شخصيات محورية تختفي من المشهد

انسحاب مؤقت أم نهاية مهمة؟

date 2018/02/15 views 6126 comments 26
author-picture

icon-writer محمد مسلم / إلهام بوثلجي / أسماء بهلولي

جاء إعلان المؤسس والرئيس السابق لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، سعيد سعدي، ليفجر نقاشا حول تفشي ظاهرة هروب شخصيات سياسية لطالما صنعت الحدث في مراحل ما.. وبينما يصف بعض المتابعين مثل هذه الانسحابات عجزا عن مواجهة الواقع بكل سلبياته، وفشلا في تحمل مسؤوليات سبق وأن تحملوها، ينصرف البعض الآخر إلى البحث عن مبررات لقرارات من هذا القبيل، مثل تردي الممارسة السياسية وتشوهها، بسبب سيطرة السلطة على كل مفاتيح العملية السياسية.

هذا المعطى أدى إلى حدوث احتقان أصبحت معه الممارسة السياسية غير ممكنة.. فما جدية مثل هذه الأطروحات؟ وهل الهروب من المشهد هو الحل الأمثل لما تعيشه البلاد من أزمات؟ وهل هذا الهروب مؤقت أم نهائي؟ هذه الأسئلة وأخرى سيحاول "الملف السياسي" لهذا العدد الإجابة عليها.

 

سعدي يطلق الأرسيدي وأخرى في بطالة مقنعة

هروب الشخصيات من السياسة.. من المسؤول ومن المستفيد؟

خلف انسحاب الرئيس السابق لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، سعيد سعدي، من الحزب الذي أسسه قبل نحو ثلاثة عقود، العديد من التساؤلات حول خلفية هذه الظاهرة.. فقد سبقته أسماء أخرى قررت بدورها الابتعاد طواعية من أحزاب صنعتها، على شاكلة شخصية مثل أحمد طالب الإبراهيمي، وقبله نور الدين بوكروح، مؤسس حزب التجديد.

وبدأ انسحاب سعدي من المشهد عندما ترك رئاسة الحزب في المؤتمر قبل الأخير، واختار أن يبقى مناضلا، غير أن المفاجأة فجرها عندما استقال نهائيا من الحزب في المؤتمر الأخير الذي انعقد نهاية الأسبوع المنصرم، ما يؤشر على أن شيئا ما يقف خلف هذا الانسحاب التدريجي من الساحة السياسية.

ولم يكن انسحاب مؤسس "الأرسيدي" من المشهد هو الأول من نوعه، كما سوف لن يكون الأخير، برأي مراقبين، فوزير الخارجية الأسبق، أحمد طالب الإبراهيمي، الذي أسس "حركة الوفاء"، وخاض باسمها سباق الانتخابات الرئاسية لسنة 1999، قبل أن ينسحب في المنعرج الأخير، عاد رئيسا شرفيا لحزب الحرية والعدالة الذي يرأسه أحد المقربين منه وهو الوزير السابق، محمد السعيد، لكنه يعتبر في حكم المستقيل "سياسيا" كونه لم يقم بأي دور.

ويعتبر مؤسس جبهة العدالة والتنمية، الشيخ عبد الله جاب الله، في حكم المستقيل أيضا من الممارسة السياسية، فمسؤوليته الحزبية باتت شكلية وبطلب منه، مثلما أفرزته نتائج المؤتمر الأخير للحزب، وقبل ذلك لم يشارك جاب الله في أي نشاط خلال الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية والمحلية الأخيرتين، بل إنه صار يرفض حتى الخوض في بعض المسائل السياسية ويصفها بـ "التفاهات"، مثلما رد ذات مرة على أحد الصحافيين.

وإن حافظ رئيس الحكومة الأسبق، مولود حمروش، على "خرجاته" الموسمية، إلا أن استمرار أنصاره في الدفع باسمه إلى الواجهة من حين لآخر عبر عرائض ترويجية، كما حصل مؤخرا، لا يعني أن الرجل يمارس السياسة بانتظام، ما يجعله أيضا في حكم المستقيل من المشهد برأي المتابعين.

