مرحبا باللحمة الوطنية في حلة "الناير"

date 2018/01/12 views 2841 comments 38

في بادئ ذي بدء، أهنئ الشعب الجزائري على نجاحه في تجاوز أزمة الهوية بصفة نهائية، بعد إعادة الاعتبار بما فيه الكفاية للمكوّن الثقافي واللغوي الأمازيغي، بطريقة سلسة متزنة. وتحقق هذا النصر التاريخي بفضل تراكم نضال أجيال عديدة (أخصّ بالذكر أعمر بوليفة- مولود معمري- موحيا- محمد هارون) من جهة، وبفضل شجاعة الدولة الجزائرية من جهة أخرى، جعلتها تراجع موقفها بالإيجاب، فرفعت غبنا جثم على الأمازيغية لعقود طويلة، وبذلك تم تفكيك قنبلة موقوتة مزروعة من طرف المدرسة الاستعمارية الفرنسية، التي سعت إلى ربط الأمازيغية بالحرف اللاتيني منذ القرن 19م.

ولا يفوتني بهذه المناسبة السعيدة، أن أنوّه بالجهود المبذولة في إطار الحركة الإصلاحية الفكرية في النصف الأول من القرن العشرين، من أجل إبراز البعد التاريخي العريق للشعب الجزائري، وتجلى ذلك بالوضوح في كتاب "تاريخ الجزائر في القديم والحديث" للمصلح مبارك الميلي الصادر سنة 1928م، وفي "كتاب الجزائر" للأستاذ أحمد توفيق المدني الصادر سنة 1931م، وفي مقالات عبد الحميد بن باديس، وشعر الشيخ أحمد سحنون القائل في قصيدة "العامل الجزائري":

- أنا ابن الجزائر من *** له مثل آبائيه؟

- أنا ابن الامازيغ لن *** أذلّ لأعدائيه

لا شكّ أن سياسة المصالحة مع "الذات الثقافية"، حدث بارز سيكتبه التاريخ بأحرف من ذهب. وبالصراحة ما كنت أتصوّر أن جيلي سيعيش هذه اللحظة السعيدة. ومن المؤكد أن هذه المصالحة مع الذات ستكون بمثابة لحمة قوية توحّد الجزائريين، في "وحدة صحيحة" سمتها التنوع الثقافي الغنيّ، يشعر فيها الجميع باكتمال مواطنتهم التي ظلت مبتورة لزمن طويل. ومن المفيد أن نعيد إلى الأذهان أن الأمازيغية والعربية قد تعايشتا في وئام لقرون عديدة، ولم يعكّر صفوهما إلاّ السياسة الكولونيالية الفرنسية المبنية على قاعدة (فرّق تسد)، وفكر سياسيّ ضيّق متشدّد وافد من الشرق. ولعل ما يؤكد العلاقة التكاملية بينهما، اقتراض الأمازيغية من رصيد العربية الكثير من الكلمات والمصطلحات من جهة، وبروز علماء أمازيغ خدموا العربية بألسنتهم وأقلامهم من جهة أخرى. 

ورغم قناعتي الكاملة بالتكامل بين الأمازيغية والعربية، فإن الضرورة تدعو إلى مرافقة القرار السياسي الشجاع القاضي بترسيم الأمازيغية، بحزمة من إجراءات تربوية هادفة إلى إذابة التشنج القائم بين أنصار الأمازيغية والمتحفظين منها، بالحوار والنقاش الهادئين، وإبراز البعد الوطني للأمازيغية، والتدرج في تعليمها على قاعدة "الإيناس قبل الإبساس"، فإذا كان الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله- قد أشار إلى أن:<< إرغام الناس على الإيمان، لا يصنع إنسانا مؤمنا>>، فأنا أقول: إرغام الناس على تعلم الأمازيغية لا يصنع مواطنا معتزا بأمازيغيته. وبعبارة أوضح فإن ترقية الأمازيغية تحتاج إلى جهود الباحثين والمتخصصين، تتراكم على المديين المتوسط والبعيد، على أن يؤخذ السياق التاريخي الذي ترعرعت فيه الأمازيغية بعين الاعتبار. 

أخيرا أقول لإخواني الجزائريين: لتطمئن قلوبكم، فالأمازيغية لم تكن في ماضيها حجر عثرة أمام انتشار العربية في شمال إفريقية، ولن تكون في المستقبل. وأختم كلامي بمقولة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه، خاطب فيها قومه قائلا: "تعلموا الألسن، فإن كلّ لسان بإنسان".

  • print