يتمثّلون قول القائل "ضربني وبكى ثمّ سبقني واشتكى"

أدعياء الإصلاح.. عندما يقلّبون الأمور

date 2017/09/17 views 3553 comments 0
author-picture

icon-writer سلطان بركاني

قبل خمس سنوات، في عام 2012م، أطلقت تركيا مشروعا قُدّرت كلفته بـ7 ملايير دولار، حمل اسم "مشروع الفاتح" تيمّنا بفاتح القسطنطينية "محمّد الفاتح" رحمه الله، لعصرنة وتطوير التعليم والانتقال به إلى العالم الرّقميّ، بمبادرة من رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان. وانطلق المشروع، الذي يهدف إلى تجاوز عصر الكتاب والكرّاس والدّخول إلى عصر المدرسة الإلكترونية، وينشد المشرفون عليه توزيع 16 مليون لوح إلكتروني (تابلات) على 15 مليون طالب ومليون مدرّس مجانا، بالتزامن مع تركيب سبورات ذكيّة في 260 ألف صف مدرسيّ، وتوفير إنترنت عالية التدفّق لكافّة التلاميذ والطّلبة.

هذا، وليست الرّقمنة وحدها هي المظهر الوحيد للتطوّر الكبير الذي يعرفه التّعليم في تركيا، فالتّطوير يشمل البرامج والمناهج التي أضحت تنافس نظيراتها في الدّول المتحضّرة. وقد شهدت دراسة بريطانية نشرت بداية العام الجاريّ بأنّ "النّظام التعليمي في تركيا وتايلاند من أفضل النّظم التعليمية في العالم، ولا تقلّ جودة التعليم فيهما عن سنغافورة واليابان".

ولعلّ اللاّفت في الإصلاح التّعليميّ الذي قطعت فيه تركيا أشواطا كبيرة، أنّ تطوير البرامج والمناهج والوسائل التعليميّة، يتمّ بالتّزامن مع مشروع إعادة بعث الهوية الإسلاميّة للمدرسة التركيّة، من خلال تعميم إلزامية تدريس وتعلّم المبادئ الإسلامية في مختلف الأطوار التّعليميّة، ومن خلال تدريس اللغة العربية في كافة الأطوار الابتدائية بعدما كانت اختيارية في المتوسّط والثّانويّ فقط.. كما أقرّت الحكومة التركية مؤخّرا إجراءات جديدة لتسهيل فتح أماكن للصّلاة وأخرى للوضوء في المدارس والجامعات التركية، متجاهلة الانتقادات التي لا تفتأ توجّهها الدول الغربية وبعض المنظّمات التي ترى أنّ إلزامية تدريس الدّين في المدارس التركية منافية لمبادئ الديمقراطية وقد تؤدّي إلى زرع بذور التطرّف!!!

هذه هي الوجهة التي يسير فيها التعليم في تركيا، على خلاف الوجهة التي يريد أدعياء الإصلاح في بعض بلاد المسلمين الأخرى للتعليم أن يسير فيها، حيث يتمّ التّركيز على اجتثاث عناصر الهوية وعلى قطع كلّ صلة للتّعليم بالدّين، بعيدا عن أيّ إصلاح حقيقيّ يستهدف تطوير البرامج والمناهج والوسائل التعليميّة، حيث لا تزال كلّ هذه الجوانب ترزح في التخلّف، ولا يزال التّلاميذ والطّلبة يعتمدون على الكتب والكراسات الكثيرة التي تطبع وتصنع بأحجام كبيرة تثقل كواهلهم، ولا يزال كثير من الأقسام الدراسية يعاني الاكتظاظ الخانق وبعضها لا يزال يكابد معاناة "الزّمن الطباشيريّ"، وأحسنها حالا التي انتقلت إلى عصر قلم الحبر "الماركور".. أمّا البرامج والمناهج فيبدو أنّ أدعياء الإصلاح لم يجدوا من الوقت ما يكفيهم لإعادة النّظر فيها وتطويرها بما يواكب التطوّر الحاصل في العالم، فجلّ أوقاتهم مستغرقة في بحث أكثر الخطط نجاعة لمحاصرة التربية الإسلاميّة واللّغة العربيّة من زاوية إلى زاوية أضيق منها.. حتى أصبحت البسملة في عرف أدعياء الإصلاح من أسباب التطرّف التي ينبغي القضاء عليها ومحوها، بل قد بلغ التطرّف ببعض المنافحين عن هذه الإصلاحات الغريبة إلى حدّ إبداء الامتعاض من إقامة بعض التلاميذ والأساتذة للصلاة في السّاحات وفي بعض الحجرات الدراسية، في بلد مسلم، ينصّ دستوره على أنّ الإسلام دين الدّولة، ويفترض أن تتكفّل كافّة المؤسّسات بتخصيص أماكن للوضوء والصّلاة، كما تخصّص أماكن للرياضة والترفيه.

