• المهاجرون يغزون الأسواق الشعبية بحثا عن "الفريك" والتوابل
author-picture

icon-writer ناصر

على بعد عشرين يوما من حلول الشهر الفضيل وأسبوع من الاحتفال بأهم المناسبات الوطنية، سجلت الرحلات القادمة من مختلف المطارات الفرنسية نحو مختلف المدن الجزائرية ازدحاما كبيرا، وهذا منذ الخامس عشرة من شهر جوان، وتعذر على الذين قرروا في آخر لحظة القدوم إلى الجزائر لقضاء عطلتهم الصيفية، اقتناء تذكرة حتى ولو تعلق الأمر بالرحلات البحرية، رغم أن الباخرة تسافر يوميا نحو ميناء الجزائر العاصمة ومرتين في الأسبوع نحو ميناء بجاية ووهران ومرة واحدة في الأسبوع نحو بقية الموانئ.

وأمام عدم تمكن الخطوط الجوية الجزائرية من احتواء الطلبات الكثيرة، وغيابها عن الكثير من المناطق الأوروبية، واكتفاء الخطوط الفرنسية على رحلات الجزائر العاصمة فقط، فضل المئات من المهاجرين خاصة القاطنين بشرق البلاد خيار التوجه نحو مطارات وموانئ تونس وإكمال المشوار البري نحو مختلف المدن والقرى الجزائرية، خاصة بالنسبة للذين يصطحبون سياراتهم في الرحلات البحرية.

وبالرغم من الأسعار الغالية نوعا ما التي تقترحها الخطوط الجوية، والتي لا تقل عن 400 أورو لكل رحلة مِن وإلى مطارات الجزائر، وحتى عبر الرحلات البحرية، حيث يفضل غالبية المسافرين الجزائريين اصطحاب أبنائهم وسيارتهم، حيث تقارب تكاليف الرحلة المكونة من أربعة أفراد وسيارة 2000 أورو، إلا أن كل الرحلات أعلنت أنها محجوزة منذ منتصف شهر جوان، واتضح أن غالبية المهاجرين صاروا يقتنون تذاكر رحلاتهم منذ شهر ديسمبر من السنة الماضية وشهر جانفي بالتحدي، بعد أن يكونوا قد حددوا تواريخ عطلهم السنوية مع الشركات التي يشتغلون فيها، كما شاعت في السنوات الأخيرة عمليات المتاجرة بتذاكر السفر، حيث يتم اقتناءها قبل فصل الصيف بستة أشهر، ويتم معاودة بيعها منذ حلول شهر جوان بعملية تنازل مقابل مئة أورو أو أكثر إضافية.

والغريب أن الرحلات الجوية خاصة بعد مقاطعة الخطوط الجوية الفرنسية للمطارات الجزائرية منذ أكثر من عشرين سنة قلّت رغم كثرة الطلب، حيث غابت رحلات نهائيا من مطارات بعض المدن الفرنسية مثل غرونوبل، ورغم ظهور عدد كبير من المطارات الدولية في الجزائر التي فتحت أبوابها للسفريات نحو فرنسا مثل مطار سطيف، وهو ما مكّن الخطوط التونسية من استغلال الفرصة، وصارت غالبية معاملاتها مع المسافرين الجزائريين ليس لنقلهم من فرنسا، وإنما أيضا لنقلهم إلى العديد من المدن العالمية، خاصة أن أسعارها أقل من أسعار الخطوط الجزائرية بنسبة 25 بالمئة، وشهدت إحدى السفريات البحرية بين مارسيليا وتونس العاصمة كما نقلت الصحف التونسية تواجد جزائري فاق العشرين بالمئة ضمن جنسيات المسافرين.

ويجد الجزائريون خاصة في بقية الدول العالمية صعوبة كبيرة في اختيار التوقيت المناسب لأجل العودة إلى الجزائر بسبب تزامن شهر رمضان مع أواخر شهر جويلية وبدايات شهر أوت، حيث يحرمهم الشهر إن اختاروه لعطلتهم من الاستمتاع بالاصطياف، وأيضا من حضور الأعراس التي تقام، لأجل ذلك سجلت الرحلات ازدحاما على بدايات شهر جويلية من أجل قضاء أيام قليلة من بداية شهر رمضان أو منتصف شهر أوت لأجل قضاء أواخر رمضان وعيد الفطر المبارك.

المهاجرون يغزون الأسواق الشعبية بحثا عن الفريك والتوابل

الذين فضلوا العودة في شهر جوان قاموا بغزو الأسواق الشعبية وعرف سعر الفريك المستعمل في الشربة الرمضانية ارتفاعا بسبب ارتفاع الطلب عليه من طرف المهاجرين، وحتى تجار الشنطة لجؤوا إلى نقل أطنان من التوابل والزبيب والفريك والكسكسي والشخشوخة ومختلف العجائن المصنوعة بطريقة تقليدية في مختلف المناطق الجزائرية، ناهيك عن مختلف أنواع البخور، وتم خلال الأسبوع الماضي حجز في مطار ليون قرابة قنطار من الكسكسي طارت من مطار هواري بومدين لدى مسافر واحد، وأكيد أنها كانت في طريقها إلى موائد رمضان.

