جذور الصراع بين مسلمي الروهينغا وحكومة بورما

date 2017/09/17 views 2847 comments 7
محمد بوالروايح

مشكلة مسلمي الروهينغا مشكلة معقدة بل إنها أكثر تعقيدا مما يصوّره الإعلام وبعض عوامّ المفكرين، لأنها مشكلة تجتمع فيها العوامل الإثنية والدينية والعرقية والسياسية والجغرافية، وبالتالي لا يمكن فهمها وفك شفرتها إلا بالإحاطة بهذه العوامل جميعا، ومعرفة جذور الصراع بين مسلمي الروهينغا وحكومة بورما.

 وقبل أن أبدأ في تفصيل ذلك لا مناص من التعريف بشعب الروهينغا، من هم؟ من أين جاؤوا وأين استقروا؟ هذه المسألة هي مثار جدل كبير بين المؤرخين، جدل يبدأ من اشتقاق اسمهم، إذ تورد موسوعة "ويكيبيديا" اقتباسا من مصادر تاريخية ثلاثة آراء في اشتقاق اسم "الروهينغا" وتنقل في هذا الصدد عن المؤرخ الروهينغي خليل الرحمن قوله إن مصطلح "الروهينغا" مأخوذ من الكلمة العربية "رحمة"؛ ففي القرن الثامن الميلادي، تحطمت سفينة عربية بالقرب من جزيرة "رامري" وكانت تقل تجارا عربا، فأصدر ملك "أراكان" حكما بإعدامهم، فرفع هؤلاء عقيرتهم ملتمسين العفو والصفح: "الرحمة الرحمة" فأطلق عليهم باللغة المحلية اسم "راهام"، ومع مرور الوقت تبدل الاسم إلى "رهوهانغ" ثم إلى "روهنغي"، وتنقل الموسوعة رأيا ثانيا مخالفا للرأي الأول وتنسبه إلى جهير الدين أحمد الرئيس السابق لمؤتمر مسلمي بورما والسكرتير السابق للمؤتمر نظير أحمد  حيث ذكرا بأن جماعات "ثامبوكيا" هي من سلالة عرب حطام السفينة وهم موجودون الآن على سواحل أراكان، وأن موطن أسلافهم هو "الروها" في أفغانستان، وتنقل الموسوعة رأيا ثالثا للمؤرخ "تشودري" يؤكد فيه بأن "الروهينغا" قد أخذوا هذا الاسم من "مروهاونغ" وهو اسم لمملكة أراكانية قديمة، قبل أن يتم تحريفه إلى "روهانغ". وعلى خلاف هذه الآراء جميعا، فإن المؤرخين البورميين يصرون على أن "الروهينغا" قد تناسلوا من أسلافهم البنغاليين الذين هاجروا إلى "أراكان" في مرحلة الوجود البريطاني.

 إن الغرض من إيراد هذه الآراء حول اشتقاق اسم "الروهينغا"، وهي آراء متداولة وفي متناول المتخصصين وغير المتخصصين على سواء، هو التأكيد على رأي يمثل في تقديري أقرب الآراء حول أصول وجذور جماعة "الروهينغا" مفاده أن هذه الجماعة ترجع إلى أصول عربية، وأنها وفدت إلى آسيا للتجارة  في القرن الثامن الميلادي، واستقرت في إقليم "أراكان" أو "راخين" كما يعرف الآن، وما يعزز هذا الرأي هو أن التجار العرب كان لهم نشاط كبير في آسيا وبخاصة في فترة الفتح الإسلامي لآسيا في بداية القرن الثامن الميلادي، حيث فتح المسلمون كثيرا من البلدان في آسيا بقيادة قتيبة بن مسلم، ومنها بخارى وبلاد السند وسمرقند وخوارزم وخراسان ووصلوا إلى "كاشغر" شرق الصين وهي أقصى ما وصلوا إليه كما تؤكد المصادر التاريخية، ولم يكن إقليم "أراكان" بمنأى عن ذلك.

"يتعرّض الروهينغا في بورما لإبادة جماعية لدوافع دينية؛ إذ تفيد كثير من التقارير بأن الجماعات البوذية المتعصبة تمارس إرهابا حقيقيا تجاه الروهينغا، وهذا برغم أن التعاليم البوذية التي تقررها "الوصايا العشر" لبوذا تمثل قيمة أخلاقية لا تبيح استغلال الإنسان لأخيه الإنسان فما بالك بقتله والتنكيل به، فلماذا يُغض الطرف عن هذا الإرهاب البوذي؟"

