عمّت ولم تخفّ!

date 2017/08/13 views 2045 comments 9

ترفسني جاموسة إن تمكن أحد من إقناعي وإقناع نفسه بأن المجتمع بخير.. فهل المجتمع الذي يتعرّض فيه إمام للتهديد بالموت، بخير؟ هل المجتمع الذي يتورط فيه إمام في سرقة صندوق الزكاة أو الاعتداء على طفل، بخير؟

هل المجتمع الذي يرفض طبيب تقديم يد المساعدة لمريض في خطر، بخير؟ هل المجتمع الذي "يلكم" في مريض طبيبه، بخير؟ هل المجتمع الذي يعتدي فيه تلميذ على أستاذه، بخير؟ هل المجتمع الذي يتحرّش فيه أستاذ بتلميذته، بخير؟ وهل المجتمع الذي تعمّ فيه جرائم القتل بين الأب وابنه، والأخ وأخيه، بخير؟

يا جماعة الخير "الحالة ما تعجبش"، ومن قال بأنها "تعجب"، عليه أن يبدّد تلك المشاهد والحقائق المرعبة والمقلقة، التي تتفاقم وتتنامى وتكاد تتحوّل إلى "مودة" وتقليد يتهافت عليه هؤلاء وأولئك، والأخطر من ذلك، أن الكثير من الانحرافات، تطوّرت للأسف من العدوى إلى الوباء، وأصبح الجميع غير مطعّم أو ملقـّح ضدها!

كان الإمام والأستاذ و"كبير الدوّار" والمجاهد والحكيم، وغيرهم، من الشرفاء والنزهاء، مصدرا لاقتباس الأوامر والأخلاق، وعندما يتكلّم أحد هؤلاء، يصمت الكبير قبل الصغير، والرجل قبل المرأة، ومن باب الاحترام لا تردّ كلمتهم، ولا صوت يعلو فوق صوتهم، لأنهم لا ينطقون عن هوى، لا يظلمون، ولا ينصرون ظالما على مظلوم!

لذلك، كان المجتمع، بمختلف فئاته، يعيش متوازنا هادئا، وحتى إن حدث انحراف ما بقدر قادر، فإنه يبقى فعلا معزولا، أو قولا انفراديا، لا يُعمّم، ولا يفرض الهمّ والغمّ و"الدّم" بين الأفراد والجماعات والعائلات، وهو التشخيص الذي انقرض في زمننا هذا، وماذا علينا أن ننتظر وقد دخل "المعصومون" في نفس "الشاشية" التي بها النطيحة والمتردية وما أكل السبع!

نعم، لم يعد المجتمع ذلك البنيان المرصوص، المتزن والموزون بتعاليم الدين والأخلاق والقيم والاحترام وكلّ ما هو جميل من عادات وتقاليد موروثة أبا عن جدّ، ولذلك، فإن ما يحصل من انزلاقات وهزات للمجتمع الجزائري، هو امتداد للتحوّلات التي تعرفها العائلة والأسرة والمدرسة والمسجد والمنظومة التربوية والقانونية، وكلها أسباب التغيّر العميق الذي جعلنا نتكيّف مع مختلف الجرائم والتعايش مع فساد التربية بدل محاربتها!

بعيدا عن مطاردة أسبقية البيضة والدجاجة، فإن المشكلة عويصة، والحلّ لم تتضح بوادره إلى أن يثبت العكس، ورغم الضيق لم يأت الفرج، لكن سيأتي إن عاجلا أم آجلا، غير أن المطلوب والمستعجل هو العودة إلى الأصل والفصل، حتى يعود مجتمعنا ونعود معه جميعا إلى جادة الصواب، إلى أخلاقنا وتربيتنا وقيمنا، وعلاقاتنا الأخوية، إلى تضامننا وتعاوننا.. فاللهم لا تؤاخذنا إن أخطأنا أو نسينا، ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به. 

  • print