صيانة الدين والأرض والعرض...

date 2017/09/14 views 1950 comments 11
سليم قلالة

أستاذ جامعي

يبدو بالفعل أن بلادنا اليوم أصبحت في حاجة إلى صيانة شاملة، لا تقتصر على العدة والعتاد، إنما تسارع إلى البدء بصيانة الدين والأرض والعرض. التطاول على البسملة، وحركات الأحمدية والكركرية وما تقوم به الفرق المتشددة الأخرى جزء من التلاعب بالدين، والتطاول على الموارد المالية والمادية للبلاد جزء من التطاول على الأرض، والتمادي في إهمال العائلة والطفولة ومحتوى المنظومة التربوية جزء من التطاول على العرض. علينا الانتباه إلى هذه المسائل جميعها قبل فوات الأوان...

عند النظر إلى المسائل المتعلقة بالمساس بحرمة الدين الإسلامي وخطه المعتدل الواضح، والمسائل المتعلق بنهب المال العام، وبتفشي الرذيلة والمخدرات في المجتمع، كل على حدة، يبدو وكأنه ليس بينها علاقة وطيدة، ولا تأثير وتأثر ببعضها البعض... ولكن عند محاولة النظر إلى مستقبل الجزائر من خلال النتائج الحالية التي ستترتب عليها في المستقبل، يتبين أنها جميعها تصب في خانة واحدة: محاولة المساس بتماسك المجتمع والأمة وضرب أركان الدولة الجزائرية في الصميم، بغاية منعها من أن تتحول إلى دولة كاملة الأركان تستطيع بالفعل أن تؤدي دورها كاملا في المنطقة وضمن المحيط الجغرافي والسياسي والحضاري الذي تنتمي إليه.

لقد سبق أن تعرضت بلادنا لهجمات من أكثر من جانب وجهة، ولكنها لم تكن بالكثافة التي تعرفها هذه المرة، حيث تعدى الأمر المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية التقليدية إلى مجالات أكثر عمقا، تتعلق بالبناء الداخلي للمجتمع وبتماسك مكوناته (الدين، المال، العرض)، وهي مكونات لا تستجيب للتأثير بسرعة ولكن أي كسر يصيبها يُصبِح في حاجة إلى عقود لترميمه. وهو ما يقع بالفعل على أكثر من مستوى، مما جعل المشكلة التي نعرفها أكبر من أن تكون أزمة سياسية على مستوى أعلى هرم في السلطة أو أدنى من ذلك كما نسمع كل يوم، ولا أزمة أشخاص يمكن استبدال هذا بهذا، ولا أزمة أخطاء في التسيير يمكن جبرها بتغييرات وزارية أو إدارية.. 

لقد كانت البداية بالفعل "أزمات" من هذا النوع، ولكنها تحولت بفعل عامل الزمن والعمل الدؤوب لمن يتربص ببلادنا شرا (قوى داخلية وخارجية) إلى الركائز الأساسية التي يقوم عليها المجتمع.

لقد تحول الاستهتار بقيم الأمة الدينية ورموزها ( التطاول على التربية الإسلامية، البسملة، المذاهب الغريبة، التمسيح، محاولة غلق المدارس القرآنية...)، إلى حالة من الاعتداء على الدين الإسلامي المقوم الرئيس لوجود الأمة الجزائرية ووحدتها وتماسكها. وتحول التلاعب بالمال العام ونهبه وتبديده وتهريبه وصرفه على الكماليات بلا رقيب ولا حسيب إلى مساس بالأرض كقيمة ثابتة، بما تزخر به من ثروات وخيرات ليست فقط ملكا للأجيال الحالية بل للأجيال المستقبلية أيضا. كما تحول الإهمال التدريجي لتربية الإنسان منذ الطفولة على الأخلاق الفاضلة والقيم السامية، وتركه عرضة لتأثير مختلف الآفات والآثار الضارة الناجمة عن الانفتاح الرهيب على العالم دون تحصين داخلي، واستقباله يوميا آلاف المؤثرات الذهنية والعقلية بما في ذلك المخدرات، تحول هذا الإهمال إلى مساس خطير بعرض الأمة بمفهوم العرض الواسع سواء تعلق بالإناث أم الذكور.

هذا التحول الخطير الذي يحدث ونحن في حالة من التركيز على مسائل لها علاقة بالسياسة في أعلى قمة الهرم يجعلنا نطرح مسألة أهمية الصيانة اليوم، بعد أن فشلنا في الوقاية طيلة السنوات السابقة؟ والصيانة تعني ترميم ما فسد والسعي إلى إعادته إلى حالته الطبيعية قبل أن يفسد، ولعل الصون بمفهوم الذود عن الحياض ومنع أي كان من التقرب منه وحمايتها يُعَد عملية سابقة للصيانة يُفترض أن يقوم بها المجتمع تلقائيا عندما يكون في حالته الطبيعية.

