منابرنا.. إلى أين؟

date 2017/11/14 views 1827 comments 0

يُروى أنّ الإمام سليمانَ بنَ مهران الأعمش (ت 148هـ) سمع متكلّما يلحن في كلامه، أي يخطئ في النّحو، فقال: "من هذا الذي يتكلّم وقلبي منه يتألم؟".. هذا الرّجل الذي آلم الإمامَ الأعمش بلحنه ربّما كان من عامّة النّاس، لكنّنا في زماننا هذا نتألّم وتُدمى قلوبنا حين نصغي بأسماعنا لبعض الصحفيين الذين يصنّفون ضمن الأسرة الإعلاميّة وضمن طبقة المثقّفين، ممّن تخرّجوا من الجامعات وتمّ توظيفهم في القنوات ليظهروا على الشاشات ويخاطبوا الملايين؛ الواحد منهم ربّما يمكث وقتا طويلا أمام المرآة، يصفّف شعره ويلمّع وجهه، لكنّه يبخل عن نفسه ومشاهديه بدقائق يعرض فيها تقريره الذي يزمع قراءته، على مدقّق لغويّ، يَشكل له كلماته، ودقائق أخرى يحضّر فيها كلمته!.

هذا الألم الذي ينتابنا حينما نضطرّ للجلوس أمام الشّاشات لمتابعة الأخبار، فتقرع أسماعنا وتدمَى قلوبنا بسماع وشهود تلك المجازر المروّعة التي يرتكبها بعض الصحفيين حاملي الشّهادات في حقّ لغة القرآن، ممّا لا يرتكبه كثير من تلاميذ الابتدائيّ المجتهدين؛ هذا الألم رغم شدّته ربّما يهون أمام الألم الذي يشعر به رواد المساجد الذين يسمعون كلّ جمعة من بعض المكلّفين بالخطابة خطبا ودروسا تزري باللّغة العربية وتنتهك حرماتها، بل وتزري بالدّين الذي ينطق باسمه أولئك المكلّفون الذين وجدوا أنفسهم بين عشية وضحاها قد أعطُوا رخصا لارتقاء المنابر وأوكلت لهم مسؤولية مخاطبة آلاف المصلين الذين يجلسون بين أيديهم كلّ جمعة، ليُفجعوا بلغة ركيكة مهلهلة وبمضمون يعجز عن توصيف واقع النّاس فضلا عن تحليله وإيجاد الحلول لأخطائه وتشعّباته.

في الوقت الذي كان فيه رواد المساجد ينتظرون خطوات جادّة على طريق إصلاح وترقية الخطاب المسجديّ بما يواكب تطوّرات الواقع وتطلّعات المجتمع، إذ بهم يفاجؤون بأنّه في كثير من المساجد لا يزال يراوح مكانه شكلا ومضمونا، بل قد لاحظ المتابعون في السنوات الأخيرة أنّ الخطاب الذي تحمله بعض المنابر يتّجه إلى التراجع والإيغال في البؤس، مع زيادة عدد المساجد التي لم تواكَب بزيادة عدد المناصب الممنوحة لقطاع الشؤون الدينية، وإنّما تمّت معالجة الأمر بفتح الأبواب على مصاريعها لكلّ من تحدّثه نفسه بارتقاء المنبر، وبإسناد مسؤولية الخطابة في كثير من المساجد إلى متطوعين وقيمين ومكلفين بالإمامة ذوي مستويات متواضعة، الواحد منهم ربما لا يفرق بين الفاعل والمفعول به، ولا بين عمل "كان" وأخواتها وعمل "إنّ" وأخواتها!.. كأنّ هناك نية مضمرة وهدفا مبيتا لقتل هيبة المنبر في النّفوس، وصرف الشّباب خاصّة عن الاهتمام بالخطاب المسجدي وبالمساجد. لقد بلغ الأمر إلى حدّ اضطرّ معه المفتّشون في بعض المقاطعات إلى البحث عن متطوّعين يكلّفون بتأطير المساجد وتُسند إليهم مسؤولية الإفتاء والتدريس فيها، بغض النظر عن مستوياتهم وأهليتهم وربّما –أيضا- بغض النظر عن أخلاقهم ومكانتهم في المجتمع! بل إنّ الوزارة الوصية ربّما تضطرّ إلى تكليف العدد القليل من الموظّفين الذين يُمتنّ بهم على القطاع بالخطابة والتّدريس والإفتاء في المساجد بصرف النّظر عن مؤهّلاتهم ورتبهم التي انتدبوا لها، وقد روى لي أحد الأصدقاء في هذا الصّدد أنّ القيّمين ومعلمي القرآن الكريم الذين نجحوا في مسابقات الالتحاق بهذه الرتب، بُشّروا وهم على مقاعد الدراسة في أحد معاهد التكوين التي التحقوا بها قبيل التوظيف، بأنّهم سيكونون فرسانا للمنابر، وأنّهم إضافة إلى وظائفهم الأساسية، سيكلّفون بالخطابة والتدريس، ولِمَ لا الإفتاء والنظر في قضايا النكاح والطلاق والنزاعات المختلفة!.

لقد بدا واضحا أنّ الجهات العلمانية الضّاغطة والمتنفّذة لم تكتف بالزّحف على قطاعات الثقافة والتربية والإعلام، حتى وضعت قطاع الشؤون الدينية نصب عينها وضمن أهدافها التي لم تعد تقتصر على حشر الدّين في زوايا البيوت وبين جدران المساجد، وإنّما تعدّته إلى صرف النّاس عن الدّين وعن المساجد بالكلية.

ليس المقصود من هذا الكلام أن نجعل من يرتقون المنابر في سلّة واحدة، فهناك أئمّة كُثر يمتلكون لغة راقية وعلى درجة عالية من الثّقافة والوعي، تشرئبّ إليهم الأعناق وترتاح لخطبهم ودروسهم النّفوس، وليس المقصود أن نبرّر هجر المساجد، أو نزهّد في الخطاب المسجديّ، إنّما المقصود أن نوصل رسالة مستعجلة إلى القائمين على قطاع الشّؤون الدينيّة وبينهم من نحسبهم من الغيورين على دينهم وأمّتهم، بأن يأخذوا حذرهم ويجعلوا تأطير المساجد والحفاظ على هيبة المنابر ضمن أولوياتهم.. حماية المرجعية الدينية والوطنية ضرورة دينيّة ووطنيّة، لكنّها لا بدّ أن تكون متزامنة مع ترقية وتطوير الخطاب المسجديّ، ولا بدّ للغيورين على هذا القطاع أن يتكلّموا بنبرة عالية عن موضوع التّأطير في بيوت الله، ويوجّهوا رسالة واضحة إلى الجهات المسؤولة مفادها أنّ المنابر لا يجوز ولا يصحّ أبدا أن يطالها التقشّف.

  • print