مَن يُفكِّر لمستقبلنا؟

date 2018/02/08 views 1883 comments 6
محمد سليم قلالة

أستاذ جامعي

المشكلة في بلادنا أنّنا نُفكِّر في المستقبل بالحد الأدنى من الامكانيات، من الكفاءات، من الرجال والنساء، وأحيانا لا نُفكِّر فيه تماما.. بالرغم أن المستقبل هو الفترة الوحيدة التي تُعَد مجالا حقيقيا لنا، لممارسة ما استطعنا أن نستجمع من إرادة، وما بقي لنا من حرية في التصرف، خلافا للماضي والحاضر حيث فقدناهما معا كليا أو جزئيا... ومع ذلك نستمر في إدارة ظهرنا لهذا المستقبل، وكأنه غير آت أو أننا غير ذاهبين نحوه.. ونستمر في تكرار ذات الأخطاء التي تترك آخرين يصنعونه لنا وفق أسوأ السيناريوهات...

أزمَاتنا المختلفة هي نتيجة هذا الخلل في التفكير، من التربية إلى الصّحة إلى التّجارة والصّناعة والفلاحة والنقل والشباب والرياضة ومنظومة الحكم، كافة القطاعات في بلادنا مُشكِلَتُها الأساسية والمُزمِنة واحدة، عدم القدرة على استباق الفعل  أي الاستعداد له قبل أن يقع، وعدم استحداثه في الوقت المناسب أي إجراء التغييرات المرجوة لتشكيل المستقبل الذي نريد صناعته قبل أن يتحول إلى حاضر ضاغط لا سلطة لنا عليه ولا إرادة ولا حرية اتخاذ القرار، أو يصنعه لنا غيرنا...

ألم نسأل أنفسنا: ما الذي جعل هذه الدول ـ وخاصة الصاعدة منها كتركيا والبرازيل وجنوب إفريقيا والصين- تتمكن في ظرف وجيز من فرض سلعها ومنتجاتها على المستوى العالمي؟ لِمَ لا نحن؟ أليست المسألة مُتعلقة بتمكن هذه الدول من استباق واقعها الحالي قبل عقد أو عقدين من الزمن أو ربما أكثر؟ 

في التربية، ها هي الإضرابات تنخر قطاعا استراتيجيا وحَيوِيًّا ومُحرِكًا لكافة القطاعات، كل سنة تتكرر ذات السيناريوهات، وذات المطالب وذات الضغوط، وفي كل سنة نُكرِّر الأخطاء ذاتها، ويذهب مستقبل أبنائنا ضحية مثل هكذا أسلوب في إدارة هذا المجال الحيوي والهام والاستراتيجي، وما يحدث في التربية يحدث في الصّحة والصّناعة والفلاحة وغيرها من القطاعات، لا نجد من يملك صورة حقيقية عمّا ينبغي أن يكون عليه التعليم خلال العشرين سنة القادمة، أو الصحة، أو الصناعة، أو التجارة، أو الفلاحة.. كل القرارات التي يتم اتخاذها إنما هي ردود أفعال ناتجة عن الضغوط اليومية التي يعرفها كل قطاع، لم نتمكن من تحديد أهداف واضحة على المدى البعيد في أي من هذه المجالات، ولم نسع لذلك من خلال اعتماد آراء الخبراء والكفاءات المختلفة لتقديم التصور الملائم والاتفاق بشأنه، وإعداد الخطة التنفيذية لتحقيقه... 

هل  الحكومة برمتها لديها صورة عما ستكون عليه مخرجات التعليم سنة 2030، أي نوع من التلاميذ سيحصلون على البكالوريا في هذا العام، وأي نوع من الأساتذة أعددنا لهم، وأي جامعات وتخصصات ستستقبلهم، وأي القطاعات ستشغلهم، وكيف سيكون عليه العالم في هذه السنة، وكيف سيكون بعدها عندما يتخرجون؟ ما طبيعة العمل الذي سينتظرهم، والتحديات الداخلية والخارجية التي سيواجهونها في تلك الفترة؟ وهل ستكون لديهم الكفاءة اللاّزمة للقيام بذلك؟ لا أظن ذلك، ونحن نرى حكومتنا اليوم غير قادرة على معرفة حاجتها من الكراسي والطاولات والمُعلِّمين خلال السنة الجارية، بل لا تعرف الخلل الكَمِّي في أعداد التلاميذ والأساتذة في هذه الولاية أو تلك دون الحديث عن نوعية التعليم ولغته وكفاءة القائمين عليه والهدف منه....الخ

وفي المجالات الأخرى كالصناعة والفلاحة والتجارة هل يوجد لدى هؤلاء تصور واضح لِمَا سيكون عليه العقد الرابع من القرن الحادي والعشرين ليستعدوا له أفضل استعداد؟

لا أعتقد، ذلك، باعتبار أن الغالبية اليوم هي غارقة في الآني واللحظي، لا تستطيع التغلب عليه، وهذه الهيمنة للحظي والآني هي التعبير الحي على غياب ثقافة المستقبل بيننا وعلى عدم إدراكنا أن التقدم رهن بهذه الثقافة، إننا لا يمكن أن نتغلب على أي من المشكلات التي نعيشها دون أن نستبقها بالحلول ونستحدث بدائل أفضل لها.

