الاشتباك التركي الإيراني المصري

في الخليج وفلسطين..

date 2011/06/30 views 6015 comments 0

مصر وايران وتركيا.. هذا المثلث التاريخي في توازن المشرق العربي الاسلامي، حيث تدفقت الحضارات التاريخية في بوتقة وحدة الامة، التي صاغت علاقات الدول والشعوب بعضها ببعض..

  • فهنا مصر التي اصبحت بعد دخولها الى الاسلام بعدة مئات من السنين عاصمة العرب الى حد كبير، ومعقل اهل السنة.. وكان لدورها في رد الفرنجة الصليبيين والتتار المغول عن حياض القدس وديار الاسلام السبب في تبوأ ذلك الموقع، كما ان الازهر الشريف اصبح احد اهم المراجع الاسلامية في الامة.. أما تركيا، فلقد كانت دوما حاضرة في وعي الامة، بما تتوارثه من حضارة انسكبت في مسار الحضارة العربية الاسلامية، وفي مرحلة تراخي الدولة العربية الاسلامية في المشرق والمغرب، تقدم الاتراك يوحدون الامة ويصدون الصليبيين عن حياضها في المغرب العربي والمشرق العربي، وساد حكم الاتراك قرونا عدة، اسسوا فيها دولة عظيمة، استطاعت ان تصل ابواب فينا.. أما ايران، فلقد اسهمت في الحضارة العربية الاسلامية اسهمات عظيمة، من خلال اجيال من العلماء المتميزين في الادب والفقه والكيمياء والرياضيات وفنون العلوم المختلفة.. ومع أن الفرس لم يتمكنوا من اقامة مملكة فارسية اسلامية كما فعل الترك والعرب، الا انهم باستمرار كانوا ذوي الحضور المتميز في نهضة الامة وحضارتها، ولعل هناك اسبابا جوهرية حالت دون اسهامهم في الحكم بشكل كبير، ليس هنا مكان استنباطها.
  • هذه المناطق الثلاث هي دول حقيقية، وقد واجهت تحديات متشابهة في موضوعي التغريب والعلمنة، الا انها تميزت ببناء المؤسسات وانتشار التعليم والقضاء، وقوة تيار الاصالة والوسطية، وتعدد المدارس السياسية والفكرية، ولعل سواها فيما يحيطها من دول في اطار التشكل..
  • ترى مصر ـ في اوضاع طبيعية ـ ان الوطن العربي مجالها الحيوي، وانها مسنودة بالعرب، وانها كتلته المغناطيسية، وان لها دورا مهما في نهضة العرب وثقافتهم كما في تاريخهم المعاصر والقديم، وكذلك ترى ان لها دورا فاعلا من خلال الازهر في العالم الاسلامي.. وتنظر تركيا الى موقعها الجيوسياسي التاريخي، فترى ان المحيط بها من بلاد العرب والطاجيك والاوزبك وغيرهم، انما هو امتداد طبيعي لمناطق نفوذها المعنوي، فيما يمكن تسميته الكمنولث العثماني.. أما ايران والتي عاشت عقودا من الزمن طويلة في صراع مع الاتراك، فيما يعرف بالصراع الصفوي العثماني على تقاسم النفوذ في المنطقة، فهي ترى انه لابد ان يتمتعوا بمجال حيوي في المنطقة العربية، سيما العراق وبلاد الشام، حيث تجد الرغبة الايرانية دوافعَ اضافية للمصالح الاستراتيجية، تلك المتمثلة بتواجد حضور شيعي، يمكن توظيفه سياسيا في العراق والشام.. وكذلك في الخليج.
  • بلاشك، ان هذه الدول الثلاث يتحرك كل منها في اتجاه، وتكون المحصلة بين قواها مقتربة من الصفر او السالب، وهي ليست في حالة متساوية من القوة والنمو والاستقرار، وصحيح ان كلا منها لا يتمتع بقدرة ريادية سياسية واقتصادية قادرة على طرح مشروع تعاون وتكامل في دائرة الانتماء الحضاري، والتصدي للاخطار الخارجية التي تتهدد الجميع.. صحيح ذلك كله، لكن لابد من الالتفات ان هذه الدول لا يمكن تجاوزها في ترتيب المنطقة.. وان التنافس فيما بينها في البحث عن الدور المهم والحاسم قد يصل الى حالة تصادمات مسلحة عنيفة، كما حصل في فترات كثيرة من الزمن، والذي يعني ان هناك وصفة جاهزة للمستعمرين الذين يقرءون المنطقة بكل أبعادها الثقافية والمذهبية، وعلاقة الجيوبولتيك فيها بالبشر، وقدراتها الذاتية والموضوعية.. ومن هنا يبدأ الاختراق لإثارة الحساسيات والنزاعات في عملية لا تخفى دلالاتها في صرف المنطقة عن أعدائها التاريخيين.
