تحقيق موسع لصحيفة لوموند:

دحلان رجل "الثورة المضادة" في العالم العربي

date 2017/10/10 views 2418 comments 2
  • الصحيفة الفرنسية تكشف: "من غزة إلى أبو ظبي.. صعود دحلان المثير"
author-picture

icon-writer وكالات - الشروق أونلاين

ربما لم تشغل شخصية فلسطينية الرأي العام والصحافة في العالم العربي منذ أوساط التسعينيات كما فعلت شخصية محمد دحلان، القيادي الغزواي السابق في حركة فتح، وربما أيضاً لم تكن شخصية فلسطينية موضع شبهات من كل نوع كما هو حال دحلان، من الفساد إلى العمالة لـ"إسرائيل" إلى تهريب السلاح وغيرها، وذلك منذ أن انتهت عملياً مرحلة "الكفاح المسلح" وبدأت نظرياً مرحلة "السلام" و"الدولة".

اسمه على كل لسان، فالرئيس السابق لوحدات مكافحة الإرهاب البالغ من العمر 56 عاماً، يبدو، منذ أن طرد من منظمة التحرير الفلسطينية عام 2007 وانتقل للعيش في أبو ظبي، كما لو كان جزءاً من لعبة جيوسياسية إقليمية كبرى طرفاها الأساسيان مصر والإمارات، تسعى إلى وضعه مجدداً على رأس قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس ويخضع لحصار خانق وحروب لا نهاية لها.

قادت صحيفة "لوموند" الفرنسية تحقيقاً موسعاً حول الرجل "الغامض" واعتبرت أنه يقوم بمناورات متعددة لاستعادة السيطرة على غزة تلعب فيها الإمارات دور المضخة النقدية، بينما تعد مصر بتخفيف الحصار بإعادة فتح معبر رفح. والخطة، حسب الصحيفة، تقضي بعودة الرجل الطموح إلى وطنه مسؤولاً عن الشؤون المدنية فيما تترك للإسلاميين إدارة الأمن، حسب ما نقل موقع إذاعة "مونت كارلو"، الاثنين.


علاقات واسعة

تمكن "أبو فادي"، كما يعرف دحلان في أوساط فتح، منذ أن تم إعلانه شخصاً غير مرغوب فيه في فلسطين، من الصعود بطريقة مذهلة وصادق أرفع المسؤولين السياسيين والأمنيين في المنطقة بفضل الغطاء السياسي والمالي الإماراتي باعتباره، كما تصفه لوموند، "مستشاراً" مقرباً من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان: التقى عدة مرات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، شارك في مفاوضات الخرطوم حول بناء سد على نهر النيل، قاد عمليات سرية في ليبيا يشتبه في كونها متعلقة بشحنات أسلحة وإمداد المرتزقة إلى الجنرال خليفة حفتر، ساهم في إطلاق حزب سوري معارض في القاهرة، التقى سراً مع جهات فاعلة في التحول السياسي التونسي وغيرها. وتضيف لوموند، أن دحلان كان سيحضر خطاب دونالد ترامب في ماي 2017 في الرياض إلى جانب زعماء خمسين دولة عربية ومسلمة.

تنقل لوموند عن أحد الدبلوماسيين العرب في باريس قوله، إن دحلان حين يأتي إلى العاصمة الفرنسية "تفتح السفارة الإماراتية صالة المطار وترسل له سيارات ليموزين. إنهم يعاملونه كما لو كان شيخاً من أفراد الأسرة الحاكمة". لكن ما هي مهمته بالتحديد؟ المساعدة، بما بات يمتلكه من اتصالات أخطبوطية في المنطقة، في إعادة تشكيل الشرق الأوسط ما بعد "الربيع العربي" بما يتوافق مع المصالح الإماراتية: أي ضد الإسلاميين وإيران وقطر.

يمتلك دحلان مكتباً في القاهرة وآخر في أوروبا، لكن مكتبه الرئيسي في أبو ظبي يسمى "شركة أبحاث" حيث التقته لوموند على ما يبدو نهاية عام 2016. يقول أبو فادي: "طورت أعمالي الخاصة ولست مستشاراً لمحمد بن زايد.. أنا مجرد صديق للعائلة الحاكمة" إلى الدرجة التي سمحت له بأن يكون على رأس شركة تابعة لشركة الإمارات القابضة التي تملكها أسرة آل نهيان. وتعود هذه "الصداقة" إلى عام 1993، حين رافق دحلان ياسر عرفات باعتباره مستشاره في رحلة إلى الإمارات تعرف خلالها إلى بن زايد. حينها كان دحلان يحضر نفسه لقيادة وحدات الأمن الوقائي في قطاع غزة الذي انسحبت منه قوات الاحتلال الإسرائيلي بموجب اتفاقات أوسلو. كانت هذه الوظيفة مثالية بالنسبة للشاب الطموح، فهي ستسمح له بعقد الصلات مع أكثر من جهاز مخابرات عربي وإقليمي وأجنبي (بما فيها طبعاً إسرائيل) إلى جانب السيطرة على المعابر وبالتالي على دخول وخروج البضائع والسلع والأسلحة وكل شيء.


