خيارات الحكومة لمواجهة الأزمة المالية تصطدم بالواقع

هاجس الندرة وانهيار القدرة الشرائية يُربك الجزائريين

date 2017/08/10 views 8213 comments 23
author-picture

icon-writer محمد مسلم / أسماء بهلولي / إيمان كيموش

قرارات في مواجهة خيارات تنتهي بحالة من الإرباك.. وفي المقابل، الدينار يتهاوى أمام اليورو والدولار، والحكومة تسارع لنجدة "خزينة" الدولة من العملة الصعبة، من الضياع في سوق سلع من الكماليات تستورد بعملة صعبة مهربة بطريقة قانونية من البنوك العمومية.. المشهد مخيف لأن ما تجنيه البلاد من واردات النفط لم يعد يكفي حتى لتغطية حاجيات الجزائريين من الغذاء والدواء.

يحدث هذا في مشهد يصور الحكومة وكأنها في حرب مع رجال الأعمال والمستوردين، فيما كل طرف يصرخ مؤكدا بأن ما يقوم به هو في صالح البلاد ووفق القانون.. هل هذا المشهد حقيقي أم افتراضي؟ ومن صاحب الوجاهة في هذه الجدلية؟ وهل البلاد بحاجة إلى هذا الجدل وفي هذا الظرف الصعب؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول "الملف السياسي" لهذا العدد الإجابة عليها.

 

قرارات مربكة عشية الدخول الاجتماعي

السياسة والاقتصاد.. من يقود الآخر؟

تشهد البلاد أياما قبل الدخول الاجتماعي حالة من الارتباك بسبب المعطيات التي تطبع المشهدين، السياسي والاقتصادي.. فقوائم السلع الممنوعة من الاستيراد يبدو أنها لم تحقق الأهداف المرجوة، والسبب قد يتجاوز الاعتبارات المتعلقة بالسوق.

فقيمة الدينار هبطت إلى مستويات مخيفة، ليس فقط في سوق العملة الصعبة الموازي بساحة بور سعيد بالعاصمة، بل وصل الأمر إلى قيمة الصرف الرسمية للدينار، والتي قاربت الـ 130 دينار مقابل اليورو الواحد. أما أسعار النفط وإن تجاوزت خلال الأسابيع الأخيرة، عتبة الخمسين دورا للبرميل، إلا أنها تبقى دون ما يتمناه المقررون والمنفذون في الحكومة.

يحدث هذا في وقت تعيش فيه البلاد على وقع تسريبات أربكت المشهد السياسي، فالخيارات التي باشرها الوزير الأول، عبد المجيد تبون، على هذا الصعيد، تواجه انتقادات وقد تتحول هذه الانتقادات بسرعة فائقة إلى قرارات فوقية تلغي ما تم رسمه من قبل الحكومة، وقد بدأت أمارات هذا الارتداد من ميناء العاصمة، وبتوجيهات من مسؤولي القطاع المعني.

ومعنى هذا أن قرار الحكومة بمنع استيراد العشرات من المواد والسلع بداعي التقليل من استنزاف العملة الصعبة التي مصدرها واحد ووحيد وهو الجباية النفطية، لن يقف حجرة عثرة أمام نضوب مخزون البلاد من العملة الصعبة، التي كانت تستنزف خلال سنوات الرخاء بمقدار ما يقارب الستين مليار دولار في السنة.

ومعلوم أن منع استيراد بعض السلع لا يفهم منه حظر استيرادها بالمعنى المباشر، لأن ذلك يتنافى والاتفاقيات التي أبرمتها الجزائر بعض شركائها، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوربي، وكذا التزاماتها في إطار منظمة التجارة العالمية التي لا تزال معها في مفاوضات، بل منع توطين العملة الصعبة..

فالمستورد بعد هذه القرارات يمكنه استيراد السلع الممنوعة، لكن بعد حصوله على العملة ليس بالقيمة المحددة في البنوك العمومية، بعد قرار إلغاء التوطين، ولكن بالسعر الذي تحدده السوق الموازية، وهذا معناه الراغبون في استيراد السلع الممنوعة، مطالبون بشراء العملة الصعبة بسعر السوق السوداء، وهذا يؤدي بالضرورة إلى ارتفاعات صاروخية لأسعار تلك السلع، لكن ولحسن الحظ فإن السلع الممنوعة تبقى في عمومها كماليات.

