أكثر من 150 دبلوماسيا ووزيرا سابقا يدينون مغالطات وزير الخارجية الفرنسي
وقع أزيد من 150 مسؤول رفيع، بين دبلوماسيين ووزراء سابقين، رسالة مفتوحة ينددون فيه بتصريحات وزير أوروبا والشؤون الخارجية، جان-نويل بارو، بشأن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، حيث نسب للمقررة تصريحات لم تدل بها أثناء تدخلها في منتدى الدوحة يوم 7 فيفري 2026، محذرين من أن “نشر معلومات مضللة من قبل مسؤولين رفيعي المستوى يقوّض القانون الدولي، ويضعف حماية حقوق الإنسان، ويهدد مصداقية النظام متعدد الأطراف ذاته”.
وفي تصريح خصّت به “الشروق“، أكدت الدبلوماسية الهولندية السابقة أنجيليك إييب أن القضية “لا تمس فقط بشخص المقررة الأممية، بل بالمبادئ الأساسية للدبلوماسية”، محذّرة من أن اعتماد مسؤولين حكوميين على تصريحات محرّفة قد يقوّض الثقة في آليات الأمم المتحدة واستقلالية خبرائها.
ويعود هذا إلى هجوم جان-نويل بارو على فرانشيسكا ألبانيزي يوم 11 فيفري 2026، أمام الجمعية الوطنية الفرنسية حيث قال في رده على سؤال “تدين فرنسا دون أي تحفظ التصريحات الفاضحة والخطيرة للسيدة فرانشيسكا ألبانيزي. […] إنها تقدم نفسها على أنها خبيرة مستقلة لدى الأمم المتحدة. لكنها ليست خبيرة ولا مستقلة — بل هي ناشطة سياسية تؤجج الكراهية. […] وستطالب فرنسا باستقالتها بحزم خلال الدورة المقبلة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.”
وردت المقررة الاممية ألبانيزي، على تلك التصريحات ببث الفيديو الكامل لمداخلتها على شبكات التواصل، موضحة أنها لم تقل إن "إسرائيل هي العدو المشترك للبشرية". بل أكدت أنها قالت إن "العدو المشترك للبشرية هو النظام الذي سمح بوقوع الإبادة الجماعية في فلسطين، بما في ذلك رأس المال المالي الذي يمولها، والخوارزميات التي تخفيها، والأسلحة التي تجعلها ممكنة."
كما أكدت في مقابلة على قناة "فرانس 24" يوم 11 فيفري 2026، "الأحكام القاسية جدًا التي نصدرها بحق دولة إسرائيل لا علاقة لها بكراهية اليهود"، منددة باستخدام تهمة معاداة السامية لتشويه الانتقادات الموجهة لانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الاحتلال في غزة.
لكن بالرغم من نفي المقررة الأممية بالصوة والصورة لاتهامات بارو، إلا أن وزير أوروبا والشؤون الخارجية بقي متمسكا بموقفه بالمطالبة باستقالة ألبانيزي، على أن يُعاد طرحه في 23 فيفري الجاري أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وانتقد "ائتلاف الدبلوماسيين والمسؤولين السابقين من أجل المساءلة الدولية"، تصريحات بارو، في رسالة مفتوحة وقعتها شخصيات مثل السياسي والوزير اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، أو الطبيب والرئيس السابق لمنظمة "أطباء بلا حدود"، روني برومان، أو الرئيس الحالي لمنظمة "أطباء العالم"، جون فرانسوا كورتي. وغيرهم من وزراء خارجية كل من الدنمارك، هولندا، الأرجنتين، جنوب إفريقيا.
واتهم المسؤولون السابقون الرفيعون وزير خارجية فرنسا "بترويج معلومات مضللة من خلال استشهاده علنًا بنسخة رقمية محرّفة من تصريحات أدلت بها المقررة الخاصة للأمم المتحدة، السيدة فرانشيسكا ألبانيزي". كما أدان الموقعون على الرسالة "استخدام معلومات غير دقيقة ومحرّفة بهدف تشويه سمعة صاحبة ولاية مستقلة تابعة للأمم المتحدة. ويحذر من أن مثل هذه الممارسات تمسّ نزاهة المؤسسات الدولية، وتقوّض الثقة في القانون الدولي، وتضعف مبادئ المساءلة والشفافية التي تقوم عليها الدبلوماسية متعددة الأطراف".
