ممرضون ورقاة يبزنسون بصحة المرضى

كوارث صحية ووفيات على أيدي الرقاة!

date 2017/09/14 views 9397 comments 71
  • محامون: القانون لا يعاقب على التلاعب بالرقية الشرعية
  • أئمة: احذروا.. الرقية الشرعية تتطلب أناسا أكفاء ولا بد من تقنينها
author-picture

icon-writer كريمة خلاّص

صحافية بقسم المجتمع في جريدة الشروق اليومي

تعجّ المستشفيات الجزائرية بحالات ميؤوس منها لأشخاص ارتموا في أحضان رقاة غير مؤهلين طلبوا على أيديهم الشفاء فقدّموا لهم الشقاء ما تبقى لهم من الحياة..

رقاة اقتحموا مجال الطب فاعتمدوا على الأمصال المالحة وبعض الممرضين في استحداث طرق جديدة للرقية الشرعية، مبرّرين ذلك بأحاديث نبوية أهمّها أنّ الشيطان يجري في الجسم مجرى الدّم ولذا وجب محاربته في المكان ذاته.

لبس العديد من الرقاة لباس الطب واعتمدوا على أصحاب المآزر البيضاء، ما جعل المقبلين عليهم من المرضى الميؤوس من حالتهم طبيا يعتقدون أنه يمكن للرقية أن تشفي مما عجز عنه الطب والعلم، لكنهم أخطؤوا كثيرا بعد أن أصبح الندم لا ينفع.

 

مصنّعون: الأمصال مادة معقّمة يجب عدم تعريضها للهواء

يؤكد بشطارزي فارس، ممثل أهم شركة وأكبرها لتصنيع الأمصال في الجزائر التي تغطي 95 بالمائة من مستشفيات الجزائر "إي آم سي" أو شركة الصناعات الطبية الجراحية، أن الأمصال المالحة أو ما يعرف لدى عامة الجزائريين بـ"السيروم" مكوّنة من ماء وملح ولها نفس تركيز الدم ولا يوجد لها أي خطورة على الجسم، إذا ما استعملت وفق الضوابط والإرشادات الموصى بها وأهمّها عدم تعريضها للهواء لأنها معقّمة وموضوعة في أكياس خاصة يجب عدم نزعها منها.

وبناء عليه، يمكن استعمالها في أمور عدّة، ما لم يحدث أي تغيير على تركيبتها الأصلية. 

 

فراغ قانوني في عقاب المحتالين بالرقية

كشف المحامي إبراهيم بهلولي عن وجود نقص فادح في قانون العقوبات حيث قال إنه "لا يوجد أي نص قانوني يعاقب على الرقية الشرعية، والموجود حاليا يتعلق بمواد قانونية تعاقب الشعوذة والمشعوذين أو إنشاء عيادات بطريقة غير قانونية".

ولم يفرد قانون العقوبات مواد عقابية للمبزنسين بالرقية الشرعية والمتحايلين بها، حيث يقتصر الأمر على مختلف أشكال النصب والاحتيال وكذا الشعوذة وهي أمور قد لا تصب في نفس السياق القانوني مع سابقتها.

وتأسف بهلولي لبلوغ النصب والاحتيال إلى المجال الديني المقدس لدى الجزائريين والتلاعب بعواطف ومقدسات المسلمين. 

وأضاف بهلولي أنّ الناس عادة أو الضحايا لا يشتكون لأنهم يذهبون خفية إلى الراقي ويرضخون لكل طلباته والقليل من الضحايا الذين يكشفون ما يتعرضون له من احتيال ونصب ولا يقومون بذلك إلا بعد الآثار الفادحة على صحتهم أو المؤدية إلى الوفاة بعدها يتحرك ذووهم للتنديد بما حدث لهم.

والمشكل الذي يواجهونه حينذاك هو غياب الأدلة لإثبات الجريمة لأنّها عادة تكون طوعية ودون إجبار فالشخص يتوجه من تلقاء نفسه إلى الراقي.

واستنكر بهلولي استفحال الظاهرة التي شملت جوانب عديدة، حتى إننا أصبحنا نسمع عن الرقية الإلكترونية والرقية الجماعية والرقية في البيض والزيت والعسل و"الأمصال" والسيروم وغيرها من المنتجات الاستهلاكية والطبية.

 

مخاطر قاتلة للرقية الشرعية غير الصحيحة 

من جهته، حذّر الأمين العام لنقابة الأئمة، حجيمي جلول، من المخاطر القاتلة للرقية الشرعية غير الصحيحة التي تتسبب في وفاة الأشخاص أو إعاقتهم الأبدية. 

وقال حجيمي إنّ الرقية علم شرعي يحتاج إلى إنسان عاقل مهتم ومتمكن ينفع الناس ولا يضرهم ويقصد بها وجه الله وخدمة الناس وليس الاغتناء أو الثراء.

وأضاف المتحدث أنّ الرقية في الأمصال مسألة ظهرت في المدة الأخيرة وعرفت انتشارا واسعا وسط بعض الرقاة غير أنّها كثيرة المخاطر لما تسببه من تعقيدات ومضاعفات صحية.

