هل أصيب علمانيو الجزائر في مقتل؟

date 2017/08/04 views 5584 comments 0

نشرت إحدى الصحف الجزائرية، المعروفة بتوجّهاتها العلمانية المتطرفة، في الأيام الماضية، رسما كاريكاتيريا يحاول رسامه المعروف بجرأته على كلّ ما له صلة بالدّين، أن يصوّر لمتابعي خربشاته الشاذّة أنّ تفوّق بعض مناطق الوطن في نسبة النجاح في الامتحانات المختلفة، مردّه إلى تحرّر أبنائها من سلطة الدّين وتقديسهم حرية التّفكير والبحث والمطالعة، بعيدا عن أيّ قيد أو خط أحمر! وهو ما يفتقده غيرهم ممّن صوّرهم الرسّام على أنّهم غارقون في تقديس المظاهر وامتثال الحلال والحرام وفي مطالعة كتب تفسير الأحلام وما شاكلها!

هكذا تمنحُ الحرية الكاملة غير المنقوصة للمتطرفين من سدنة المعبد العلمانيّ للإفصاح عن نزواتهم والتّعبير عن حقدهم الأسود الذي يكنّونه لكلّ ما يمتّ للدّين والعادات بصلة، وكأنّ تطرّفهم هذا لا يهدّد أمن البلاد ولا يهدّد المرجعية الدينيّة الوطنيّة، ولذلك فهو لا يستنهض همم المسؤولين لإنذار الجامحين إليه، ولو قدّر أنّ هذا اللّمز وجّه إلى بعض المسؤولين لرأينا البطاقات الحمراء تشهر وسياط العقوبات تسلّط على هؤلاء الشواذّ فكريا، ولكن يبدو أنّ دين الله لم يعد له من يحميه ويذود عنه في هذا البلد الذي ينصّ دستوره على تجريم المساس بالدّين وشعائره وشرائعه، لكن، أين من يطبّق الدّستور ويفعّل القوانين؟

لقد جنّ جنون أحبار الفكر العلمانيّ الاستئصاليّ وهم يرون الطالبتين المتفوّقين في كلّ من امتحان شهادة البكالوريا وامتحان شهادة التعليم المتوسّط، تلبسان الحجاب الواسع وتتحدّثان بلهجة عربيّة إسلاميّة، وفوق هذا، أصابت المتفوقة في شهادة البكالوريا "خولة بلاسكة" أدعياء إصلاح المنظومة التربوية وسدنة الاستئصال في مقتل، عندما تبيّن واشتهر عنها أنّها من حفظة كتاب الله جلّ وعلا.

لقد تلقّى العلمانيون وأدعياء الإصلاح ضربة موجعة، فأرادوا الالتفاف حولها، بمحاولة إذكاء نيران الجهوية المقيتة، ومحاولة إظهار أنّ بعض مناطق الوطن تتبنّى خياراتهم الشاذّة، وهي دعوى لا أساس لها من الصحّة، فكلّ مناطق هذا الوطن، مهما ظهر من تساهل بعض أبنائها في بعض شعائر الدّين، فإنّها مجمعة على رفض الفكر العلمانيّ الاستئصاليّ الذي يتستّر سدنته بالعلم، والعلم منهم بريء، ليتوصّلوا إلى تنفيس أحقادهم التي يحملونها للدّين وللمنافحين عنه.

لقد أجلب العلمانيون بخيلهم ورجلهم على مشروع المسجد "الأعظم"، ولا يزالون من حين إلى آخر يبدون امتعاضهم من هذا المشروع، ويستنكرون أن تصرف عليه الأموال الطّائلة التي يُفترض أن ترصد لبناء المستشفيات!.. ولعلّ ما يحزّ في النّفس أنّ بعض الخيّرين تأثّروا بهذه الدّعوى المتستّرة بمصلحة المجتمع، وكأنّ أموالنا كلّها تنفق في محلّها، ولم تبق سوى تلك التي رصدت للمسجد "الأعظم" لتفتكّ منه؟ وسبحان الله! مِن بين أكثر من 15 ألف مسجد في الجزائر، لم تبنِ الدولة من أموال الخزينة العمومية سوى بضعة مساجد تعدّ على أصابع اليدين، في حين تكفّلت ببناء المدارس التي يفوق عددها عدد المساجد، وتكفّلت ببناء المستشفيات والملاعب الجوارية، فكم تساوي تكلفة المسجد الأعظم أمام تكلفة المدارس والمعاهد والمستشفيات والملاعب الجوارية التي تبنى وتجهّز ويخصّص لها عشرات الآلاف من الموظّفين؟ بل ماذا تمثّل تكلفته مقارنة بالأموال الطّائلة التي تنفق سنويا في المهرجانات والتّفاهات؟

أحد رسّامي الكاريكاتير من العلمانيين أراد أن يهزأ بمشروع المسجد الأعظم، فصوّر مؤذّنا يصعد فوق منارته وينظر إلى الضفّة الأخرى من المتوسّط، بينما يسأله أحدهم في الأسفل عمّا يراه هناك في أوروبا، فأجابه بأنّه يرى المستشفيات والمدارس ودور الحضانة ودور المسنّين والمكتبات... لقد نسي هذا الرسّام أنّ المؤذّن الذي اعتلى منارة المسجد ورأى ما رأى في الضفة الأخرى، لو ولّى وجهه إلى الجهة الأخرى لرأى أوبرا الجزائر التي أنفقت عليها ملايين الدولارات ولرأى منتجعات ومحميات المسؤولين التي تنفق عليها الأموال الطّائلة ولرأى كثيرا من المشاريع التي أنفقت عليها الملايير ولم يستفد منها المواطن شيئا.. فلمَ توجّه السّهام إلى المسجد، مع علم الجميع بأنّ الجزائر في حاجة إلى جامع على غرار جامع الأزهر وجامع الزّيتونة، يكون منارة علمية لنشر رسالة الإسلام النقيّة في ظلّ الاختلاف والهرج الذي تعيشه أمّة الإسلام؟

  • print