حادثة البسملة!

date 2017/09/13 views 2938 comments 14
محمد بوالروايح

كثر الجدل في الجزائر حول التربية بين التيار المحافظ الذي يرى أنها جزء من المنظومة العقدية والفكرية، وأن أي إخراج لها عن هذا الإطار بشكل أو بآخر هو خروج عن هذه المنظومة، وبين التيار "الحداثي" الفرانكفوني في الأساس، الذي يرى أن التربية جزء من الموروث الثقافي ولكنها ليست بالضرورة جزءا من المنظومة العقدية والفكرية، لأن لها أنساقا مختلفة ومتباينة تماما.

وقد شكلت البسملة النقطة التي أفاضت الكأس، فخرج الجدل عن الشكل التقليدي الذي يميزه تمسُّك كل تيار بمواقفه مع إقرار هامش كبير للرأي والرأي الآخر إلى الشكل غير التقليدي التصعيدي الذي يميزه تعصب ظاهر واتهام متبادل، واصطدمت دعوات الإصلاح بدعوات الإصلاح المضاد، والمشكلة ليست في هذه الدعوات في حد ذاتها، ولكن في الآثار التي تُحدثها داخل المنظومة التربوية، حيث تحوَّل الجدل حول التربية إلى فتنةٍ تربوية ومجتمعية يصبح الجزائريون ويمسون على وقعها المرّ.

لقد تصاعد الجدل حول التربية في الآونة الأخيرة بشكل غير مسبوق، وتسببت "حادثة البسملة" في ظهور صراع تربوي ثقافي لبس لبوس الدين والإيديولوجيا، بين من يرى البسملة جزءا من الهوية ومن يراها مجرد عنوان يمكن حذفه، وتبع هذا الصراع التربوي صراعٌ إعلامي ولغط فكري وتحوّلت "حادثة البسملة" إلى قضية الساعة، وبدأت حرب التصريحات والتصريحات المضادة ودخلت هيئات ومنظمات على الخط وتم توطين القضية أي جعلها قضية وطنية، ونخشى إن استمر التنابز بهذه الوتيرة أن يطلع علينا -لا قدر الله- من يدعو إلى تدويل القضية. 

إن البسملة شيءٌ ثابت في نصوصنا الدينية وأدبياتنا وخطاباتنا الفكرية وحذفها يتعارض بالتأكيد مع هذه النُّصوص والأدبيات، ويمثل منعرجا غير مرغوب فيه يضرُّ بروح التربية الوطنية التي لا نتصوَّرها إلا مشبعة بالبُعد الديني والروحي، ولكننا في الوقت نفسه لا نقبل باستمرار الجدل حول قضية يمكن حلها والتوافق بشأنها ولا تستدعي كل هذا التهويل و"العويل" الذي صرَفَنا عن الاهتمام بالتحديات والمشكلات التي تواجهها المنظومة التربوية. أليس بالإمكان أن يلتقي الخبراء والعلماء والحكماء لحسم هذا الخلاف وإرجاع المياه إلى مجاريها؟ أم أن الأمر مقصودٌ من جهات قد نعلمها وقد لا نعلمها؟.

لقد قرأت بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فيما يتعلق بحادثة حذف البسملة، فوجدت فيه خطابا حادا لا يدع مجالا للتوافق ولا يوفر فرصة للاستدراك، وهذا من شأنه أن يعمِّق الخلاف وينحرف به إلى غاية غير مرغوبة لا تخدم المنظومة التربوية التي تعيش وضعا لا تُحسد عليه بالرغم من الإصلاحات والورشات الكبرى التي أحدثت منذ بداية عملية الإصلاح التربوي. ومما جاء في بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على لسان رئيسها أ. د عبد الرزاق قسوم: "تالله لقد آلمتنا قضية حذف البسملة من كتبنا المدرسية، وخاصة كتب المرحلة الابتدائية، باسم ما يسمى بالإصلاح... وحيث إن البسملة جزءٌ من هويتنا، ومن عقيدتنا، فإن حذفها يمثل اعتداءً على عقول أطفالنا، ومساساً بشخصيتنا وهويتنا". 

"أهيب بالقائمين على الشأن التربوي أن يبادروا لقطع دابر الخلاف، وإعادة كتابة البسملة في الكتب المدرسية تغليبا للمصلحة العامة ودرءا لخلاف داخل المنظومة التربوية نحن في غنى عنه، وإنني موقن بأن انتماءهم الوطني سيحفزهم للاستجابة لهذه الدعوة."