واستطرد حجيمي أنّ "السيروم" مادة طبية معقمة لما تفتح تصبح عرضة للفيروسات التي تنتقل عبر الأوعية الدموية لذا يجب الحذر جيدا في التعامل معها. 

ونهى حجيمي الرقاة عن طلب الأموال الكثيرة نظير ما يقرؤونه من ذكر كتاب الله قائلا: "لا يحق للراقي طلب مبلغ مالي نظير ما قام به ويجب ترك الباب مفتوحا أمام الأفراد لتقديم ما شاؤوا عن طيب خاطر".

 

يجب تدخل الدولة لتقنين الرقية والحد من الفوضى 

أمّا الأستاذ في علم النفس بجامعة تيارت بالجزائر، حامق محمد، فدافع بشراسة عن الرقية الشرعية التي اعتبرها علما قائما بنفسه يحتاج إلى أناس مختصين وأكفاء.

واستنكر حامق الطرق الفوضوية لممارسة الرقية الشرعية بالسيروم، فكل من هب ودب أصبح يعتمدها ويدّعي التحكم فيها ويفتح باب بيته للرقية، محذرا من المخاطر التي تنجم عن هذه الممارسات، فهناك أشخاص ماتوا وآخرون أصيبوا بإعاقات أبدية أو أمراض مزمنة حولتهم إلى أشباح.

وطالب المختص الدولة الجزائرية بالتدخل لتقنين هذا النشاط وتنظيمه وجعله تحت وصاية وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بالتعاون والشراكة مع وزارة الصحة لأن الرقية الشرعية علم له ثوابت وشروط فلماذا لا يقنن ويلحق بهيئة قانونية علمية.

واستشهد المتحدث بانتشار العلاج بالإبر الصينية الذي يعد علاجا تقليديا ناقشه علماء وتبنوه وقننوه إلى أن أصبح علاجا معترفا به من قبل المنظمة العالمية للصحة.

وتساءل حامق عن السبب في احتقار هذا العلاج في الجزائر والنظر إليه على أساس أنه علاج خرافي.. فلماذا ينكرونه ويتجاهلونه رغم إقبال الناس عليه ورغم إقراره في الإسلام الذي يعد دين الدولة الجزائرية. 

وقال حامق في حديثه إلى "الشروق": "أنا على اطلاع بتفاصيل الرقية الشرعية في السيروم وتابعتها عن قرب لمدّة تزيد عن سبع سنوات".

وذكّر حامق باعتراف دولي بهذه الطريقة العلمية الطبية الجديدة في غضون ملتقى دولي نظم بأبوطبي عام 2007 حضره أطباء وعلماء في الشريعة والطب النفسي، وذلك استنادا إلى نص نبوي صريح في صحيح البخاري ومسلم حيث يقول الحديث: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم من العروق".. وهو اجتهاد أخذ بظاهر الحديث وبحث المختصون في المادة التي يمكنها أن تجري مجرى الدم ولا تؤثر على الجسم فوجدوا أنها المصل المالح البسيط الذي يستعمله عامة الناس وهو أدنى أنواع السيروم.

واعترف المتحدث بأنّ الرقية الشرعية بالسيروم أسهمت في شفاء الكثير من الأشخاص وهي تتم بإجراء فتحة صغيرة في كيس المصل وتتم بعدها قراءة القرآن عليه وبمساعدة ممرضين يتم وخز جسم المريض وإيصال المحلول إلى جسمه.

 

هؤلاء هم ضحايا الرقية في "السيروم"

تناولت "الشروق" منذ أيّام القصة الكاملة لبوقفة كريمة التي توجّهت إلى أحد الرقاة في باب الوادي وأخبرها بأنّها مصابة بمس يجري فيها مجرى الدم، فرقى لها بالمصل "السيروم" وأضاف إليه حقنة مضادات حيوية بتواطؤ مع ممرض يعمل معه، فلم تتحمل كريمة وتوقف قلبها لبضع دقائق قبل أن يضيف الممرض جرعة "كورتيكوييد". وفي غياب أي إسعاف أولي نقلت كريمة إلى مستشفى لمين دباغين "مايو" الذي أسعفها وعادت بعدها ضربات القلب، لكن اكتشف الأطباء أن نصف خلايا المخ قد أتلفت وتأثرت بسبب نقص الأوكسجين ومكثت كريمة في غيبوبة في قسم الإنعاش دامت أربع سنوات كاملة، وبعد استفاقتها تعيش معاناة كبيرة تأكل بالأنبوب الاصطناعي وتتنفس اصطناعيا وأحيانا تتعرض لأزمات ربو.

كما تداول رواد الفايسبوك منذ أيام قصة لإحدى السيدات في عقدها الثالث من العمر تعرضت لتوقف جزئي عن الحركة بعد رقيها بالسيروم، وحسب ما تم تناقله، فإن السيدة كانت تعاني من أمراض مزمنة ومنها ارتفاع الضغط الدموي، وهو ما عقد حالتها الصحية وسبب لها مضاعفات خطيرة أسعفت على الفور.

  • print