-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
من خلال كتاب "السنة النبوية للغزالي"

إشكاليات المنهج والوعي عند شباب الصحوة

التهامي مجوري
  • 356
  • 1
إشكاليات المنهج والوعي عند شباب الصحوة

من مميزات ثمانينيات القرن الماضي، ما اصطلح على تسميته بالصحوة الإسلامية، إذ عمت ظاهرة التدين والحوارات والنقاشات الدينية جميع ساحات السياسة والفكر والثقافة، وذلك انطلاقا من حركة الجهاد الأفغاني التي جلبت إليها الشبابا من كل حدب وصوب، وانتصار الثورة الإرانية التي قادها المعممون وعلى رأسهم آية الله الخميني رحمه الله 1978/0979، فكان مما يشغل ساحات المجتمعات الإسلامية يومها المسائل الفقهيىة والتساؤلات والإيجابات الموغلة في التفصيل وتفصيل التفاصيل، حتى غدا المرء يتساءل أي هذه التفاصيل أصح وأدق؟ وكل ذلك كان له ما يبرره من واقع التعطش الديني، والمناهج الفقية وتعددها كما هو معلوم، إذ لكل مذهب أصوله التي ينطلق منها، ولكن ما كان خافيا يومها على الناس هو وحدة المسائل المثارة، رغم اختلاف الناس في مستوياتهم العلمية ومراحلهم العمرية ومواقعهم الجغرافية ومستوياتهم العلمية، فكانت المسائل يثار في الجزائر حكم الخل أو العطر، هل طاهر هو أم نجس بحكم انه مختلط بالكحول؟ والمسألة نفسخا تثار في فرنسا وفي ألمانيا وفي أمريكا وفي الخليج، وعشرات المسائل كانت تثار بهذه الطريقة، وكان الدعاة والعلماء يتساءلون حول هذه الظاهرة، هل هي طبيعة الإقبال على التدين؟ أم من ورائها آخرون؟ حتى أنني سمعت يوما وللأسف لم أدون مصدر هذه المعلومة، أن رجل اعمال في الخليج أسس مركزا للأبحاث مهمته البحث عن المسائل الشاذة في الفقه الإسلامي وإعادة بعثها للتداول من جديد، ولذلك كانت تلك السنوات بقدر ما هي مشبعة بالفرار نحو التدين، كانت موغلة في الاختلافات غير المنهجية التي ترتب عنها الكثير من الخلافات والعداوات والتشتت وذهاب الريح.

في هذا الجو او بعده بقليل أصدر الشيخ محمد الغزالي كتابه “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ليؤطر ذلك النشاط العفوي واللامنهجي بما يعرف بالمنهاهج الفقهية المعروفة في تراثنا، وأشهرها مدرستي الفقهاء وأهل الحديث؛ إذ لكل منهما منهجه في تناول المسائل الفقهية وعلى ما بين هاتين المدرستين من اختالاف، كان كل منهما يعذر الآخر إذ لكل منهما أصل في منهج السلف الصالح…، فكانت غاية الشيخ الغزالي رحمه الله، لفت انتباه الناس إلى المنهج والوعي الذي كانا عليه علماؤنا القدامى، بحيث لم يكن يعنيه أن يصل إلى هذا الرأي أو ذاك في ما ناقش من مسائل فقهية، بقدر ما كان حريصا على إبراز سعة الأفق وإطلاق الحريات ومحاربة التحصب والاستبداد بالرأي.

صدر كتاب الشيخ “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل ألحديث”، في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وبالضبط في سنة 1989 بطلب من المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، الذي كان يرأسه الدكتور عبد الحميد ابو سليمان السعودي أو طه جابر العلواني العراقي، وكلاهما صديق للشيخ رحمه الله،  فأثار هذا الكتاب عند صدوره، ضجة كبيرة كما توقع ذلك الشيخ الغزالي نفسه، بحيث تعاقد مع دار الشروق لطباعته ونشره ليتحمل هو مسؤولية ما قد يثير من مشكلات، واستبعد المعهد العالمي للفكر  الإسلامي ورجاله، لإعفاهم من المسؤولية وتحملها وحده.

فتهاطلت الردود على الكتاب، وكيلت السباب والشتائم لمؤلفه رحمه الله، بسبب الآراء التي أوردها في هذا الكتاب، وكان من بين من رد عليه الدكتور سلمان العودة، حفظه الله وفك أسره، بكتاب عنوانه “حوار هادئ مع الشيخ الغزالي”، وقد كان حوارا هادئا بالفعل يفيض اخلاقا علمائية يقل نظيرها في تلك البقعة في تلك الأيام، ولكن أقسى ما عانى منه الشيخ رحمه الله، هو اتهامه بمعاداة السنة النبوية الشريفة.