والآن أصِل إلى بيت القصيد، وهو الحديث عن جذور الصراع بين مسلمي الروهينغا وحكومة بورما، فحسب الرواية الرسمية لحكومة بورما فإن الروهينغا جماعة مهاجرة نزحت من البنغال إلى إقليم أراكان، وبالتالي فهي جماعة دخيلة على بورما ويجب إرجاعُها إلى موطنها الأصلي، وهو ما ترفضه السلطات البنغالية بشدة على اعتبار أن حركات الهجرة التاريخية القديمة ليست مقياسا لعزل جماعة من موطنها الحالي طالما أنها استقرت به منذ أمدٍ طويل واكتسبت حق المواطنة، وعلى اعتبار أن حركات الهجرة ظاهرة عالمية وكونية وليست خاصة بشعب دون شعب أو جماعة دون جماعة، وفي بورما نفسها إثنيات أخرى يشبه وضعها وضع الروهينغا ولكنها عوملت معاملة مغايرة. لقد قرأت في مجلة "The Diplomat"، التي تهتم بقضايا جنوب شرق آسيا ومنها قضية الروهينغا، مقالا باللغة الإنجليزية بعنوان: "حقيقة قضية روهينغا ماينامار"، للباحثة "Jasmine Chia"، وهي طالبة باحثة بجامعة "هارفارد"  وعضو في لجنة التنظيم في السلسلة البحثية الخاصة بأزمة الروهينغا، حيث تتبنى الباحثة رأي حكومة بورما القائل بأن "الروهينغا جماعة دخيلة عن المجتمع البورمي، ولا تمثل إثنية بورمية بل تنظيما سياسيا وجماعة إرهابية؟!"، ومما قالته بهذا الخصوص: "هناك أدلة على أن المسلمين كانوا يعيشون في ولاية "راخين" منذ القرن التاسع، ولكن عددا كبيرا من المسلمين عبروا خليج البنغال وهاجروا إلى بورما مع فلول الاستعمار البريطاني في القرن العشرين". وتؤيد الباحثة ما يتناقله الإعلام الحكومي في "مينامار" للتغطية على حملات القتل المنظَّم والاعتقال العشوائي ضد مسلمي "الروهينغا" من أن الروهينغا يشكلون ومنذ مدة تنظيما مسلحا يستهدف مؤسسات الدولة في بورما، وهو "عمل إجرامي"، كما أضافت، لا يمكن السكوت عنه بأي حال من الأحوال، وتتذرع في ذلك بميلاد تنظيم جهادي في "أراكان" أعلن عن نفسه ومسؤوليته عن الهجمات على القواعد الحكومية والهيئات النظامية في بورما. 

والحقيقة أننا لا يمكن أن نبرِّر من جهتنا تشكيل تنظيم جهادي في بورما أو غيرها بحجَّة مقاومة الظلم، ولكننا خارج هذا الإطار نتساءل: ما علاقة اليتامى والثكالى والرضع والنساء "حتى القواعد من النساء" بالتنظيم الجهادي؟ وبأي ذنب يُقتلون ويُهجَّرون ويُفتنون؟ ما هو مبرر الاستخدام المفرط للقوة في حق شعب أعزل قضى بالآلاف في المحتشدات والمعتقلات والساحات وحتى عند مجاري المياه الفاصلة بين بورما وبنغلادش؟ إذا كان الروهينغا حقا "تنظيما سياسيا وإرهابيا"، فلماذا لم تبادر مؤسسات الأمم المتحدة بإدراجه ضمن لائحة الإرهاب الدولي كما فعلت مع تنظيمات جهادية أخرى على غرار "بوكو حرام" في نيجيريا؟ ولماذا تصرّ حكومة بورما على رفض تدويل القضية على مستوى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، أو على الأقل الإصغاء للنداءات الدولية بشأن ما يحدث للروهينغا؟.

 هناك حقيقة متكتم عليها، وهي أن الروهينغا في بورما يتعرضون لإبادة جماعية لدوافع دينية؛ إذ تفيد كثير من التقارير بأن الجماعات البوذية المتعصبة تمارس إرهابا حقيقيا تجاه الروهينغا، وهذا برغم أن التعاليم البوذية التي تقررها "الوصايا العشر" لبوذا تمثل قيمة أخلاقية لا تبيح استغلال الإنسان لأخيه الإنسان فما بالك بقتله والتنكيل به، فلماذا يُغض الطرف عن هذا الإرهاب البوذي وباسم الدين؟ ولماذا لا يُنعت البوذيون المتعصبون بأنهم "تنظيمٌ جهادي" يهدّد الأمن والاستقرار في بورما؟ إن الجواب عن ذلك معروف وهو أن الجماعات البوذية  في بورما جماعات نافذة في السلطة، وبالتالي لا يمكن للسلطة أن تعاقب نفسها.

  • print