تونس:

ثورة مغدورة، ديمقراطيّة مغشوشة، تنمية مفقودة..

date 2018/01/13 views 2581 comments 5
author-picture

icon-writer نصر الدين بن حديد

إعلامي جزائري مقيم في تونس

تأتي «الثورة» التونسيّة فريدة بين مثيلاتها على مرّ التاريخ، حين يكون الاختلاف شديدًا بل فارقا وحاسمًا، بخصوص انطلاقتها أو التأريخ لها، بين عمق شعبي يراها ويعتبرها بل يصرّ على أنّها «ثورة 17 ديسمبر» في حين تريدها شريحة ثانية وتعتبرها هي الأخرى وتصرّ على أنّها «ثورة 14 جانفي»..

دون أن ننسى أن أعماق تونس التي شهدت اندلاع الأحداث يوم 17 ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد والمدن المجاورة، ترى في تسمية «ثورة الياسمين» سرقة لما هي «ثورتهم» حين يؤشّر «الياسمين» إلى الأحياء الراقية في العاصمة تونس، حين ارتبطت مناطقهم بالصبّار وما هو شظف العيش.

أزمة التأريخ هذه وأزمة التسميات كذلك، لا تأتيان مسألة شكليّة أو هامشيّة، بل هي في صلب الخلاف حول الثورة، بل وضمن صفوفها، أيّ بشأنها وبين الأطياف التي ساهمت في الحراك الذي أنهى حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي، ممّا أدّى ليس فقط إلى إلغاء التناظر بين «ثوّار» يقابلهم «أزلام»، بل كذلك دفع عددًا متزايدًا إلى إعادة طرح أسئلة حسبها الكثيرون محسومة، مثل تعريف ما جدّ، أي أنّ البلاد عرفت «ثورة» أم «انتفاضة»، أو غيرهما من التسميات، وما يتبع تبعا لذلك من (إعادة) تعريف طبيعة نظام بن علي.

بين لحظة أشعل فيها طارق البوعزيزي (الشهير بتسمية محمّد) النار في ذاته يوم 17 ديسمبر 2010، ولحظة ظهور رئيس الوزراء آنذاك محمّد الغنوشي على الشاشات ليعلن مغادرة بن علي وتفعيل الدستور بخصوص حال الشغور، يوم 14 جانفي 2011، كان المشهد واضحًا رغم ضبابيّة الغاز المسيل للدموع وشلاّل الدم، في تراوح بين «ثوّار» على الأرض وعلى الانترنت وعلى وسائل الإعلام العربيّة والعالميّة، التي تبثّ من خارج تونس.

هذه الصورة الملائكيّة، لم تعد هي الغالبة على المشهد السياسي الحالي ولم تعد هي المرجع والرصيد الذي يتمّ الاستناد إليه إلاّ نادرًا، حين صار المشهد ضبابيّا، بفعل ابتعاد الساحة السياسية عن التصنيف والتناظر حول «الثورة» إلى جبهات صراع جديدة، متعدّدة ومتقاطعة، تتراوح بين مسائل الدين والهويّة، وأحيانًا أخرى ما تعيشه البلاد من أزمة اقتصاديّة طاحنة، أثّرت شديد التأثير على الطبقة الوسطى، مفخرة النظام في تونس سواء أثناء حكم بورقيبة أو زمن زين العابدين بن علي.

أزمة «الثورة» (المفهوم، والمرجع، وكذلك الرصيد والهويّة)، ظنّ الكثيرون أنّ دوران عجلة «الديمقراطيّة» بما أمّنت من انتخابات «المجلس الوطني التأسيسي»، قادر على تجاوزها، بما للديمقراطيّة (التعريف وآليّة الاقتراع ونظام الحكم) من قدرة (افتراضية) على التأسيس لنظام عادل، أي نقيض حكم بن علي على مستوى «حقوق الإنسان» ، وكذلك من قدرة على بناء اقتصاد يوفّر الشغل لأوسع عدد ممكن من الطالبين ومن ثمّة يكون الاستقرار الاجتماعي...

