طريق الخروج من اللعبة القاتلة

date 2018/02/10 views 1407 comments 0

ليس أمام السلطة الفلسطينية الآن إلا أن تتدبر أمرها بشكل حازم وسريع لاتخاذ الخطوة الضرورية نحو طريق الخروج من اللعبة القاتلة.. فلم يعد مزيد من الوقت للاستغراق في اللحظة الثقيلة الطويلة التي عبّرت عنها صدمة السياسيين الفلسطينيين من خطوة الإدارة الأمريكية بضم القدس إلى الكيان الصهيوني.

بعد عشرات السنين من السير نحو السراب وتضييع أوقات عزيزة وهدر إمكانات مهمة وتنفيس الاحتقانات بإجراءات أمنية قامعة لكل صوت رافض للتسوية.. وبعد مسيرة من الفوضى الوطنية وقف رئيس السلطة الفلسطينية ليعلن على الملأ: "إننا كنا مخدوعين ومغشوشين ولقد لُدغنا مئة مرة من جُحر واحد".. على الصعيد الأخلاقي يمكننا اعتبار هذا الإقرار خطوة ايجابية تعبر عن إحساس بالمسئولية وصدق في توصيف الحالة من قبل من أشرف وسيّر ونظم المسألة عبر عقود عديدة.. إلا أننا لسنا هنا بصدد الجانب الأخلاقي بل وباختصار نتساءل: ما الفائدة الآن من هذا الإقرار إن لم يتم إسناده بمواقف سياسية في حجم اكتشاف الحقيقة؟

قد لا يكون من المنطق استبدال الأشخاص إلا في حصول محاكمات ونحن الآن لسنا في واردها كما قال أبو عمار: أنا لا أغيّر جيادي في المعركة.. ولكن استبدال النهج والممارسة أصبح ضروريا ومسألة حياة أو موت لاسيما بعد أن أعلن الرئيس الفلسطيني عن حقيقة الموقف الأمريكي. 

وهنا يأتي دور العقل السياسي الفلسطيني الذي يئن تحت وطأة واقع متشابك معقد مرتبط بجملة وقائع إقليمية مؤزمة.. العقل السياسي الفلسطيني الذي يجب أن يكون مشغولا دوما بإخراج الفلسطينيين من التلاعبات السياسية ومن المؤامرات التي تستهدف وجوده.. وهنا تصبح عملية التشفي والتلاوم غير وجيهة بل أداة تضليل ودفع إلى المجهول بشكل من الأشكال.. العقل الفلسطيني اليوم كما هو دوما عليه الموازنة بين ما يمكن أن يكون فيه واضحا صريحا مؤسسا على حقائق كبرى وبين ما يمكن تجاوزه أو السكوت عنه وتخفيف اللهجة حوله لاسيما فيما له علاقة بالوضع الإقليمي، الأمر الذي يجنّب الفلسطينيين تبعات دائرة الاصطفافات والتمحورات التي يكون أولَ من سيقدم ثمنها كما حصل في أكثر من موقف.

ولكن العقل السياسي الفلسطيني ملتزم بثوابت الحق الفلسطيني في عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم وتحميل الاستعمار البريطاني والإدارة الأمريكية والغرب الاستعماري مسئولية ما لحق به من أضرار معنوية ومادية وذلك حسب ما أقرته المنظمات الدولية.. والعقل الفلسطيني منفتح تماما على المحيط وما وراءه فهو يدرك أيّ مرحلة تمر فيها القضية الفلسطينية، ولكنه يدرك أيضا أن لا قضية تغطي على قضية فلسطين، بل إنه يدرك أن كل القضايا الإقليمية إنما صُنعت لتعقيد القضية الفلسطينية والانتهاء من الملف الفلسطيني بصيغة ما توافق التطلع الاستعماري الغربي للمنطقة.. وهذا هو ما يجعل الملف الفلسطيني الآن بمثابة مفتاح لكل القضايا الإقليمية الأمر الذي يمثل خطورة خاصة على الشعب الفلسطيني حيث ستكون لغة المقايضة هي السائدة بين الإقليم والغرب الاستعماري.