وقالت الناطقة الرسمية للإتلاف، الدبلوماسية الهولندية السابقة، أنجيليك إييب، في تصريحات خاصة لـ"الشروق" إننا "بصفتنا دبلوماسيين (سابقين)، رأينا أنه من المهم التعبئة لأن هذه القضية لا تمس فقط بموقف السيدة ألبانيزي، بل تمس أيضًا المبادئ الأساسية للدبلوماسية. ينبع قلقنا من اعتماد مسؤول حكومي رفيع المستوى علنًا على مواد رقمية محرّفة من أجل تشويه سمعة خبيرة مستقلة مكلّفة بولاية من الأمم المتحدة. ففي هذه الحالة، تم لاحقًا توضيح التصريحات المنسوبة إلى فرانشيسكا ألبانيزي من خلال عملية تحقق مستقلة للوقائع أجرتها قناة “فرانس 24”، وتبيّن أنها كانت محرّفة. وعندما يقوم وزير خارجية بتضخيم مثل هذه المواد ويطالب باستقالة خبيرة أممية على هذا الأساس، فإن لذلك تبعات خطيرة. تعتمد الدبلوماسية على التحقق والدقة وحسن النية. وهذه ليست مجرد إجراءات شكلية، بل هي أساس الثقة متعددة الأطراف. وإذا اعتمد مسؤولون كبار علنًا على معلومات محرّفة، فإن ذلك يضعف الثقة ليس فقط في شخص صاحب الولاية الأممية المعني، بل في نزاهة النظام متعدد الأطراف ككل".
لتضيف محدثتنا أنه انطلاقا مما سبق "فإن التعبئة في مواجهة مثل هذه التصريحات تهدف إلى الدفاع عن المبادئ المؤسسية: واجب التحقق من الوقائع، وحماية خبراء الأمم المتحدة المستقلين من التدخلات السياسية، والحفاظ على مصداقية المؤسسات الدولية. كما أن هناك مخاوف من أن تؤدي الخلافات التي تركز على الهجمات الشخصية والتصريحات المحرّفة إلى تحويل الانتباه بعيدًا عن الوضع الذي وُجدت هذه الآليات لمعالجته — وفي هذه الحالة، الأزمة الإنسانية والحقوقية الخطيرة في غزة، التي لا تزال قيد الدراسة من قبل هيئات دولية وتتطلب اهتمامًا واستجابة مستمرين".
وفي رسالته المفتوحة، ذكر الإتلاف بأن فرنسا دافعت عن مبادئ القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف، لذلك وجه الموقعون على الرسالة دعوة إلى وزير الخارجية الفرنسي لـ"التراجع عن التصريحات غير الدقيقة المنسوبة إلى السيدة ألبانيزي وتصحيحها علنًا"، و"إعادة التأكيد بوضوح ومن دون لبس على التزامها باستقلالية حملة الولايات في الأمم المتحدة"، و"الاحترام الكامل لالتزاماتها الرامية إلى حماية وتعزيز المؤسسات متعددة الأطراف".
كما أكد الائتلاف أن "الأنظمة متعددة الأطراف تقوم على الحقيقة والنزاهة المؤسسية"، مشددا على أن هذه القضية "لا ينبغي أن تحجب خطورة الأزمة الإنسانية وانتهاكات حقوق الإنسان الجارية في غزة".
كيف يمكن لتصريحات بارو أن تؤثر سلبًا على حقوق الإنسان والأمم المتحدة في المستقبل؟ أجابتنا الدبلوماسية التي استقالت بداية عام 2024 من السلك الدبلوماسي الهولندي بعد أزيد من عقدين من العمل، بسبب رفض حكومة بلادها الدعوة لوقف إطلاق النار في غزة، أنجيليك إييب: "نحن نعيش لحظة تواجه فيها المؤسسات القانونية الدولية ضغوطًا متزايدة. والوضع الإنساني والحقوقي في غزة يخضع حاليًا لدراسة هيئات قضائية دولية، بما في ذلك محكمة العدل الدولية. في هذا السياق، يصبح الحفاظ على استقلالية ومصداقية آليات الأمم المتحدة أمرًا أساسيًا. وإذا قام مسؤولون كبار بتشويه سمعة أصحاب الولايات الأممية علنًا بالاعتماد على معلومات غير دقيقة أو محرّفة، فإن ذلك قد يرسّخ نمطًا تصبح فيه الهجمات على الخبراء المستقلين أمرًا طبيعيًا كلما كانت نتائجهم غير مريحة سياسيًا. وقد يشجع هذا سائر الحكومات على أن تحذو الحذو نفسه".
لتؤكد إييب: "لا يمكن للنظام متعدد الأطراف أن يعمل دون أساس مشترك من الحقائق. فعندما تتآكل الحقيقة، تصبح الدبلوماسية مجرد استعراض بدلًا من أن تكون قائمة على المبادئ. وحين تضعف الثقة بالمؤسسات، يصبح من الصعب للغاية استعادتها. ولهذا السبب، فإن النداء الذي وقّعه أكثر من 150 وزير وسفير ودبلوماسي ومسؤول عمومي سابق لا يركّز على السياسة، بل على المبادئ: تصحيح التصريحات غير الدقيقة، وإعادة التأكيد على استقلالية أصحاب الولايات في الأمم المتحدة، وحماية نزاهة المؤسسات متعددة الأطراف".