لخصت شعارات الفترة الفاصلة بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، هذه الآمال، حين جاء الحديث «شغل، حريّة، كرامة وطنيّة»، لتكون في الآن ذاته، ذلك الوعي الفطري والغريزي، بصياغة صورة افتراضيّة أو متخيّلة (بفتح الياء)، لا تعدو أن تكون سوى نقيض الفترة التي حكمها زين العابدين بن علي.

عجزت «الثورة»، أيّ الحراك الشعبي الفاصل بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011، عن الذهاب بما هو «التغيير» إلى أقصاه، أيّ إقصاء «النظام» بكامله، حين آلت الرئاسة إلى فؤاد المبزع حينها رئيس المجلس التشريعي وأحد أعمد نظام بن علي، في حين احتفظ محمّد الغنوشي بمنصب رئاسة الوزراء.

عجزت الديمقراطيّة أيّ «المجلس الوطني التأسيسي» عن إدارة العجلة السياسيّة بما يرضي «الأخلاق الثوريّة» وكذلك بما يقدّم صورة عن «بهاء» الديمقراطيّة، على اعتبار تونس «الابن البكر» لثورات (ما يسمّى) «الربيع العربي»، حين أحدث اغتيال شكري بلعيد ومحمّد البراهمي صدمة أدّت إلى الذهاب في «الحوار الوطني» الذي تحوّل (رغم عدم استناده إلى أيّ شرعيّة قانونيّة) إلى بديل على مستوى الفعل والتفاعل عن «المجلس الوطني التأسيسي» (المنتخب)...

مثلما تغاضى العمق الشعبي عن عدم اكتمال المسار الثوري إثر مغادرة بن علي، تغاضى هذا العمق عن عدم اكتمال مسار الانتقال الديمقراطي، علّ من يحكمون دون شرعية «ثوريّة» ساطعة، ودون عمق ديمقراطي راسخ، يستطيعون التأسيس لتنمية اقتصاديّة تكون رافعة لما هو منتظر من «رخاء» يؤمّن «فرحة الحياة» التي سالت من أجلها الدماء ودفع العشرات أرواحهم من أجلها.

دون الحاجة إلى الاطلاع على أدقّ تفاصيل الاقتصاد التونسي، يمكن الجزم (قياسًا بما هو الوضع عند مغادرة بن علي) أنّ جميع المؤشرات تراجعت، بعضها مثل الدين والتضخم، بلغ حدّا مخيفًا، إضافة إلى تراجع المعنويات في الشارع، وطغيان التشاؤم على العمق الشعبي، دون أن ننسى ارتفاع كبير في أعداد المهاجرين سرّا عبر البحر، وكذلك ما سبق من أعداد غير قليلة هي الأخرى، قصدت منطقة الهلال الخصيب والقطر الليبي المجاور، للالتحاق بالجماعات الارهابيّة هناك...

تعود الذكرى السابعة لمغادرة بن علي البلاد وخاصّة منصبه، والبلاد تشهد مظاهرات تخللها عنف طال مؤسّسات الدولة وكذلك عديد المراكز التجاريّة، ممّا يحيل على صور مشابهة جدّت في ذات التاريخ منذ سبع سنوات، وما هو الأمل لدى البعض والخوف لدى آخرين من تجدّد ذات السيناريو، أو (ما هو أخطر) انجرار البلاد إلى دوّامة العنف المتواصل.

عوض ثورة مغدورة، وديمقراطيّة مغشوشة، وتنمية مفقودة، صار الهاجس في تونس، ينشد «الاستقرار» القائم أو المتراوح بين «التوافق» القائم على كتفي كلّ من راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي من ناحية، وما هو مأمول من قدرة المؤسستين الامنية والعسكريّة للتصدّي لأيّ «إضطراب» دون اغفال الإرهاب.

  • print