ومعلوم أن مطاعم العاصمة الباريسية خاصة في حي بارباس تضع لافتات إشهار لتوابل وأطعمة تستعين بها في طهي وجباتها الرمضانية لأجل جذب الزبائن من الجزائريين والمغاربيين عموما، ولا تحلو الأطعمة التقليدية إلا إذا تم تقديمها في أوان من الفخار الجزائري والملاعق الخشبية والڤصع الخنشلية والصينيات القسنطينية والجلوس على الزرابي الأوراسية، إضافة إلى الكتب الدينية والسبحات والمصاحف، وحتى السيديهات الخاصة بالدروس الدينية والأقمصة والسواك، وغيرها من الأدوات التي تجعلهم يعيشون أياما روحية وجزائرية أيضا.

كما أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت فرنسا وأطاحت بالأسعار المرتفعة في أشهر المساحات التجارية، جعلت الوجهة الفرنسية لاقتناء الألبسة أهم من الجزائر، بعد أن كان المهاجرون في السنوات الأخيرة يقتنون لباس الشتاء، وحتى الأثاث والأجهزة الكهرومنزلية من الجزائر والسجائر الجزائرية خاصة النسيم والريم، لكن السوق التي مازالت تسيل لعاب المهاجرين في الجزائر هي سوق الهاتف النقال بكل الماركات العالمية الشهيرة بعد أن شاع أن السلعة المتواجدة في باريس ومارسليا وليون في الأحياء الجزائرية مستقدمة من الصين واندونيسيا وفيتنام عبر الجزائر، وأصبح كل مهاجر يحضر إلى الجزائر من أي دولة في العالم بما في ذلك القارة الأمريكية وأستراليا، يصطحب معه هاتفا أو هواتف نقالة، في غياب كامل لأي عمل سياحي خاص بالمهاجرين الجزائريين الذين يجذبهم الحنين وحب الوطن والرباط العائلي وليس طرق الجذب التي تمارسها الحكومات التونسية والمغربية والمصرية التي أصبح اقتصادها يتركز على المداخيل الصيفية مع صرف العملة بالنسبة للمهاجرين حالما يدخلون أرض الوطن، بينما تكون وجهة العملة التي يستقدمها الجزائريون معهم من الخارج هو السوق الموازية أو للأهل والأصحاب في الوقت الذي أصبح للكثير من المهاجرين حسابات جارية بالعملة الصعبة في البنوك الجزائرية.

لكن غالبية الجزائريين العائدين هذه الصائفة إلى أرض الوطن، اختاروا الخامس من جويلية على أمل أن يكونوا في الجزائر يوم الاحتفال بالذكرى الخمسينية للإستقلال، إذ أصرت العديد من العائلات المهاجرة أن تصطحب أبناءها وأحفادها الذين لا يعودون إلا نادرا من أجل أن يعيشوا لحظة الاحتفال بمرور نصف قرن عن استقلال الجزائر، رغم أن بعض الولايات ومنها قسنطينة لا تقدم احتفالية راقية بإمكانها أن تجلب اهتمام الشباب، وخاصة المهاجر ولحد الآن تبدو الاحتفالات عادية رغم أهمية الذكرى واهتمام الشعب بها.

أما عن الشواطئ فإن أسعار الكراء المبالغ فيها، والتي وصلت إلى اقتراح 50 مليونا شهريا لبعض الشقق المؤثثة الفاخرة هي من جعلت المهاجرين يجرون مقارنة مع العروض المقترحة عليهم في قبرص والمغرب واليونان ويصرفون بسرعة النظر عن الوجهة الشاطئية، ناهيك عن سوء الخدمات والمعاملات الجافة، لكن يبقى التنعم بنسمات البحر بعد موسم الثلوج القاسي في أوربا واستحضار كفاح الجزائريين مع ذكرى الاستقلال وصيام بعض أيام شهر رمضان المعظم وحضور بعض الأعراس، هو ما جعل إمكانية ضرب عدة عصافير بحجر واحد تسلب الألباب وتجعل صيف 2012 متميز بالنسبة للآلاف من الجزائريين الذين عجزت مختلف وسائل السفر الجوية والبحرية في تحقيق طلباتهم في هاته المدة الوجيزة، ولأول مرة أيضا منذ سنوات أعلنت رحلات جوان من الجزائر إلى المدن الفرنسية عجزها، حيث بدأت السفريات منذ أواخر شهر ماي ودخول الصيف هذا العام قبل موعده بعدة أسابيع، وكالعادة دخلت الجزائر بواخر وطائرات فيها القليل من الهدايا والكثير من العملة الصعبة وخرجت مليئة بالبضاعة من أكل وأجهزة كهرومنزلية وأثاث والقليل جدا من العملة الصعبة، وبعد أن كان الجزائريون يقفون أمام الموانئ في انتظار ما سيحضره المهاجرون معهم تحول الشغف إلى الضفة الأخرى.