ركن أساس في "الثورة المضادة"

صعد دحلان سريعاً في أوساط القيادة الفلسطينية حتى انتخب عام 2009 عضواً في اللجنة المركزية لفتح وانفتحت أمامه أبواب الترشح للرئاسة حين أصبح مستشاراً للأمن القومي لمحمود عباس، وكل ذلك وسط تقدير خاص كان يحظى به لدى المحافظين الجدد في إدارة جورج بوش الابن. أيام العز ستدوم سنتين فقط، حين سيستفيق الرئيس عباس على السلطة المتزايدة للشاب البالغ حينها الـ48 من عمره وسيقوم بطرده ومحاكمته بتهم الفساد المالي. انتقل لاجئاً إلى أبو ظبي التي كانت تستقبل الخاسرين العرب من انتفاضات 2011: المصري أحمد شفيق رئيس وزراء حسني مبارك الأسبق، الليبي محمد إسماعيل، المستشار الأمني لسيف الإسلام القذافي، أحمد صالح، ابن الرئيس اليمني المخلوع والقائد السابق للحرس الجمهوري. تضيف لوموند: بدء دحلان العمل برعاية عرابه الإماراتي "لمواجهة صعود الإخوان المسلمين الفائزين في انتخابات مصر وتونس من خلال دبلوماسية سرية وقوية سيكون دحلان أحد أركان هذه المؤسسة المضادة للثورة".


مصر: الضربة الأبرز!

الضربة الأبرز التي تلقتها التجربة الديمقراطية العربية كانت تمويل أبو فادي وصديقه محمد بن زايد لمظاهرات جوان 2013 المصرية الضخمة ضد الإسلاميين وأفضت إلى انقلاب الجنرال السيسي. وحسب أحد الدبلوماسيين الفلسطينيين فقد "قدم دحلان للسيسي معلومات حول عناصر حماس في القاهرة وأولئك الذين يشاركون بإيقاع هجمات ضد الجيش المصري في سيناء". ولضمان استقرار تجربة السيسي، استثمر دحلان في وسائل الإعلام المصرية نيابة عن الإمارات فشارك في إطلاق قناة "الغد" التلفزيونية عبر الصحفي عبد اللطيف المناوي، بالمقابل سمحت السلطات المصرية لزوجته جليلة في أفريل 2015 بدخول قطاع غزة ومعها حقائب مليئة بالنقود لتمويل حفل زفاف جماعي لـ400 من سكان القطاع. في اليوم التالي ظهرت ملصقات ضخمة تحمل صورة خليفة بن زايد وتقول "شكراً للإمارات".


من صربيا إلى السودان نحو ليبيا

في ليبيا، يعمل دحلان على تنفيذ سياسة الإمارات في دعم المشير حفتر في برقة ضد إسلاميي مصراتة المدعومين من قطر ورئيس وزراء الوفاق فايز السراج المدعوم من الغرب. يتمتع دحلان بصلات واسعة مع شخصيات عملت ضمن نظام القذافي تعمل اليوم إلى جانب حفتر مثل محمد إسماعيل والملياردير حسن طاطاناكي وقذاف الدم ابن عم القذافي. وحسب إحدى تسريبات السيسي فإن أبو فادي زار عدة مرات برقة منذ عام 2012 بينها واحدة بطائرة خاصة من القاهرة. تقول لوموند، إن دحلان كان عنصراً فاعلاً في عمليات تسليم الأسلحة الإماراتية إلى معسكر حفتر وخاصة بفضل الصلات الواسعة التي يملكها في البلقان وتؤهله للقيام بدور الوسيط، وخاصة مع ميلو ديوكانوفيتش رئيس وزراء الجبل الأسود بين 1991 و2016، ويشتبه بعلاقاته مع المافيا، وألكسندر فوسيتش رئيس الوزراء السابق ورئيس صربيا اليوم المتهم كذلك بالفساد.

