصحيحة الذي يتكرر اليوم سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر، كانت لدينا النية في ذلك أم لم تكن، وعلينا أن نوقف العمل بهذا، وليس أمامنا وقتٌ كبير لنفتح ورشة حقيقية للتفكير في أي منهجية هي الأفضل لنا في المستقبل لكي لا تكون قراراتُنا نسخة لما سبقها تحت عناوين جديدة، وحتى لا نستمرَّ في الجري وراء سراب التقدُّم دون جدوى. إن المسألة تتعلق بمنهجية التفكير وبالرؤية المستقبلية، وعلينا أن ندرك ذلك ونُصحِّحه، ولعله لن يتم دون إسناد الأمر إلى جيل يفكر بطريقة أخرى، وذلك ليس بالأمر اليسير.

  • print