إضرابٌ عن العِلم!

date 2018/02/10 views 1608 comments 9

يبدو أن وزارة التربية ستكون مجبرة في نهاية المطاف على الاستجابة لمطلب طلبة ثانويات البليدة وبجاية بإقرار العتبة في البكالوريا القادمة، ما داموا متأخِّرين في دروسهم عن أقرانهم في باقي ولايات الوطن بأسابيع عديدة بسبب إضراب أساتذتهم.

وإذا تواصل الإضرابُ أسابيع أخرى على المستوى الوطني، وهو أمرٌ مرجّح بقوة بالنظر إلى تصلّب النقابة المُضرِبة ووزارة التربية ورفضِ الطرفين تقديم تنازلاتٍ متبادلة، فإن العتبة ستصبح حتما مقضيا كما حدث خلال سنوات ماضية بفعل الإضرابات المتكررة.

لا يختلف المتتبِّعون للشأن التربوي الجزائري على أن العتبة التي كادت تتحوَّل إلى "مكسب" ثابت للتلاميذ كل عام، هي أحد أسباب تراجع مستوى المدرسة الجزائرية في السنوات الأخيرة، فضلا عن أسباب أخرى عديدة تتعلّق أساسا بتحويل المدرسة إلى حقل تجارب للبرامج والمناهج الجديدة التي تُسوَّق باسم "الإصلاحات" المتعاقبة.. لكن مسؤولية العتبة تتقاسمها نقاباتُ التربية التي تدخل كل سنة تقريبا في إضرابٍ جديد ومفتوح يستمرّ أسابيع عديدة لتحقيق مطالب جديدة، ووزارةُ التربية التي تتشدّد في البداية وترفض الحوار وتلجأ إلى إجراءات عقابية، وبعد ضياع أسابيع من الدراسة ترضخ لمطالب المضربين، ثم يتكرر السيناريو نفسُه كل سنة.. والنتيجة ظهور أجيالٍ تتخرَّج بعد سنوات في الجامعة بمستويات ضحلة لا تمكِّنها من ولوج سوق العمل وفرض نفسها خلافا للأجيال السابقة، بل إن الكثير من المتخرِّجين لا يحسنون حتى كتابة طلب عمل بشكل صحيح خال من الأخطاء، وبعضهم لا يفرِّق بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة.. وبعد هذا يستغرب بعض الجزائريين تصنيف "أفضل" جامعاتهم، وهي باب الزوار، في المرتبة 2250 عالميا؛ أي في ذيل ترتيب أحسن الجامعات العالمية، وقد سبقتها جامعاتٌ إفريقية وعربية عديدة! 

الطالب الجزائري يدرس عمليا نحو خمسة أشهر سنويا، أو ستة أشهر  على الأكثر؛ فهناك عطلة صيفية تتجاوز الثلاثة أشهر، وأخرى في الخريف من 5 أيام، وعطلتان في الشتاء والربيع مجموعهما 30 يوما، ويُضاف إليهما الجمعة والسبت من كل أسبوع، والأعيادُ الدينية والوطنية... ثم تأتي الإضرابات المفتوحة لتستغرق شهرا إلى شهرين كل سنة، فهل ما تبقى من أسابيع دراسية كافٍ لينال الطالبُ الجزائري تحصيلا علميا ومعرفيا محترما ينافس به أقرانَه في الدول التي لا إضرابات تربوية فيها أو تكتفي بإضرابات محدودة؟

الدول لا تتقدم إلا بالعلم والبحث العلمي، وبتحقيق الاستقرار في مدارسها وتطوير منظوماتها التربوية لتواكب آخر المستجدات العلمية والتكنولوجية في العالم، وبالاستغلال الأمثل للوقت وعدم إهداره، وطبيعيٌ أن مدرسةً يفتِكُ بها عدمُ الاستقرار والإضراباتُ المفتوحة كل سنة وتُهدَر فيها أسابيع عديدة من الدراسة في كل موسم دراسي، لا يمكن أن تُنتِج نخبة عالية التكوين والتأهيل تقود البلدَ بنجاح في المستقبل وتُخرِجه من التخلّف وتصنع تطوّره وازدهاره.

  • print