  • الان يبدو ان هناك تسارعا محموما بين الدول الثلاث في التمترس فيما يمكن تحقيقه من حيز في المجال الحيوي في المنطقة، ومن الواضح ان الأمور لم تستقر على وجهة محددة بعد، ولكل دولة من الدول الثلاث نقاط ضعف في مشروعها ونقاط قوة.. ويبدو أحيانا ان هناك نقاطا للاشتباك في تلك العملية الحساسة، فمثلا لا تقبل مصر تهديدات ايران للخليج العربي اماراته ودوله، وتعتبر ذلك ليس خطا أحمر، بل جدارا أحمر تتصدى لأية محاولة لتجاوزه.. وفي المشهد السوري، تعلن إيران انها ستستهدف اية قاعدة عسكرية ينطلق منها حرب على سوريا.. في حين تتقدم تركيا خطوات للامام، الاولى منها دعائية، فيما يخص القضية الفلسطينية وابداء الشفقة على الفلسطينين، ومحاولة المشاركة في تقليب اوراق الملف الفلسطيني، وعلى طريق اخر، تتحرك تركيا نحو المساهمة في صياغة جديدة لانظمة المنطقة وسوريا بالذات، مبدية اهتماما فائقا بما يحدث في مدنها.. وهناك مواقع اشتباك نفوذ متداخل كما هو حاصل في العراق، بعد ان دمرت دولته بفعل الاحتلال الامريكي الغربي له.. ففي العراق لهاث ايراني لترتيب امر البلد، بما ينسجم مع الطموح الايراني، والتخلص من مقولة دولة عراقية قوية.. وفي العراق، لم يخل الاتراك مكانهم هناك لغيرهم، فهم في الميدان باكثر من شكل ووسيلة لتحقيق اكثر من هدف، ليس فقط محاصرة نشاط المتمردين الاكراد، ولكن ايضا محاولة لتقاسم النفوذ في حدود الهدنة والحرب الصفوية العثمانية..
  • هناك ضعف في الموقف المصري، لانه يتحرك فيما لم يتمكن بعد من ترتيبب اوراقه جيدا، ولازالت الدولة المصرية تحت وقع الصدمة التي احدثتها الثورة، وقد يحتاج الامر زمنا ليس قصيرا لكي تتحرك الدولة بخطط واضحة المعالم على الصعيد الاقليمي والدولي، وهي في ذلك تحاول الخروج من فلك السياسة الامريكية لفلك السياسة المصرية العربية.. ففي هذه المرحلة الانتقالية، تبدو الامور دقيقة وحساسة، ولايمكن ان تقوم مصر بما يتساوى مع حجمها وثقلها الجيوسياسي.. في حين تتحرك تركيا ضمن اطار سياسات الحلف الاطلسي واهدافه الاستراتيجية، وضمن علاقات متميزة مع اسرائيل، فهي بهذه الخصوصية تحاول لعب دور الوسيط المقبول في المنطقة، ومن جهة اخرى، تضمن الاستقرار في المنطقة، بما يتناسب مع الشرعية الدولية، أي مع السياسات الامريكية.. أما ايران التي تحاول ايجاد موقع يحسب له حساب في المنطقة، من خلال تبنيها لقضايا معينة على راسها قضية فلسطين، وتصادمها مع بعض السياسات الامريكية، وتقاطعها مع بعض السياسات الامريكية في اماكن اخرى كافغانستان.. ايران تبدو مشلولة لانها تصورت انه من السهل ان تملأ الفراغ في المنطقة العربية الرخوة، واظهرت حجما من المطامع الجغرافية، والرغبة في التسيد على الخليج العربي، ففقدت بذلك امكانية التواصل مع جيرانها العرب، وكان لوجودها المقلق والمزعج في العراق دور كبير في تشكك العرب من نواياها ومشاريعها.
  • هكذا نرى ان المشرق العربي والاسلامي رهين قوى اقليمية ضاغطة على اماله وطموحاته في مستقبل كريم.. وسيستمر هذا الاشتباك مـفلقيا بظلاله السيئة على المنطقة والعالم العربي والاسلامي، حتى يستقر وضع مصر العربي، وتدخل الحلبة معاملات اخرى كسوريا والعراق، حينذاك سيبدأ ترتيب المنطقة، لان الايرانيين والاتراك لا يحملون مشروعا للامة، انما هي مشاريع دولة اقليمية قوية، تبحث عن نفوذ.
  • print