ما ينطبق على حمروش، ينسحب على  خلفه في الحكومة، سيد أحمد غزالي، الذي لم يعد يسمع به الجزائريون سوى عبر بعض الوسائط الإعلامية في الداخل أو الخارج، والحال كذلك بالنسبة لرئيس الحكومة الآخر، علي بن فليس، الذي وعلى الرغم من أنه يقود حزب "طلائع الحريات"، إلا أن "خرجاته" الإعلامية أصبحت تعد على أصابع اليد الواحدة، أما حضوره في الاستحقاقات فبات رمزيا (مثال التشريعيات والمحليات الأخيرتين).  

كما ابتعد الأمين العام السابق لحركة النهضة، فاتح ربيعي،  طواعية من الواجهة، حيث رفض تجديد قيادته للحزب رغم إلحاح الكثير من أبناء وإطارات الحركة، يضاف إلى ذلك الاختفاء اللافت للوزير السابق والقيادي في حزب التجمع الوطني الديمقراطي، شريف رحماني، الذي كان في العام 2002، قاب قوسين أو أدنى من خلافة الأمين العام الحالي، أحمد أويحيى، قبل أن تتدخل جهات نافذة لإفشال المهمة.

واللافت في الأمر هو أن شخصيات بارزة أخرى وإن لا تزال تحافظ على أدوار سياسية (رؤساء وقياديين في أحزاب)، باتت عاجزة حتى عن بلورة مواقف معينة من قضايا ما تهم البلاد، في مشهد هروبي يطبعه الكثير من الانتهازية، شعارهم في ذلك "وضع البلاد غامض".

وأيا كانت الأسباب والمبررات، فإن أول قراءة قد تعطى لهذه الظاهرة، هو أن الممارسة السياسية في البلاد لم تعد تحتمل المزيد من الاستمرار فيها، فالاحتقان لا يزال سيد الموقف بسبب الحالة المرضية التي تعاني منها العلاقة بين السلطة والمعارضة، أما المسؤولية فتقع النسبة الأكبر منها على الشخصيات المنسحبة، التي عجزت عن تطوير خطاب يتماشى وطبيعة المرحلة.

كما أن انسحاب مفاجئ كهذا لشخصيات لطالما صنعت الحدث في أوقات سابقة، يضع أصحابه محل تساؤلات حول جديتهم وأهليتهم للمسؤوليات التي تقلدوها، مثلما يهدد مستقبلهم في حال قرروا العودة للواجهة، في حال شهدت البلاد تطورا نحو الأفضل.

 

القيادي السابق في جبهة القوى الاشتراكية كريم طابو لـ "الشروق"

السلطة صنعت اليأس وهي المستفيدة منه

حمل كريم طابو، الناطق باسم الاتحاد الديمقراطي والاجتماعي (حزب غير معتمد) السلطة مسؤولية ما أسماه "اليأس السياسي" الذي تمظهر، كما قال، من خلال ضعف مؤسسات الدولة الناتج عن إفراغها من محتواها. وقدر طابو بأن هذا الوضع كان من بين الأسباب التي أدت إلى انسحاب الكثير من الوجوه السياسية من المشهد.. ولاحظ القيادي السابق في جبهة القوى الاشتراكية أن الساحة السياسية تشهد أزمة حقيقية تسبب فيها الطلاق الحاصل بين مؤسسات الدولة من جهة والمواطن من جهة أخرى، كما دعا إلى رفع القيود عن الأحزاب للخروج من هذه الأزمة. 

تشهد الساحة السياسية حالة من الترهل ميزها استقالة وجوه بارزة من الممارسة السياسية.. كيف تقيمون الممارسة السياسية في البلاد؟

نحن نعيش أزمة سياسية حقيقية أدت إلى حدوث خلل على جميع الأصعدة، يترجم من خلال حالة الطلاق التام بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، هذه الأخيرة التي كان يفترض أن تسهم في حل مشاكل المواطن، لكن انعدام التمثيل السياسي الحقيقي باعتبار أن هذه المؤسسات هي نتاج للتزوير السياسي والانتخابي جعلها دون معنى، وهو ما أدى إلى حدوث فراغ سياسي، جعل من الأحزاب مجرد أبواق فارغة عديمة التأثير، وللأسف الشديد حتى الأحزاب لم تعد تؤثر في الرأي العام وهذا ما أدى بها إلى الاستقالة من الساحة وهجرانها.

