اقتصاد "غير تقليدي" يديره العقل السياسي

date 2017/09/09 views 3740 comments 9

وثيقة مخطط عمل حكومة السيد أويحيى حملتنا على التفاؤل في مقدماتها قبل أن تصيبنا بالحيرة في المستدرك منها. فهي بلا شك تغرس بعض شتلات الأمل، من حيث استبعادها خيار الاستدانة الخارجية، والتعويل على ما وصف بـ "الموارد غير التقليدية" ومنها الاقتراض من البنك المركزي لتغطية عجز الموازنة في السنوات الخمس القادمة، والتزام الحكومة بمواصلة تنفيذ برنامج بناء 1,6 مليون سكن، وعدم الإخلال بدعم الدولة لبعض المواد الغذائية الرئيسة.

خيار جيد، ووعود طيبة، لولا أن للخطة مستدركا أصابنا بالحيرة، وبدد حلم اليقظة باستعراض لوح أسود مخيف، يهددنا بوجود عجز مستدام في ميزان المدفوعات يفوق الـ 20 مليار دولار، وعجز في الموازنة يقارب الـ 26 مليار دولار، مع استهلاك تام لما ادخرته الخزينة من صندوق ضبط الإيرادات، وانخفاض احتياطي الصرف إلى 105 مليار دولار منتصف السنة.

مبدئيا يحق للمواطن أن يوجه العتب إلى الحكومات السابقة التي لم توظف هذه الموارد التي وصفت بـ "غير التقليدية" (وهي في الأصل أكثر من تقليدية) لجأت إليها معظم الدول التي تتحكم في نظامها النقدي، وقد كان بوسع حكومة سلال أن تستنجد بها في وقت مبكر لتغطية عجز الموازنة بدل الاغتراف السفيه من احتياطي الصرف، كما كان بوسعها أن تراجع تجارتنا الخارجية، وتضبط مستوى الواردات منذ انفجار الأزمة المالية سنة 2008 بعد أن تكون قد استشرفت تراجع الاقتصاد العالمي، وتبعا لتراجع الطلب على الطاقة وانهيار أسعارها.

ثم إن العجز في ميزان المدفوعات معلوم من المنبع إلى المصب، نعرف من استفاد منه من المتعاملين في الداخل من أعلام "الاستيراد والاستيراد" ومن شركائنا في الاتحاد الأوروبي الذي كلفنا اتفاق الشراكة معه أكثر من 7 ملايير دولار، نصدر إليه بضاعتنا الوحيدة القابلة للتسويق في أي مكان، ونفتح له السوق الجزائرية محررة من الحواجز الجمركية، وكان بوسعنا أن نجبره على تعويض الفارق بمبلغ مماثل ينتقل إلى السوق الجزائرية في شكل استثمارات، وهي صيغة "غير تقليدية" كان بوسعنا أن نقنع بها أكثر من شريك أجنبي يبيع ولا يشتري.

وحيث فتحت الحكومة شهيتنا للمقاربات "غير التقليدية" فلا مانع من أن نهب لها بعض الأفكار، مثل أن توسع دائرة المستفيدين من قرض البنك المركزي من غير فائدة ربوية لعموم المواطنين، تحولهم إلى شركاء في الاستثمار، من حيث إن البنك المركزي إنما يقرض من أرزاق أبنائهم في المستقبل، وهي ديون مستحقة عليهم، وآباؤهم أولى بها حتى من الحكومة التي سوف تصرفها حتما في موطنين اثنين لا ثالث لهما: دفع أجور موظفي الدولة في جميع الأسلاك، وتمويل الصفقات العمومية لصالح عصبة "المقاولين المنتجين" من أمثال السيد حداد وندمائه في النادي.

وبدل إضاعة الوقت والمال في إعادة تركيب خردة السيارات، أريد أن أذكر رئيس الحكومة بأنه يرأس حكومة بلد شعبه فلاح كابرا عن كابر، استعاد له الشهداء من أبنائه أرضا بوسعها أن تنتج عشرة أضعاف وأكثر مما يختزنه باطنها، وينتظر من حكومته أن تنفق ما بقي من احتياطي الصرف ـ قبل نهبه ـ في بناء "اقتصاد غير تقليدي" قائم على "فلاحة الطاقة" من الصحراء، لتحلية مياه البحر، وسقي 30 مليون هكتار هي أجود تربة في المعمورة.

  • print