الحكومة ومن خلال الإجراءات التي عمدت إليها، تسعى إلى تخفيض قيمة الواردات إلى عشرة ملايير دولار في النصف الثاني من العام الجاري، لأنها تدرك أن الأيام المقبلة ستكون أصعب، لاسيما في ظل تراجع إنتاج البلاد من بعض السلع الأساسية كالحبوب، التي سجلت تراجعا مخيفا هذه السنة بسبب الجفاف، الذي هوى بحصيلة المنتوج إلى النصف، أي حوالي 35 مليون قنطار فقط، بحسب الأرقام التي قدمها الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين.

المعطيات التي تطبع المشهدين السياسي والاقتصادي، تأتي أياما قليلة عن موعد الدخول الاجتماعي لهذه السنة والذي قد يختلف عن سابقيه، وهو الموعد الذي عادة ما ينغص حياة الفئات الهشة بسبب المتطلبات الموسمية (أعباء الدخول المدرسي، عيد الأضحى..).

ومن هذه الزاوية، يتعين على الحكومة العمل على امتصاص غضب الفئات الهشة والمحرومة، عبر اتخاذ قرارات وتدابير تحد مما قد ينجر عن الوضع الاقتصادي الصعب، والذي قد يتمظهر في أبعاد اجتماعية يصعب جبرها، ما يشكل خطرا على استقرار البلاد، التي باتت محاصرة بأزمات إقليمية مصطنعة وأطماع دولية.   

 

رئيس الفيدرالية الجزائرية لحماية المستهلك زكي احريز  لـ"لشروق":

منع استيراد السلع يجب أن يسبقه تأهيل المؤسسات الوطنية

ما تعليقكم على قوائم السلع الممنوعة من الاستيراد؟

الحكومة حسب رؤيتها للمعطيات الاقتصادية، ترى أن تحديد قائمة السلع المستوردة، خاصة الكماليات منها هو تشجيع للإنتاج المحلي وتقليص في نفس الوقت لفاتورة الاستيراد، لكن دون آن تقدم البديل الذي من شأنه أن يعوض احتياجات المواطن الذي تعود على نوعية مميزة من المنتجات الأجنبية، فالمجتمع الجزائري أصبح يبحث عن الجودة ولا يتنازل عنها، وبالتالي مثل هذا القرار من شأنه أن يؤثر على متطلبات المستهلك.

 

هل سيكون لمثل هذا القرار انعكاس على القدرة الشرائية للمستهلك الجزائري؟

بطبيعة الحال سوف يكون لهذا القرار العديد من التداعيات التي من شأنها أن تؤثر على المستهلك، خاصة ما تعلق بالأسعار التي ستشهد ارتفاعا بسبب نقص المنافسة في السوق، كما أن قرار منع استيراد العديد من المنتجات سوف يخلف نوعا من الندرة، على اعتبار أن البديل في الوقت الراهن غير موجود، والمنتوج المحلي لا يفي بالغرض، وهو الأمر الذي من شأنه أن يشجع تجارة "الشنطة" التي ينتظر أن تعود بقوة وتزيد من معاناة المستهلك الجزائري، على اعتبار أن المنتجات التي تأتي عبر هذه التجارة غير الشرعية تكون غير آمنة، ويمكن أن تؤثر على صحته، خاصة إذا كانت المنتجات عبارة عن مواد مستهلكة كـ"الشيكولاطة" والجبن.

 

