لماذا تكره فرنسا المكتبات

date 2017/09/11 views 2868 comments 0

كانت الخطوة الأولى للحملة الفرنسية على الجزائر أن أحرقوا مكتبة الجزائر التي تحوي مئات آلاف الكتب.. وأثناء المواجهات مع الأمير عبد القادر حرقوا مكتبته مرتين ذهب فيها مئات المخطوطات الثمينة.. وفي محاولة لفهم هذا الإصرار الاستعماري يتبادر إلى الذهن فورا مسألة الأرشيف الجزائري لدى فرنسا.. وتتجمع عناصر عديدة لتشكل لنا الخلفية النفسية الفكرية التي تتحكم في العقل الاستعماري الفرنسي.

في قراءة مستعجلة لكتاب حقائق ووثائق عن الأمير عبد القادر الجزائري الذي جمعته وناقشته حفيدة الأمير بديعة الحسني الجزائري المقيمة بدمشق اكتشفت حجم التزييف الذي أشرفت عليه المؤسسة الفرنسية وعملاؤها لتشويه صورة الأمير بروايات مفبركة عديدة تمس بسمعة الأمير بل وادعوا كتبا باسمه وأصدروا وثائق تخصه.. كل ذلك لإسقاط رمزيته. وفي السياق التضليلي نفسه، تحتشد عشرات الروايات الكاذبة عن الثورة الجزائرية والمقاومات الجزائرية رهينة بالأرشيف الفرنسي لتكون هي المرجع لكل محلل أو مؤرخ.

والأمر نفسه أصاب سكان الهند الصينية، حيث تم حرق المكتبات والتاريخ الخاص بأبناء المناطق الأصليين وكتابة كتب في التاريخ والثقافة عن الشعوب والشخصيات لصناعة مرجعيات ثقافية مشوهة للشعوب.

الأمر لا يقف عند الفرنسيين بل يتعداهم إلى كل الاستعمار الأوروبي الذي جعل نصب عينيه أهمية إعادة صياغة الوقائع التاريخية والحاضرة قصد حرف الناشئة والأجيال عن هويتها وطبيعة الصراع القائم الذي انتهى بهذه النتائج الكارثية.

فلقد كان المستشرقون الأوروبيون ومن ثم صناع الهوليود والإعلام الأمريكي هم الفيلق الأخطر في الحملات الاستعمارية على أمتنا. ولا يستثنى منهم أحد من هنري شرشل إلى لورنس وكتابه أعمدة الحكمة السبعة وريتشارد بورتون البريطاني وداوتي ولين وجيمس الروي فليكر وسواهم كثير كما قال المفكر العربي إدوار سعيد بأن المستشرقين قاموا بمهمة خطيرة وهي محاولة صناعة شرق ليس هو الشرق الحقيقي ثم تبنت الدول الأوروبية المشروع وحاولت بالقوة إقناع مثقفي هذه البلدان بأن هذا هو الشرق.. فمن اتفق معهم كان مثقفا ومتنورا، وأما من اختلف معهم وتصدى لدعايتهم الرخيصة فإنه إرهابي متطرف رجعي.

فرنسا حرقت مكتبة الجزائر ومكتبة الأمير عبد القادر مرتين لتلغي الرواية الجزائرية ويبقى على المسرح إلا الرواية الفرنسية للصراع. وهنا تكمن الخطورة الكبرى حيث تظل فرص التمويه والخديعة سانحة لموجات الاستعمار التي تأتي عبر أكثر من قانة اقتصادية أو سياسية أو ثقافية.. وهكذا يتضح لكل ذي لب أن المعركة مستمرة وأن نوايا الاستعمار السيئة مستمرة فيما هم يتعمدون تشويه التاريخ وحرق مصادرنا ومراجعنا.. إنه جوهر الحضارة الفاسدة العنصرية التي ينبغي أن تواجه بالانتباه والحرص على التصدي للدعاية الاستعمارية.. والله غالب على أمره.

  • print