عندما تنتصر السلطة للحرف اللاتيني!

date 2018/01/13 views 3737 comments 58

بإصدار وزارة الداخلية أول بيان رسمي للدولة الجزائرية منذ الاستقلال باللغة الأمازيغية، وبالحروف اللاتينية، تكون السلطة قد حسمت في الجدل الدائر منذ بداية تدريس هذه اللغة في سنة 1996 حول مسألة الحرف الذي ينبغي أن تُكتب به، وانتصرت بوضوح للتيار الداعي إلى كتابتها بالحرف اللاتيني على حساب الحرف العربي والتيفيناغ، ومنحت الضوء الأخضر لأكاديمية الأمازيغية المزمع إنشاؤها قريبا للانطلاق في بحوثها اللغوية بالحرف اللاتيني وحده.

الكثيرُ من الجزائريين يفضِّلون كتابة الأمازيغية بالحرف العربي، أسوة بشعوبٍ إسلامية عديدة، واقتداءً بأكثر من 40 جيلا من أجدادنا الأمازيغ الذين كانوا يكتبون به مخطوطاتهم الأمازيغية، ولا تزال هذه المخطوطاتُ المحفوظة ببجاية وغيرها تؤكد مدى التعايش بين اللغتين العربية والأمازيغية طيلة 14 قرنا قامت فيها نحو عشر ممالك أمازيغية لم ير أيٌّ من ملوكها قطّ أيَّ تعارضٍ بين اللغتين.

وغنيٌّ عن القول إن الحروف العربية هي الأقدر من اللاتينية على التعبير عن حروف كالحاء والخاء والعين والظاء والقاف... التي تزخر بها التنوُّعات اللسانية الأمازيغية في شتى أنحاء الوطن، والكتابة بها ستجعل عملية تعميم تدريس الأمازيغية بكل الولايات سلِسة ويتقبّلها الجزائريون الذين لا يتحدّثون بأيّ لهجة أمازيغية الآن في العديد من الولايات... إذ سيشعرون بأنها قريبة منهم، بخلاف الكتابة بالحرف اللاتيني الذي ينظرون إليه على أنه مجرّد امتداد للفرنسية وللاستعمار الفرنسي الذي حرص على كتابتها بهذا الحرف لغرضٍ لا يُخفى عن أحد.

كنا نأمل أن تنتصر السلطة للحرف العربي في كتابة الأمازيغية، فذلك أدعى لتقوية اللحمة الوطنية وتعزيز الأخوّة بين المواطنين، أو تنتصر للتيفيناغ؛ الحرف الأصلي لهذه اللغة، والذي ينتشر في الجنوب الجزائري والمغرب ومالي والنيجر... لكنها اختارت الحرف اللاتيني، ومن دون استفتاءٍ شعبي ولا استشارات واسعة مع فعاليات المجتمع، استرضاءً لأنصار هذا الحرف الدخيل ومجاملةً لهم، وهي خطوة ستكبح انتشار الأمازيغية في مختلف ولايات الوطن وتدفع المواطنين إلى العزوف عن تعلّمها.

خطوة السلطة تعني أن الأكاديمية القادمة ستكون ذات لون واحد، ولن يجد فيها الكثيرُ من الباحثين الأمازيغ ضالتهم، سواء تعلق الأمر بالباحثين الشاوية والميزابيين والشنويين الذين يكتبون الأمازيغية بالحرف العربي أو الطوارق الذين يدوِّنونها بالتيفيناغ، ما يجعل قواميس هذه الأكاديمية وكتبَها حبيسة الرفوف، لا تجد رواجا ولا قبولا في المناطق الأمازيغية نفسها، فما بالكم بالمناطق التي انقرضت منها منذ قرون، لاسيّما إذا لم تُقدَّم للمواطنين لغةٌ معيارية موحّدة وقُدِّمت لهم إحدى لهجاتها على أنها هي نفسها الأمازيغية، على حساب باقي اللهجات.

كتابة الأمازيغية بالحرف العربي يعني انتشارها ودفع الجزائريين إلى احتضانها، وبالتيفيناغ يعني العودة بها إلى هويتها، أما كتابتها بالحرف اللاتيني الغريب عن هويتها فسيساهم في رفضها وفشل تعميمها، وحتى لو صدر قرارٌ سياسيٌ بإجبارية تعليمها فستكون نتائجها ضعيفة، وستجد هذه اللغة نفسها في الوضعية نفسها بعد عقود طويلة من الآن، والمسؤولية يتحمّلها المُصِرّون على فرض هذا الحرف وحدهم.

  • print