برأيك هل المنتوج المحلي قادر على ضمان البديل وبالنوعية المطلوبة؟

المنتوج المحلي قادر على المنافسة في حالة واحدة فقط، وهي في حال توفرت الشروط اللازمة في المؤسسات الجزائرية لتكون قادرة على المنافسة وتقديم البديل الذي يبحث عنه المواطن، فمنذ توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في سنة 2002 ودخوله حيز التنفيذ في 2055، والتي تنص على المساهمة في تأهيل المؤسسات العمومية لم نر شيئا، سوى أن الخبراء الأوروبيين ساهموا في تلقين الجزائريين أساليب الإشهار والتسويق، أما قضية الجودة وهو الأمر التقني الذي كان بإمكانه أن يجعل من هذه المؤسسات قادرة على تقديم منتوج مميز، فلم يتحقق وبقيت هذه الشركات على حالها مقارنة بدول الجوار المغرب وتونس التي استفادت من خبرة الأجانب في مجال الجودة والنوعية، لكن هذا الأمر لا يعني ضعف كل الشركات، فمثلا إنتاج العصائر والأجبان تعرف تتطورا ملحوظا ويمكن للمنتوج المحلي أن يعوض السلع المستوردة عكس مواد التنظيف والتجميل التي لازالت الشركات الجزائرية متأخرة فيها، والمستهلك لا يثق في المنتوج المحلي، لهذا نطالب وزارة الصناعة أن تفتح المجال أمام مراكز التأهيل لتحسين نوعية الإنتاج.

 

هل يمكن أن يؤدي قرار منع بعض المنتجات من الاستيراد إلى الإخلال بمنطق المنافسة الحرة في السوق؟

هذه الإجراءات كان يفترض أن لا تكون، وان لا نصل إليها في هذا الوضع الكارثي الحالي، فقبل اتخاذ قرار المنع كان يجب على الحكومة أن تبحث عن البديل وفقا للمعطيات الموجودة في السوق، فـ15 سنة من تأهيل المؤسسات كان من المفروض ان تكون كافية لتقديم منتوج مميز، غير أن الواقع يتحدث عكس ذلك، وسوف يكون المستهلك الجزائري أول الضحايا لمثل هذا القرار، فغياب المنافسة في السوق سوف يتسبب في ارتفاع الأسعار بسبب ندرة السلع.

 

تراجع قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية، ألا يزيد من متاعب المستهلك؟

بالتأكيد سوف يزيد من متاعب هذه الفئة، خاصة وان الدينار الجزائري لم يعد ينافس وهو في تراجع رهيب وسوف يؤثر على المستهلك، خاصة وان الراتب الشهري لم يعد كافيا لتغطية حاجيات الأجير.

 

كيف السبيل لحماية الفئات الهشة في ظل هذه المعطيات؟

في الحقيقة، الفئة الهشة تحتاج إلى مساعدة مباشرة، والحكومة مطالبة بإعادة النظر في التحويلات الاجتماعية لتحديد الفئة التي يجب أن تستفيد من هذا الدعم، لاسيما وأن قرار منع استيراد بعض المنتجات سيكون له تأثير على هذه الفئة، وعلى الاقتصاد الجزائري على وجه الخصوص، وبالتالي يمكن القول إن مثل هذا الإجراء كان من المفروض أن يأتي بعد دراسة معمقة لمقومات وواقع الاقتصاد الوطني.

 

الخبير الاقتصادي الدولي عبد المالك مبارك سراي:

تجارة "الشنطة" لا تضر مثل استيراد "الحاويات"

في ظرف ثلاثة أشهر، 36 منتجا مستوردا ممنوعون من التوطين البنكي، متى يتوقف هذا المنع المبرمج؟

أولا، يجب إدراك حقيقة مراسلة الجمعية المهنية للبنوك والمؤسسات المالية، فقرار منع التوطين البنكي لـ36 منتجا، لا يعني منع استيراد هذه المواد، وإنما منع تمويلها عبر البنوك، ولكن يبقى باب الاستيراد مفتوحا أمام الأشخاص في حال ما إذا قرروا الاستيراد بأموالهم الخاصة، مع العلم أن المنع ليس نهائيا، وإنما هو منع مؤقت يتزامن مع الظرف المالي الصعب الذي تمر به الجزائر والأزمة النفطية وتراجع المداخيل وتأثر الميزان التجاري سلبا، وبمجرد انقضاء هذا الظرف، سيتم رفع الحظر، وإلغاء قرار منع التوطين البنكي لهذه المواد.

 

هل هذه القرارات مبررة من الناحية الاقتصادية؟

هي قرارات مبررة اقتصاديا، بالنظر إلى أنه من حق كل دولة خدمة اقتصادها، عبر اتخاذ إجراءات لتقليص الواردات ورفع الصادرات وتشجيع المنتج المحلي وترشيد النفقات، فالحل الوحيد أمام السلطات الجزائرية لإحياء المنتج المحلي هو وقف الاستيراد، وإجراء تجميد التوطين البنكي لـ36 مادة يندرج ضمن هذه الخيارات.

