«..... Cherchez la f»

date 2017/08/12 views 3679 comments 16

واهمٌ من يعتقد أن الحملة التي انطلقت هذا الأسبوع مستهدِفة- في الظاهر- رئيس الحكومة، أنها تريد رأس خليفة سلال، إلا إذا كان لا يفقه شيئا من سير وسلوك النظام، لأن الآلة الإعلامية المتعوِّدة على التسيير عن بُعد، وقنوات صرف المياه الآسنة في ما يسمى بتنظيمات المجتمع المدني والمشهد السياسي ما كان لها أن توظَّف بهذا الشكل العنيف، الفج، الفقير إلى التدبير السياسي، لو لم يكن سلوك رئيس الحكومة "المأمور" قد أصاب مجموعة نافذة في حواشي السلطة في مقتل، وهي تعلم أن رؤساء الحكومة في النظام الجزائري لا يملكون سلطة تغيير موازين القوى إلا بحبل من أحد الموقعين: الرئاسة أو المؤسسة العسكرية.

ما صدر عن السيد تبون كان بلا ريب تنفيذا لأوامر مباشِرة من الرئيس، وبمباركة من رأس المؤسسة العسكرية عند من تابع بعناية بداية مسلسل "الفصل بين الدولة والمال" وأن ما تحاملت به الهجمة على رئيس الحكومة عبر "تسريبات مركبة غير آمنة" من قناة تلفزيونية خاصة يعلم الجميع قربها من زمرة الباطرونا تتجاوز حدود محاولة إضعاف رئيس الحكومة، بالترويج لما ادَّعت القناة أنه من "مصدر موثوق" من الرئاسة يزعم أن الرئيس قد غضب من رئيس حكومته؟!

دعونا بسرعة نفكك بعض مَواطن الغش والخداع في هذه الحملة التي هي أشبه بما قاله سهل بن مالك: "إياك أعني واسمعي يا جارة" لأن المستهدَف الأول بالحملة هو الرئيس الذي لم يمهل تبّون فرصة استلام الوزارة الأولى ليُدخِله في معركة مع الأطراف التي كانت تعِدّ العدة لانتزاع قرار تحديد مآل رئاسيات 2019 من أصحاب الشأن، وكان ذلك من الأسباب التي سرَّعت في ترحيل سلال، وتعطيل مسار يذكِّرنا بسيناريو 2004.

الروائي الفرنسي ألكساندر دوما كان قد ابتكر عبارة «Cherchez la femme» ويحلو لي أن أستبدلها بعبارة "Cherchez la France" لمن يريد فهم بعض الفتن التي تصيب نظام الحكم في الجزائر، لأن إقالة السيد سلال وفريقه الاقتصادي كانت ضربة موجعة إلى فرنسا، التي فشلت دوائر الرصد لديها في استشراف موعد ترحيل سلال، وكان ذلك أحد دوافع تغيير فرنسا لسفيرها، وشطحات ماكرون البهلوانية من مالي، وصرخات الديكة المذبوحة في البرلمان الفرنسي، فجاءت سفرية السيد تبون إلى فرنسا تحت غطاء "الزيارة الخاصة" للتمويه على مهمة في أعلى مستوى، يكون الرئيس قد كلفه بها لتهدئة روع الفرنسيين، وإقناعهم بأن الإجراءات التي اتخِذت لا تستهدف المصالح الفرنسية، في محاولة من الرئيس لتجريد الأطراف الجزائرية المستهدَفة من الغطاء الفرنسي من باب معالجة الخصوم جبهة بعد جبهة. 

لا شك أن حملة السيد تبون على بعض من يريد السطو على السلطة بالمال، وهجومهم المضاد لإضعافه، تكون قد ولَّدتا تشويشا كبيرا في الأوساط الشعبية، ونجحت في خلق إحباطٍ شعبي كبير بعد أمل لم يعمِّر أكثر من ثلاثة أسابيع. مِثلهم لا أملك المعلومة لكني أجازف بالقول: إننا قد دخلنا فعلا في مناورة مفتوحة بين الرئيس الماسك بأكثر من خيط في لعبة تحريك موازين القوى، ومن يريد اختطاف القرار منه بحبل راش من رجال أعمال هواة في تدبير السياسة كما في تدبير الأعمال. 

  • print