أمراض حب تنتهي بجرائم شغف
قال الإمام علي- كرّم الله وجهه-: “العشق مرض لا أجر فيه ولا عوض”.. وهو، تقريبا، نفس ما ذهب إليه أفلاطون، حين قال: “الحب مرض عقلي خطير”. وخطورته، قد تكمن في ما ذهب إليه فيون، لما أكد أن: “الحب المجنون يجعل الناس وحوشا”. وجاء علماء النفس حديثا، ليكشفوا أن للحب أمراضا نفسية، قد تنتهي بالقتل العاطفي. وهذا، بدليل جرائم الشغف، التي قد يقوم بارتكابها بعض العاشقين، الذين اشتدت بهم الصبابة، إلى الحد الذي حوّل حبهم إلى مرض نفسي عويص، يصعب التكهن أو التحكم في انعكاساته ومغباته.
جرائم العاشقين
يقول فرانك تاليس، المختص في علم النفس الإكلينيكي، إن الحب تجربة تفقد الإنسان اتزانه.. وقد تحوله إلى مريض نفسي. وهو ما يُفسر ما تُطالعنا به وسائل الإعلام، بين الفينة والأخرى، من جرائم اعتداء أو قتل، كان الجاني فيها عاشقا ولهانَ جدا بضحيته.. لكن، فجأة، وفي نهاية لا تتطابق أبدا مع ولع البداية، يجلد المحب حبيبته ليُؤذيها أو يُرديها قتيلة. هذا السيناريو غير السوي، لا يُبرره إلا اعتلال الصحة النفسية للعاشق. فالحب، إذا اشتد، قد يتحول إلى درجة من درجات الأمراض النفسية، التي يُصطلح على تسميتها بأمراض الحب، كاضطراب الشخصية الحدية، الذي يعاني فيه المصاب من رعب شديد من فكرة هجر المحبوب له، إلى درجة قد تدفعه إلى الانتحار، أو متلازمة دو كليرامبو، التي يظن أو يتوهم صاحبها أن شخصا معينا يحبه وهو مغرم به. ولكنه، يخفي ذلك، أو إن هناك ظروفا خاصة تمنعه من مصارحته بغرامه، فيبدأ بمطاردته وملاحقته على ذلك الأساس، إضافة إلى حب التملك، الذي يسعى من خلاله العاشق للسيطرة على محبوبه، والاستحواذ عليه.. إلى غيرها من الأمراض العاطفية، التي تُؤسس لجرائم من نوع أن طالبا ولهان قام بقتل زميلته، أو إن خاطبا مستحوذا، أقدم على حرق أو تشويه وجه محبوبته، لأنها رفضت الزواج منه.
الحب سلاح ذو حدين
وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة فاطمة الزهراء مروك، أخصائية نفسية، صاحبة عيادة الزهراء بعنابة: “أن الحب سلاح ذو حدين، قد يجلب السعادة والألم لصاحبه.. كما قد يؤدي إلى التطرف اللاعقلاني، الذي قد ينتهي بجرائم مختلفة. فقد يتحول العاشق من حالة الود والحب إلى خارج عن السيطرة ثم يقوم بجريمة نكراء، في لحظة ما.
وتعود أسباب جرائم الشغف إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية المعقدة والمتنوعة، كالرفض الاجتماعي، الضغوط المختلفة، الخيانة وعدم الولاء العاطفي، الإخفاق، الانفصال، تدني تقدير الذات، العدو في الحب، أي وجود منافسين للمحب، كخطيب أو حبيب سابق للمحبوب إلخ”.
فوضى الحب المغشوش
ومن وجهة نظره الخاصة، يرى الدكتور محمد أمين غريش، أخصائي في علم النفس العيادي، صاحب عيادة الأمل بأم البواقي، بأن الحب في مجتمعنا مغشوش في أغلبه، لكونه شكلا من أشكال الهروب من المكبوتات النفسية، المفروضة على الشخص، بطريقة خاطئة، جراء تناقضات اجتماعية، عائلية، دينية، لم تجد ضالتها بين ثنائيات الحلال والحرام، التقاليد والحداثة، الممنوع والمسموح به، السطحية والجدية.. وهو ما يمكن الاصطلاح على تسميته بفوضى الحب، التي لا غرابة في تحولها إلى شكل من أشكال الأمراض العاطفية، التي قد تنتهي بجرائم شغف متعددة الدواعي. فهناك من يقتل بسبب الغيرة. وهناك من يقتل انتقاما. وهناك من يقتل بداعي الشك. لكن الأكيد، هو وجود اضطرابات نفسية لدى المجرم العاشق، أهمها ذهان الغيرة، الذي لا يمكن التعرف عليه بسهولة، لعدم تأثيره على التوظيف العام للإنسان. أي إنه أساسا عبارة عن أفكار غرامية مرضية، تبدأ بالعشق والغرام، وتنتهي بالشكوك وارتكاب جريمة في حق المعشوق، إضافة إلى التعلق المرضي. وهو جزء لا يتجزأ عن الكثير من الاضطرابات النفسية، كالحرمان العاطفي، عدم الاستقرار النفسي، إدمان الحب.. إلخ”.
كيف تتجنب مخاطر العاشق القاتل؟
وإن كان يأسف لتحول الحب إلى جريمة، فإن الدكتور غريش، يؤكد على ضرورة التأسيس لعلاقات حب صادقة وصحية، تؤدي بصاحبها إلى السعادة المرجوة، بدل هذه الصناعات السينمائية المشوهة.
ولتجنب الوقوع في شرك أمراض الحب، تنصح الدكتورة مروك، بضرورة معرفة المعنى الحقيقي للحب: زيادة المرونة النفسية، تحديد وإدراك مواصفات العاشق الخطير، الذي يتصف بالعنف اللفظي والجسدي، الاعتداء الجنسي، الاغتصاب الزوجي،السيطرة والتحكم، الغيرة غير المنطقية، التهديد، نقص الثقة بالنفس وتقدير الذات، وأخذ الخطوات أو الاحتياطات اللازمة لتفادي أي سلوك عدواني أو إجرامي محتمل أو مرتقب منه..