كلّ الإصلاحات التي تمخّضت عنها اجتماعات من أوكلت إليهم هذه المهمّة الخطيرة، تدلّ على أنّ هذه الجماعة ليس ضمن أجنداتها إصلاح التّعليم حقيقة وإنّما إبعاده عن هوية الأمّة، فعلاوة على كونها ترفض فتح نقاش مجتمعيّ وأكاديميّ حول الإصلاحات، فإنّ كلّ القرارات الصّادرة عنها إلى حدّ السّاعة هي قرارات ضبابية وبعضها سريّ ينمّ عن خيارات إيديولوجية ضيّقة وشاذّة لا علاقة لها بالدراسات العلمية والبيداغوجية، يجري تطبيقها تدريجيا لتفادي الصّدام المباشر والحادّ مع المجتمع.

لقد احترف أدعياء الإصلاح حرفة قلب الحقائق والأمور؛ وفي الوقت الذي كان يفترض فيهم أن يكبتوا نزعاتهم الإيديولوجية المناقضة لتوجّهات الأغلبية ولدستور البلاد، ويركّزوا جهودهم على النّهضة بالتعليم ليواكب نظيره في سنغافورة وتركيا وبلدان أخرى، إذ بهم ينكصون عن هذا الميدان ويتّجهون إلى إعلان معارك ظالمة آثمة على هوية الأمّة، على دينها ولغتها وتاريخها، فلمّا انتفضت الأمّة تنكر صنيعهم، قالوا: "اتركونا نعمل واتركونا نصلح التّعليم"! واتّهموا المنافحين عن هوية المدرسة بمحاولة إلهائهم عن إصلاح التّعليم بقضايا هامشية ومعارك إيديولوجيّة تافهة!!! مع أنّ الواقع يشهد بأنّهم من أطلق شرارة هذه المعارك بعيدا عن المعارك التي كان يفترض فيهم خوضها.. حالهم كحال من قال الله في حقّهم: ((يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُون)) (التّوبة، 47- 48). ولعلّ المحزن أكثر في السّجال الحاصل، أن تجد بعض الكتّاب والمدوّنين، ممّن يرون الوعي والحصافة في لزوم منتصف المسافة بين الحقّ والباطل وفي إمساك العصا من الوسط، لا يكتفون بخذلان الأمّة في الدّفاع عن عناصر هويتها التي يزحف عليها المتعلمنون، حتى يحمّلوا المنافحين عن هوية المدرسة مسؤولية الجدال الحاصل، ويتّهموهم بالغفلة عن القضايا الكبرى والاهتمام بالتّوافه والصّغائر!.. يتّهمون المنافحين عن هوية المدرسة في مقابل سكوتهم عن أدعياء الإصلاح الذين لم يحزنهم واقع التّعليم ولا انحدار الجامعات في سلّم التّصنيفات العالميّة، وأقلقتهم بسملة تفتتح بها مقدّمات الكتب المدرسيّة!.. إنّ الوعي والحصافة تقتضي أن نحمّل المسؤولية لمن أسندت إليهم مهمّة الإصلاح فخانوها وليس لمن يلومونهم ويحاسبونهم ويدعونهم لخوض المعارك الحقيقية بدل الانشغال بالمعارك الإيديولوجية الضيّقة.

  • print