من هنا يصبح الانتباه ضرورة أساسية لصانع القرار الفلسطيني.. فماذا على القيادة الفلسطينية أن تفعل في مواجهة التحدي المفصلي؟ هل من المفيد أن يقوم من أشرف وسيّر ووجّه المرحلة السياسية السابقة  بالانسحاب من المشهد السياسي وترك الفرصة للأجيال اللاحقة أن تقدم قياداتها على ضوء فشل تجربة التسوية بصيغتها السابقة؟ هل من المفيد أن يترافق الإعلان عن فشل التسوية وعن الخديعة التي وُرط فيها الشعب والقضية عشرات السنين بالإعلان عن الاستقالة لكل الطاقم الذي صنع أوسلو وسيّر العملية السياسية بعد أوسلو حتى الآن؟ أعرف أن الكثيرين في الشعب الفلسطيني بل وفي الأمة وأحرار العالم ينادون بذلك ويرون أن فشل التسوية يقتضي انسحاب تيارها من المشهد.. ولقد قرأت لمفكرين فلسطينيين محترمين ينادون بذلك، إلا أن المسألة يجب أن تؤخذ برؤية أكثر تدبرا لأننا أصلا يجب أن نسجل أن الاختلافات لا تكون على أشخاص وإن كان لابد من تحميل الأشخاص مسئولية ما فعلوا وما اتخذوا من قرارات.. المسألة بتركيز هي ما يتعلق بالنهج والممارسة، وهنا تصبح المطالبة بتغيير النهج والممارسة والتركيز عليها وشرح ذلك وتبيانه بطريقة واعية نبيهة مسئولة وتصبح القيادات الفلسطينية أمام قدرها، فهي إما أن تبدل إلى ما هو خير وصحيح وراشد أو أنها ترى في ذلك ما لا تستطيع تحمّله فتنسحب برجولة وشرف يسجل لها الشعب بذلك موقفها في صفحات من نور..

من غير المفيد ولا العلمي إشهار سلاح التخوين في الساحة الفلسطينية.. ولقد أثبتت التجربة للجميع أنهم يحتاجون بعضهم بعضا، بل وإن المنتقدين لخط التسوية ومواقف السلطة تراجعوا عمليا عن عناوين أساسية من انتقاداتهم بعد أن ظن بعضهم أنه يصلح أن يكون بديلا عن الآخر انتهى إلى حقيقة أن ذلك مستحيل وغير علمي كما قال الأستاذ خالد مشعل، وأصبح سياسيا يتحرك تحت السقف الواحد، ويدرك الجميع أن الكل الفلسطيني خط أحمر ينبغي عدم الاقتراب من المساس بوحدته لأن المعركة مع العدو الصهيوني تدور في هذا المربع؛ مربع الوجود الإنساني الفلسطيني.. ولكن وبالمسئولية نفسها على صانع القرار الفلسطيني أن يتحرر من الطحالب المؤذية التي تحجب الشمس عن الحقائق، عليه أن يتحرر من لوبيات التوجيه السلبي والتنظير الانهزامي لضرورة التنسيق الأمني والتواصل على الأرض مع الكيان الصهيوني بحجة الحفاظ على مكتسب "السلطة".. وعليه أن يبدي التزاما واضحا قويا بمقررات الإجماع الفلسطيني الصادرة عن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية والاتفاقات بين القوى الفلسطينية من سحب الاعتراف بالكيان الصهيوني وملاحقته بكل الوسائل الملائمة وإنشاء فرق مواجهة سياسية وإعلامية واجتماعية تؤمن بالمواجهة والملاحقة للعدو في كل المجالات، هذا إلى جانب تعزيز وحدة الشعب وإنهاء الإجراءات العقابية على غزة.

إن القيادة الفلسطينية في أسوأ ظروفها وفي مواجهة أقسى الضغوط من قبل عديد القوى والدول وهي أمام استحقاقات كبيرة وضرورة الإجابة على أسئلة كثيرة، وفي ظل الفشل السياسي الفاقع تظهر دوائر أخرى من الفشل الإداري الناتج عن الانقسام  القبيح وتوابعه.. والإهدار العام للوقت والمال في وظيف في قطاعات شكلية ووهمية لا قيمة له ولا اعتبار ينهك الموازنة العامة ويحدث الخلل في صمود الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده لاسيما المخيّمات في لبنان وسورية..

قد لا يكون من المنطق استبدال الأشخاص إلا في حصول محاكمات ونحن الآن لسنا في واردها كما قال أبو عمار: أنا لا أغير جيادي في المعركة.. ولكن استبدال النهج والممارسة أصبح ضروريا ومسألة حياة أو موت لاسيما بعد أن أعلن الرئيس الفلسطيني عن حقيقة الموقف الأمريكي، وعن حقيقة تحوّل السلطة بلا سلطة، وعن حقيقة أن السلطة تقدّم خدمات مجانية للاحتلال الذي أصبح أقل تكلفة، وحقيقة أن المماطلات غطّت على عملية استيطان واسعة للأرض.. هنا أصبح من الضروري تمام البدء في الخروج من اللعبة القاتلة.. وحركة الحياة لا تنتظر أحدا.. ومن لا يعدل ويغيّر من مواقعه ونهجه للسير وفق قوانين الحياة فإن هناك آخرين سيملؤون الفراغ وهذا ناموس إلهي لعل من يقرأ يتعظ.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

  • print