سعدي استقال من الحزب الذي أسسه (الأرسيدي)، بوكروح من دون حزب رغم أنه مؤسس "حزب التجديد"، أحمد طالب الإبراهيمي، مولود حمروش.. كيف تفسرون هذه الظاهرة؟

ما يمكن قوله هو أن الأزمة السياسية أثرت على الجميع، والمعروف سياسيا أن الوظيفة هي التي تخلق الهيكل لكن عندما تقتل الوظيفة تموت الهياكل، وهذه هي حال الوظيفة السياسية في الجزائر التي تم اغتيالها ما أدى إلى انهيار الهياكل السياسة سواء كانت أحزابا أم منظمات أو "مكاتب سياسية".. كل هذا أسهم في حدوث فراغ، فقد أصبحت النخب لا تملك أي دور حقيقي في التغيير لا في المجتمع ولا في مؤسسات الدولة. ولأننا في الجزائر لسنا في دولة فيها نقاش سياسي فالمجال يبقى مفتوحا للفراغ السياسي والاستقالات.

هناك من يقول إن اليأس وصل مداه لدى الكثير من رموز الطبقة السياسية في البلاد.. هل مثل هذا الاعتقاد يبرر الهروب من الواقع؟

أكيد أن السلطة الحاكمة اليوم لا تريد أن يكون هناك فاعل سياسي غيرها في الصورة، والهدف واضح وهو احتكارها التمثيل لوحدها، فهي التي تقرر من يمثل السياسة ومن يذهب إلى البرلمان وإلى البلدية، ما أدى بالنتيجة إلى انهيار المنظومة السياسية، وجعل أي فاعل سياسي فيها يهرب، بسبب احتكار القرار السياسي وقتل المنافسة السياسية وإجهاضها.

من يتحمل برأيكم مسؤولية هذا الوضع ومن المستفيد منه؟

لو قمنا بتقييم الحياة السياسية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، لوجدنا أن نفس السلطة قائمة حتى ولو تغير الديكور والأسماء لكن السياسة تبقى نفسها، وهي التي تتحكم في الحياة العامة ما أدى إلى يأس الكثير من ممارسي السياسة واستسلامهم للفشل، والواقع أن المستفيد من هذا الوضع هو السلطة التي جعلت هم المواطن الوحيد هو الجري وراء كيس حليب ولم يعد هناك لا رقابة ولا مراقبة ولا إيجاد حلول.

برأيكم، كيف السبيل إلى النهوض بالممارسة السياسية في البلاد؟

الحل الوحيد للنهوض بالممارسة السياسية في البلاد هو فتح المجال لاعتماد أحزاب جديدة وإلغاء الحظر على المسيرات وبخاصة في العاصمة، والقبول بالشراكة السياسية، وقبول الرأي والرأي الآخر والانتقاد، وبالمقابل التوقف عن الاستمرار في التعتيم والتحكم في المشهد السياسي، وتقييد الأحزاب ومنع اعتمادها، وترك هذا الأمر بيد وزير الداخلية، الذي أصبح هو من يتحكم في ترخيص الندوات ومنح الاعتماد للأحزاب، لأنه حتى ولو لاحظنا مؤخرا وجود حراك سياسي اجتماعي وإعلامي، لكن يجب تفعيل ذلك بالنقاش السياسي الجاد الديمقراطي والمشاركة الفعلية التي تبقى كفيلة ببروز سياسات جديدة.

 

الأمين العام السابق لحركة النهضة فاتح ربيعي لـ" الشروق":

التضييق على الحريات لا يبرر الهروب من "المعركة السياسية"

يرى الأمين العام السابق لحركة النهضة، فاتح ربيعي، أن ضيق أفق الممارسة السياسية في البلاد والتضييق اليومي على العمل الحزبي وراء الاستقالات المتكررة لوجوه سياسية بارزة. ويحمل ربيعي السلطة والطبقة السياسية مسؤولية "ترهل" الممارسة السياسية في البلاد، وما رافقه من تراجع في حجم الحريات.