شرع دحلان بشراء أراضي على طول الطريق السريع الواصل بين زغرب وبلغراد وساعد صديقه بن زايد على دخول السوق العقارية في صربيا خاصة حين حصلت الإمارات بين 2013 و2015 على عقود ضخمة غامضة فيها منها تحديث واجهة بلغراد البحرية بقيمة 3.5 مليار دولار. وتقديراً لمساعيه الحميدة حصل أبو فادي على الجنسية الصربية فضلاً عن 11 من أقاربه. ويعود الاهتمام الإماراتي بصربيا، إلى جانب الاستثمارات، إلى مخزونها الهائل من الأسلحة من مخلفات الحرب الأهلية في التسعينيات، وكان تقرير لمشروع عن الجريمة المنظمة والفساد، نشر عام 2016 في صحيفة الغارديان البريطانية قد كشف إقلاع ثماني طائرات على الأقل محملة بالسلاح عام 2015 من صربيا إلى أبو ظبي. وشاءت "الصدفة" أن يذهب الجنرال حفتر في زيارة إلى بلغراد في جوان من العام نفسه. فهل استفاد حفتر من السلاح الصربي برعاية دحلان وبن زايد؟ لا شيء مؤكد حتى اليوم، لكن لوموند تنقل عن بعثة للأمم المتحدة شكوكها حول تدفق المرتزقة من دارفور لدعم قوات حفتر، وكان أحد تجار المرتزقة قد أسر للصحيفة الفرنسية أنه قد عرض عليه عام 2016 أن يلتقي بدحلان!.


تونس: ضد قطر في كل مكان

في تونس، عمل محمد بن زايد على التقرب من أنصار نظام بن علي وبعض اليسار المعادي بشدة لإسلاميي حزب النهضة، يبرز من بينهم خاصة رفيق الشلي المسؤول الأمني السابق في زمن بن علي ومحسن مرزوق، أحد مؤسسي حزب الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي "نداء تونس". والهدف، تتابع لوموند، الضغط على حزب السبسي لفك تحالفه مع حكومة النهضة المدعومة من قطر. وتنقل لوموند عن محلل سياسي تونسي قوله، إن "دحلان سعى لإقناع تونس بإغلاق الحدود مع ليبيا من أجل خلق نقص في الغذاء في طرابلس ونشر الفوضى وبالتالي تسهيل تقدم قوات حفتر".


سوريا: موطئ قدم إماراتي في الفوضى

بالنسبة لسوريا، الحلقة الأخرى في سلسلة انتفاضات الربيع العربي والتي باتت أرضاً خصبة لكل أنواع التدخلات، سعى دحلان في القاهرة في مارس 2016 إلى إطلاق "حزب الغد" بقيادة الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري أحمد الجربا وبحضور ممثلين وشخصيات مصرية ولبنانية وروسية فضلاً عن مؤيدين للأسد وشخصيات كردية. ولدى الحزب كذلك جناح مسلح ينتشر في المناطق الشرقية يتلقى أسلحة قادمة من كردستان العراق ويقاتل رجاله ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) حصراً في إطار التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، الأمر الذي يسمح للإمارات، حسب لوموند، بإيجاد موطئ قدم وامتلاك وزن على الساحة السورية المسلحة في مواجهة قطر الداعم الأساسي لأبرز الجماعات المسلحة السورية.


لبنان: عين على شباب اللجوء

في لبنان، الخاصرة الرخوة وميدان التدخلات التاريخي، ليس من المستغرب أن يكون لدحلان نشاط منظم وقوي خاصة في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، وذلك من خلال الأموال التي تتدفق عبر منظمة غير حكومية تدعى "ARK" تدعم حركة نشيطة للغاية يطلق عليه اسم "الحراك الشبابي الفلسطيني"، الأمر الذي دفع الأحزاب الفلسطينية التقليدية لتكوين حركة منافسة أطلق عليها اسم "شبابنا". يستثمر دحلان أيضاً في أوساط المسلحين في مخيمات اللجوء الفلسطينية المنشقين عن فتح وبينهم خاصة محمد عيسى الملقب بـ"اللينو" في عين الحلوة الذي شاركت قواته في معارك مع مناصرين لفتح في 2011 و2013.


دحلان الأوروبي

أما أوروبا، فقد قام دحلان في 2016 بتنظيم مؤتمرات في بروكسل وباريس اجتذبت المئات من الفلسطينيين في الشتات وبعضهم أعضاء في حركة فتح في محاولة "لاستقطاب مسؤولين سابقين في الحركة وإنشاء تنظيم مواز"، حسب أحد الدبلوماسيين الفلسطينيين في أوروبا. كما حاول الاقتراب من حركة التضامن الأوروبية مع الفلسطينيين والإتحاد العام للطلاب الفلسطينيين، لكن ذلك لم ينجح، حسب لوموند. كذلك، يرعى دحلان عدة منصات حوار بينها موقع "فورمينا" ومقره في بروكسل وأيضاً المنتدى المتوسطي الخليجي ومقره روما والمركز الدولي للدراسات الجيوستراتيجية والاستشرافية في باريس والذي يرأسه التونسي المازري حداد الذي كان مقرباً من نظام بن علي.

  • print