انطباعات زائر جزائري.. إلى تونس

date 2017/09/16 views 3731 comments 13

لا نريد لتونس – علم الله- إلا ما يريده لها المخلصون من أبنائها، والمصلحون من علمائها، والوطنيون من ساستها وزعمائها.

نريد لتونس أن تؤنس، وقاء، لشيمة اسمها، وأن تضيء بعلمها، على الناس إضاءة علماء زيتونتها، وأن تستأنف دورها الحضاري كما فعل الماهدون من بناة مجدها.

لقد فتحنا، أعيننا، وعقولنا، على تونس، فوجدناها، تشعّ كالشمس، بأشعة الأنوار، وتنبض بالفكر المقاوم للاستعمار، من مؤسسي الحزب الدستوري الأحرار، فكان شعبها مثلا يُحتدى في دماثة الأخلاق، والاعتزاز بالأصالة وطيب الأعراق، وكرم استقبال الضيوف، بوجه كله طيبة وإشراق.

وإذ نعود إلى تونس – اليوم- وقد أتى عليها حين من الدهر، فماذا نحن واجدون في تونس؟

لقد تغير المسجد المحزون، بعد أن اختلفت على منبره، العديد من الدعاة، وغابت عن عرصاته، قوافل طلاب العلم والباحثين من الفقهاء، والمناطقة، والمؤرخين والنحاة، وخفتَ الوهج الذي كان يبعث به التونسي من أواصر الصلات، وأطيب المعاملات.

نقول هذا، ونحن نشاهد قوافل السياح الزائرين بـمآت الآلاف من الجزائريين، حاملين إلى تونس دفء الأخوة العربية والإسلامية، ومعاني التضامن، مع شقيقتهم، وهي تبني معالم مجدها، بعد أن دبَّ إليها الفساد من كل جانب، فهي تتحدى، الأنواع من الصعاب، لتستعيد مكانتها المرموقة تحت السحاب.

وإذ يقوم الجزائريون بهذا الدور الأخوي اليوم مع تونس، فإنما، يردّون جميلا في ضمائر الجزائريين قدّمته تونس لهم، في العهد الاستعماري الغابر، حين كانت تملأ عقولهم بالعلم الذي كانوا في أشد الحاجة إليه، وحين كانت تقدم لهم الدعم لمقاومة العدو، والحاجة ماسة إليه.

وقفت تونس مع الجزائر – إذن- في زمن الشدة، وإنّ من أضعف الإيمان، أن يردّ الجزائريون بعض الجميل لتونس، وقد تخلى عنها السائح الأوروبي، فجاء البديل الجزائري ليملأ الفجوة، ويجدد النخوة، ويضرب المثل في السلوك والأسوة.

ويشهد الجميع للسائح الجزائري، وباعتراف إخواننا التونسيين أنفسهم، يشهدون له بعفة الذمة، وعلو الهمة، ونبل المهمة. فمعظم الزائرين لتونس يصطحبون معهم أُسرهم، فيعطي ذلك، المزيد من عربون حسن السلوك والأداء، والبرهان على حسن الإنفاق وكرم السخاء، ولكن تونس – بدأت- في بعض المواقف تدير الوجه لأشقائها الجزائريين، بغلظة التعامل، أو شدة التماطل، أو الإهانة في التساؤل.

فقد قُدّر لي أن أعبر معبر الحدود من أم الطبول، فاصطدمتُ بما لم أعهده من التونسيين. بقينا أربع ساعات، في عز الحر، وقوفا لا كرسي نجلس عليه، ولا مكيّف نطمئن إليه، ولا تعامل حسنا، يخفف عنا ما كنا نعانيه.

هل تعجز تونس الرسمية، عن إيجاد قاعة واسعة تتسع، للآلاف الوافدة، التي يحدوها حب تونس؟ وهل هان الجزائريون على تونس الرسمية، حتى لم يضعوا لهم كراسي للجلوس في قاعة انتظار محترمة، ونظام في أخذ الجوازات، وإرجاعها، يحفظ كرامة الزائر؟

لقد دنوت من أحد القائمين التونسيين، أشكو إليه حال الناس، فما كان منه إلا أن اشتط غضبا، تحت وطأة ما يعانيه، وحاولت أن أقنعه أنّ حسن الاستقبال، وحسن الأداء، استثمار لتونس، في السائح الجزائري، ولكنه عبّر بلغة غير ظريفة قائلا: وماذا تقدم لنا السياحة الجزائرية؟ في أحسن التقدير نسبة 5 من المئة؟ قلت له، لنفرض، أنّ هذه هي النسبة، أليس من الوطنية أن تحمي هذه النسبة، وتعمل على مضاعفتها؟

لقد سمعت بأذني، أكثر من جزائري، يقول إنّ هذه أول مرة، وآخر مرة أدخل فيها تونس!

إنّ هذا السلوك، هو النشاز الذي ما عهدناه من تونس، وخاصة عندما يصدر من بوابة الدخول السياحية، فذلك وجه تونس، ولا نريد، أن يبدو وجه تونس مقضّبا، تحت أيِّ ظرف كان، وأيّاً كانت الأسباب.

  • print