تشهد الساحة السياسية حالة من الترهل ميزها استقالة وجوه بارزة من الممارسة السياسية.. كيف تقيمون الممارسة السياسية في البلاد؟

الممارسة السياسية في البلاد أو ما تعلق بالحريات المتاحة، سقفها محدود جدا، وتبعاتها مرهقة لأن الأجواء والظروف المحيطة بالعمل السياسي ضيقة لا تسمح للشخصيات السياسية بتطبيق أفكارها على الأرض، الأمر الذي يجعلها تصطدم بواقع مرير ظهرت نتائجه بوضوح من خلال عزوف الشعب عن الحياة السياسية، مثلما سجل في الاستحقاقات الأخيرة سواء التشريعيات أم المحليات، لكن الأخطر من ذلك هو تسلل اليأس إلى النخب السياسية، وهذا هو قمة تراجع مستويات العمل السياسي في البلاد.

سعدي استقال من الحزب الذي أسسه (الأرسيدي)، بوكروح من دون حزب رغم أنه مؤسس حزبه التجديد، أحمد طالب الإبراهيمي، مولود حمروش.. كيف تفسرون هذه الظاهرة؟

في الحقيقة الشخصيات السياسية المستقيلة من أحزابها هي الوحيدة التي يمكن لها الإجابة عن أسباب وخلفيات اتخاذ مثل هذا القرار، لكن الشيء المؤكد، أن العملية السياسية في البلاد ولدت مشوهة بسبب حجم التضييق الذي تتعرض له يوميا الطبقة السياسية والعراقيل والعقبات الموضوعة في طريق تطبيقها لبرنامجها الحزبي، الأمر الذي دفع بالعديد من الشخصيات السياسية إلى اعتزال العمل السياسي، فهناك العديد من المناضلين من الدرجة الثانية استقالوا لنفس الأسباب لكن لا أحد يعرفهم، عكس بعض الشخصيات البارزة التي عرفها الجزائريون من خلال نضالاتهم مع أحزابهم لعدة سنوات.

هناك من يقول إن اليأس وصل مداه لدى الكثير من رموز الطبقة السياسية.. هل مثل هذا الاعتقاد يبرر الهروب من الواقع؟

هذه القضية بالذات تحمل شقيين، الشق الأول مرتبط بالشخصيات السياسية التي ترغب في وضع حد لحياتها السياسية لظروف معينة متعلقة بالسن أو الرغبة في فتح المجال أمام الشباب في إطار التداول على المنصب، أما الشق الثاني، فيتعلق بحجم العراقيل التي تعوق المناضل السياسي في طريق تحقيق أهدافه الأمر الذي يجعل الشك واليأس ينتابانه ويدفعانه إلى اعتزال العمل السياسي، لكن ما يجب التأكيد عليه أن المناضل الحقيقي يقف في وجه كل الظروف ويتحداها بإرادته القوية، وهذا ما ثبت عبر التاريخ.

من يتحمل مسؤولية هذا الوضع ومن المستفيد منه؟

المسؤوليات متعددة وموزعة بين السلطة والطبقة السياسية، لكن الذي يتحمل الجزء الأكبر هو السلطة القائمة التي دفعت الشعب إلى اعتزال العمل السياسي، وهو ما ظهر في الانتخابات الأخيرة، حين "هجر" الشعب صناديق الاقتراع ورفضوا المشاركة في العمل السياسي، والجزء الثاني تتحمله الطبقة السياسية التي عجزت عن فرض واقع سياسي، فالأمر يتطلب مجهودا ونضالا طويل الأمد، لذا على الطبقة السياسية في البلاد أن تصحح أخطاءها وتراجع حساباتها، فانعدام الرؤية والأهداف، وراء الوضع الذي تعيشه الجزائر. 

برأيكم، كيف السبيل إلى النهوض بالممارسة السياسية في البلاد؟

السبيل إلى النهوض بالممارسة السياسية واضحة وسهلة، على جميع الأطراف أن تقتنع بأن الحرية والديمقراطية، هي الطريق الوحيد لتحقيق النماء الاقتصادي الذي تحتاجه البلاد، بالإضافة إلى تسهيل عملية التداول على السلطة، ولن يكون ذلك إلا عن طريق تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة تعبر عن إرادة الشعب، وعلى النخب السياسية أن تضاعف مجهودها لبناء جدار ثقة بين جميع الشركاء في العملية السياسية، وهنا السلطة مجبرة على فتح أبواب الحوار من أجل بناء مؤسسات دولة حقيقية.

  • print