 

في البداية، السلع الممنوعة كانت تشمل فقط المنتجة محليا، وبالتالي القرار كان لحماية المنتج المحلي، ولكن اليوم الأمر وصل إلى السلع غير المنتجة محليا، كيف السبيل إلى تفادي الندرة اليوم؟

في البداية، ستؤثر هذه القرارات على العرض والطلب في السوق، وستتسبب في ندرة بعض المواد، لكن على المديين المتوسط والبعيد، سيظهر متعاملون محليون ينتجون هذه المواد الممنوعة محليا، الأمر الذي سيكسر المضاربة ويعيد الوفرة، وحاليا أعتقد أنه يجب ضخ 1.2 مليون شركة جديدة في السوق الجزائرية، مدرجة ضمن غطاء الشركات الصغيرة والمتوسطة، في حال خلق هذا النسيج المؤسساتي، سيتم القضاء على مشكلة الندرة بشكل نهائي، وحتى بعد رفع قرار حظر التوطين البنكي، لن نجد هناك متعاملين يلجؤون إلى استيراد هذه المواد التي ستكلفهم غاليا، إلا أنها بالمقابل ستكون متوفرة في السوق الوطنية وبأسعار معقولة مقارنة مع تلك المستقدمة من الخارج.

 

ما هي تداعيات مثل هذه القرارات على علاقة الجزائر بشركائها، على غرار الاتحاد الأوروبي والصين وأمريكا؟

بالفعل، مثل هذه القرارات ستؤثر على شركاء الجزائر وأكبر مورديها، إلا أنه يمكن مجابهة المشكل، وبطريقة قانونية، بحكم أن هذا المنع مؤقت ولن يستمر طويلا، وإنما جاء تزامنا مع الظرف الاقتصادي الصعب الذي تعيشه الجزائر وتمر به الخزينة العمومية اليوم، فلا يمكن منح قروض للاستيراد في وقت يشهد سعر البرميل من البترول انخفاضا حادا، كما أن الأمر مرتبط بالسيادة الوطنية، فلكل دولة الحق في حماية اقتصادها وتقليص مصاريفها وتشجيع منتجها المحلي، وعلى كل، فهذا الحظر لن يستمر أزيد من 4 سنوات على ما أعتقد.

 

كيف يمكن أن تنعكس مثل هذه القرارات على الوفرة والأسعار؟

مثلما أخبرتك سابقا، هذا القرار سيؤثر بشكل كبير على الوفرة، سيتسبب في ندرة مؤقتة في السوق، وبما أن السوق والأسعار يتحكم فيها منطق العرض والطلب، سترتفع الأسعار نسبيا خلال المرحلة المقبلة، وسيستغل التجار والمضاربون الفرصة لإلهاب السوق، لكن الأمور ستعود إلى وضعها بمجرد ضخ المنتج المحلي في السوق، بل إن الأسعار ستكون أقل من تلك المعتمدة حاليا، فلا يمكن المقارنة من حيث الثمن والتكلفة بين ما هو منتج محليا وما هو منتج في الخارج.

 

ألا يشجع مثل هذا القرار السوق الموازية وعودة تجار "الشنطة" بدل أصحاب الحاويات؟

ما يمكن قوله اليوم أن تجار "الشنطة" عادوا بقوة وانتهى الأمر، لكن هؤلاء لا يشكلون ضررا كبيرا على الاقتصاد، مثلما يصوره العديد من الخبراء مقارنة مع إجراء التوطين البنكي، فهؤلاء يستوردون بكميات قليلة جدا، وبأموالهم وإمكانياتهم الخاصة وليس بأموال الخزينة، الأمر الذي يعتبر أقل الضررين، فالاستيراد عبر "الشنطة"، أو بأموال المواطن الخاصة ليس ممنوعا، والأمر يشمل حتى السيارات، التي يشتكي الكثير من منع استيرادها، في حال أراد أي جزائري اقتناء مركبة جديدة من الخارج بإمكانياته الخاصة، فذلك لن يسبب له أي مشكل.

  • print