أما اليوم وقد أصبح يعيش في حالة غير طبيعية نتيجة ممارسات مُمَنهجة إرادية وغير إرادية تجاهه، فإنه في حاجة إلى الشروع في عملية صيانة كبيرة لحاله قبل أن يستفحل الأمر ويُصبح نسيجه الروحي والاقتصادي والاجتماعي غير قابل للترميم.

إن الخطورة المحدقة بنا في المستقبل ستنطلق من هذا الواقع إذا استمر على حاله، ولن تتمكن السياسات البَعْدية اللاحقة من مواجهته إذا لم نبادر اليوم بعمل كثيف تجاه المكونات الثلاثة، الدين والأرض والعرض، بعيدا عن كل خلاف في وجهات النظر أو تطلعات ضيقة لهذا أو ذاك.

ولعلي أكاد أجزم بأن ما نراه أمامنا اليوم من انعدام الصيانة في مؤسساتنا وشبكاتنا المختلفة من طرق وكهرباء وهاتف ونقل... إلخ، ومن انعدام الصيانة على مستوى مرافقنا وخدماتنا الاجتماعية والثقافية والفنية، ومن انعدام الصيانة لممتلكاتنا المادية وثرواتنا إنما هو في واقع الأمر انعكاس لعدم صيانة الدين والأرض والعرض، باعتبارها العناصر الرئيسة ذات التأثير المباشر في الإنسان عقلا وتفكيرا.

بمعنى آخر، إن التدهور الذي نكاد نراه في أكثر من مستوى ـ من المادة إلى القيم ـ إنما هو دليل على وجود تدهور على مستوى العقل المتأثر بجميع هذه المؤثرات، وعليه ليس أمامنا من حل سوى تبني رؤية مستقبلية بعيدة المدى تعيد الاعتبار إلى العناصر الثلاثة وتمكنها من استعادة صلابتها ومتانتها. ذلك أنه من غير الممكن نجاح أي سياسة في المستقبل مهما كانت القيادة التي تتبناها أو تتولى تنفيذها إذا لم تتكفل بهذه الجوانب التي تعرضت لتدمير كبير في السنوات السابقة.

ولعل هذا يجعلنا نقول إن المشكلة بالدرجة الأولى في الجزائر ليست مشكلة قيادة شخص أو مجموعة أشخاص إنما هي مشكلة رؤية ينبغي أن يتم تبينها من قبل الأمة بجميع مكوناتها من خلال نقاش عميق حول عناصرها ومداها وآجالها ووسائل تنفيذها. ومادمنا لم نختر مثل هذه المنهجية لتناول مسألة التقدم في بلادنا فإننا سنبقى نُراوح مكاننا. ومهما تبدلت الأسماء التي تتوالى على المناصب القيادية أو على مستوى اتخاذ القرارات فإنها لن تستطيع إحداث التغيير المرتقب، بل ستُعمِّق الحال إلى ما هو أسوأ عليها، باعتبار أن التدهور سيستفحل مع كل مرحلة انتقالية تزداد فيها ضبابية رؤية الأشياء وتُصبح الأهداف المرحلية هي سيدة الموقف.

لقد ضاع مِنَّا وقت كبير ونحن نتحرك من غير وجود أهداف بعيدة المدى للدولة، نغرق باستمرار في هذا البرنامج السكني أو ذاك، هذه الخيارات الاقتصادية أو الاجتماعية أو تلك، هذا الوزير الأول أو ذاك، في حين إن المسألة الكلية أشمل من كل هذا... وكان علينا قبل طرح مسألة البرامج والسياسات التنفيذية أن نطرح الأسئلة الأكبر من نوع: ما مصير الدين؟ وما مصير الأرض والعرض؟ إذا رأينا أنها تسير جميعها نحو التدهور نعرف أننا لم نكن نملك من قبل أي سياسة من شأنها أن ترقى إلى المستوى الذي نطمح إليه. والعكس صحيح...

كل الشعوب والأمم إنما قامت أو انهارت إما بسبب الدين أو الصراع على الأرض أو العرض. سبب واحد كان باستمرار كافيا لانهيارها وسقوطها، فما بالك لو اجتمعت أسباب الانهيار جميعها في بلد واحد. أليس ذلك مدعاة للخوف حقا... وكيف لا نخاف؟

  • print