من حق جمعية العلماء أن تقف هذا الموقف من حذف البسملة وأن تعدَّ البسملة جزءا من الهوية والعقيدة الإسلامية، فلا غرو أنها تمتلك عقولا مفكرة ومشيخة عالمة، ولا يعقل أن يلقي رئيسها الكلام على عواهنه، فالرجل مشهودٌ له بسعة الفكر وبُعد النظر وتوظيفه للعقل الفلسفي توظيفا سليما وفطريا ينأى بالعقل أن يكون في صدام مع النقل، ولكننا نهيب بالجمعية من جهة أخرى أن تولي نفس الحرص للقضايا الأخرى المتصلة بالإسلام، أقول هذا لأنني لا أجد لجمعية العلماء حضورا مُقنعا للتصدي للحملات التي تستهدف الهوية والمرجعية الدينية والوطنية بالقدر الذي يتوافق مع العمق التاريخي لها، وخاصة أنها وريثة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية التي وقفت في وجه دعاة الإدماج ودعاة التغريب من خلال المقالات الشافية والوافية التي كانت تصدرها في جرائدها.

 ومن جهة أخرى فإنني أهيب بالقائمين على الشأن التربوي أن يبادروا لقطع دابر الخلاف، وإعادة كتابة البسملة في الكتب المدرسية تغليبا للمصلحة العامة ودرءا لخلاف داخل المنظومة التربوية نحن في غنى عنه، وإنني موقن بأن انتماءهم الوطني سيحفزهم للاستجابة لهذه الدعوة، وهنا أدعو بعض المهتمين بالشأن التربوي أن يتخلوا عن لغة الاتهام الديني والإيديولوجي، وأن يغلبوا لغة الحوار، فهناك على سبيل المثال من كان ينظر إلى وزيرة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال بأنها "فرانكفونية"، ولكنها أثبتت بموقفها من تعريب كل الوثائق البريدية بأنها تحمل حميَّة دينية ووطنية وأنها لا يمكن أن تكون في صدام مع الثوابت الوطنية، وهو ما جعلنا نثمِّن موقفها ونتمنى أن يحذو مسؤولون آخرون حذوها في إعطاء اللغة العربية مكانتها اللائقة بها في المجتمع الجزائري.    وقد قرأت حوارا لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى يقول فيه بأنه لا يرى "شخصيا" أي أشكال في حذف البسملة من بعض الكتب لأنها مجرد عنوان على غرار "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية"، مشيرا إلى أن وجودها لا يعني أن كتاب الرياضيات أو الفيزياء هو كتابٌ ديني كما أن حذفها لا يؤثر من الناحية المادية على الكتاب، وأضاف بأن المجلس الإسلامي الأعلى سيقترح على وزارة التربية الوطنية إدراج البسملة في الكتب المدرسية في الطبعات القادمة، وهذا رغم أن المجلس كما أردف رئيسُه لم يُستَشر عند إعداد المناهج والكتب المدرسية، وهو ما نتمنى أن يتحقق وخاصة بعد اكتمال تشكيلة المجلس التي ضمت فقهاء ومفكرين وباحثين جامعيين يمثلون التنوع الفقهي والفكري الذي من شأنه أن يحقق تنوُّع الأفكار والآراء الذي سيخدم رسالة المجلس وتوجهاته الحالية والمستقبلية وخاصة في ظل الهجوم النحلي الذي تتعرض له الجزائر منذ مدة من شاكلة الأحمدية والكركرية وغيرها، وفي ظل فوضى الفتاوى التي تميز المشهد الديني.

"البسملة جزء لا يتجزأ من موروثنا الديني، كما أن "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية" جزء لا يتجزأ من موروثنا الوطني والقومي، ومن ثم فإننا لا نرضى بتاتا، لا بحذف البسملة ولا بحذف "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية".

 ومع احترامي لرأي رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، فإنني أرى أن البسملة جزء لا يتجزأ من موروثنا الديني، كما أن "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية" جزء لا يتجزأ من موروثنا الوطني والقومي، ومن ثم فإننا لا نرضى بتاتا، لا بحذف البسملة ولا بحذف "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية"، فصحيح أنهما عنوانان من حيث الظاهر، ولكنهما يحملان رمزية تاريخية كبيرة لا يمكن التنازل عنها.

 أتمنى من دافع الحميّة الدينية والوطنية أن تهدأ العاصفة وأن يحصل الوفاق بين القائمين والمهتمين بالشأن التربوي، وأن يتفرَّغ الجميع لترقية المنظومة التربوية بما يحقق نهضتنا ويحفظ ثوابتنا الدينية والوطنية.

  • print