في مجال التجارة يلاحظ اليوم، كيف أنه تم اتخاذ قرار سريع كرد فعل على نقص الموارد المالية تمثل في توقيف استيراد عدد معتبر من السلع، إلا أن النتائج المُحصل عليها كانت دون التوقعات، إذ بدل أن يتم اقتصاد مابين 5 و7 مليار دولار لم نقتصد أزيد من 1.5 مليار دولار مع كل التداعيات السلبية التي ترتبت عن مثل هذا القرار الذي كان ينبغي أن يُتَّخذ قبل 10 أو 20 سنة من الآن لحماية التجارة الداخلية وتطوير الصناعات الصغيرة والمتوسطة.

لو تم  استباق مثل هذا القرار بتفكير استشرافي حقيقي وفق المناهج العلمية المتعارف عليها، وتم وضع السيناريوهات المناسبة لإحلال الواردات محليا، أو الدخول في شراكات بعيدة المدى لإنتاج سلع وطنية تكون ذات جودة عالية وقادرة على المنافسة ما كُنَّا سنقع فيما نحن فيه الآن. التاجر يشكو وصاحب النشاط الصناعي يشكو والمواطن لا يجد في سلع بلاده الجودة الكافية ولا البديل الأفضل، كم كانت ستكلف دراسة استشرافية محايدة يقوم بها مختصون في هذا المجال لنصل إلى مستوى الانتاج التركي على سبيل المثال كحقل إرشادي في المجال الصناعي؟ لا شيء يُذكر بالنظر إلى ما يُمكن أن تُحقّقه من مردود للاقتصاد الوطني، وما يمكن أن تجعلنا نتفاداه من أزمات وقلق وشعور بالإحباط؟

إن المتتبع لسلوكنا أمام السلع الأجنبية غالبا ما يندهش لِمَ لا نُعِمِّم تلك النتائج الناجحة في الميدان الصناعي (وإن كانت قليلة) على باقي المنتجات، ونستمر في التسليم بجودة السلع الفرنسية والتركية والألمانية والأجنبية بشكل عام، ألم نسأل أنفسنا ما الذي جعل هذه الدول ـ وخاصة الصاعدة منها ـ كتركيا والبرازيل وجنوب إفريقيا والصين تتمكن في ظرف وجيز من فرض سلعها ومنتجاتها على المستوى العالمي؟ لِمَ لا نحن؟ أليست المسألة مُتعلقة بتمكن هذه الدول من استباق واقعها الحالي قبل عقد أو عقدين من الزمن أو ربما أكثر؟ هل تمَكَّن أي من هذه البلدان أن يحصل على تقدم حقيقي في أي مجال من المجالات دون استباق حقيقي للفعل المزمع القيام به، بـ 10 سنوات أو 20 سنة على الأقل؟ 

إنها بالفعل مشكلتنا الحقيقية، هذه المرتبطة، بانعدام الاستباق، وبالتقليل من قيمة المستقبل، ينبغي أن تكون أولويتنا الأولى في القريب العاجل إذا ما أردنا الخروج من دوامة اليأس والتخلف والدوران ضمن حلقات مفرغة من السياسات التي لا جدوى منها، وهذه الأولوية ينبغي ألا تكون مرتبطة بشخص معين أو هيئة معينة أو حزب سياسي أو حكومة مُحدَّدة أو آجال انتخابية مُعيَّنة، بل ينبغي أن تكون فوق هؤلاء جميعا وفي خدمتهم جميعا. 

إن حكومات الدول المتقدمة أو التي تَمكَّنت من السير بهذا الاتجاه، إنما تضع نفسها في خدمة الرؤية الشاملة والعمق الاستراتيجي الذي تضعها لها نخبتها العلمية ومؤسساتها العاملة في هذا الحقل، لا أن تجعل من هذه "الرؤية" أو "المشروع الوطني" عَمَلاً دعائيا لتغطية سياسات فاشلة أو تمرير سياسات فعلية لا علاقة لها به، كما يحدث معنا في أكثر من برنامج أو حتى مشروع اقتصادي واجتماعي، ما يفتأ أن يلفه طي النسيان لتحل محله سياسة الارتجال والتسيير من خلال قرارات الفرد الواحد أو مجموعات المصالح الضيقة التي بإمكانها جر البلاد لمخاطر كثيرة.

ويكفي أن نذكر على سبيل المثال كيف تبقى بعض البرامج المطروحة لإنقاذ الاقتصاد الوطني أو تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي، بعيدة عن المراقبة والتقييم (نموذج النمو الجديد 2017)، أو مجرد برامج تستنزف جهود الخبراء مثل ذلك الذي أعدّه منتدى رؤساء المؤسسات (من أجل انبعاث الاقتصاد الجزائري جوان 2015)، أو مجرد عناصر تفكير لأحزاب أو أفراد أو باحثين، غير مُتَضَمَّنَة ضمن إطار رؤية شاملة ومُتَفَق عليها، تشمل كافة القطاعات والجوانب، وأولها الجانب السياسي المتعلق بالفريق الذي يُشرِف على تنفيذها والشروط التي ينبغي أن تتوفر فيه وكيف ينبغي أن يصل إلى الحكم ليتحمل مسؤوليته كاملة...

ولحد الآن لم نتمكن من إيجاد هذا الربط المتكامل في مجال الرؤية للخروج من حالة التشرذم التي نحن عليها، إلى حالة التماسك الاستراتيجي الذي يمكننا بحق من أن نبدأ في صنع مستقبلنا بدل أن يصنعه لنا الآخرون...علينا أن لا نتأخر أكثر.

  • print