وفي المقابل طبع الكتاب ست طبعات في ظرف خمسة أشهر، أي بنسبة طبعة كل 25 يوم، وهذا ناهيك عن الطبعات المسروقة التي لم يُستأذن الشيخ فيها، مما يدل على التعطش الكبير للفهم السليم لقيم الإسلام وأفكاره الجامعة والمتوازنة والمقاصدية، بسبب ما ألمحنا إليه آنفا من أن الساحة كانت تعج بالعرض والطلب للبضاعة الفقهية الجادة والكائدة والمستهترة على حد سواء، ولكل صنف من هذه البضاعة أهله ومحبوه.

يتضمن الكتاب مسائل فقهية في فصول لها علاقة بمشكلات الواقع الذي تعيشه الأمة، في عالم تطورت فيه الكثير من المفاهيم التي فقدت معانيها القديمة، وأضحى لها معاني مؤثرة في هذا العالم الذي نحن مطالبون بأن نكون حاضرين فيه، حتى يقبل الله شهادتنا في أهله يوم القيامة، بينما ردود أفعالنا على هذا الواقع كما عبر عنه الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله، بقوله كمن يطفئ حريقا في بيته بملعقة قهوة من الماء.

وعناوين هذه الفصول هي: نماذج في الرأي والرواية…..، عالم النساء…، الدين بين العادات والعبادات… المس الشيطاني…، فقه الكتاب أولا…. أحاديث الفتن…

في هذه الفصول ساق الكثير من المسائل وناقشها وفق منهجية تراعي كليات الدين وعلى رأس هذه الكليات القرآن الكريم الذي حثنا على أن يكون هو الأساس.

ولكن من يعرف الشيخ رحمه الله ويتابع كتاباته، ويستغرب ويتساءل عن صدور هذا الكتاب!! حيث لا جديد فيه ولا إضافات، كما هي عادة الشيخ رحمه الله في تأليف الكتب وإصدارها، فمهموم السنة عند أهل الحديث معروف، ومفهوم السنة عند الفقهاء أيضا معروف، سواء في تعريفهما الحدِّي لها، حيث نجد تعريفها عند أهل الحديث هي “قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره وصفته الخِلقية والخٌلٌقية”، أو في ممارستها كقيمة من قيم الإسلام الثابتة، وعند الفقهاء هي ما يلي الواجب من الأحكام الشرعية، وهي ما يثاب المسلم على فعله ولا يعاقب على تركه، وتسمى بالمستحب من الأعمال.

كما أن المسائل التي أثارها ليست جديد أيضا، وهي مبثوثة في كتبه الكثيرة، وموجودة في كتب القدامى مجتمعة ومتفرقة، وهي أيضا مسائل خلافية، الكثير منها يمتد الخلاف فيه إلى عهد الصحابة رضي الله عنهم، فهل عرض الشيخ لها ومناقشتها، يريد به الحسم فيها أو ترجيح رأي فيها على رأي الآخر؟

لا أعتقد ذلك؛ لأن ما كان خلافيا في عهد الصحابة خاصة في الأمور التعبدية، لا يمكن حسمه وسيبقى، وهذا من رحمة الله بالأمة؛ ولعل ذلك من مظاهر التوسعة واليسر ورفع الحرج في الكثير من الأمور (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [الحج 78].

ولكن ضيق الأفق عند بعض الناس لم يرحم الشيخ، فمنهم من تحامل عليه إلى حد اتهامه بمعاداة السنة، ومنهم من نسبه إلى المعتزلة، والقليل من هؤلاء من تلطف معه، وتعامل معه باخلاق العلماء مثل الدكتور سلمان العودة في كتابه حوار هادئ الذي أشرنا إليه، والشيخ عبد العزيز بن باز الذي لم يرض المساس بالشيخ الغزالي في مجالسه الخاصة.

“كان الشيخ الغزالي في ضيافة الشيخ ابن باز ، وجاء أحد الحضور في المجلس وأراد أن يتكلم على الشيخ الغزالي بحضرة الشيخ بن باز، فكان الشيخ يقول له: سبح سبح، أي: اترك الحديث، وينقل الحديث إلى موضوع آخر… وتكرر الأمر وفي مرة ثالثة، فقال له: إذا كنت لن تسكت فيسعك الخروج، ثم بدأ الحديث والشيخ يتكلم مع الشيخ الغزالي، وكيف حالكم يا شيخ محمد؟ وكيف حال الإخوان؟ وكيف حال المشايخ؟ وكيف الدعوة؟ وكيف حال الناس في الجزائر؟ وأشياء من هذا القبيل، وفي نهاية المجلس قام الناس وتفرقوا، فجلس هو والشيخ عبد العزيز على انفراد وتحدث الشيخ معه بحديث حصيف وحديث حكيم، ولاطفه، وفي قضية أن هذا لو عدلته، وهذا لو غيرته، وهذا لو قلت فيه، وهذا لو ما قلت، وهذا قد يكون فيه بعض المؤاخذة، حتى خرج الشيخ الغزالي وهو يقول: جئتكم من عند رجل من بقية وعلماء السلف”[1].

والغرض من إصدار الكتاب في رأيي كان بمثابة ثورة أرادها الشيخ لشباب الصحوة، الذين لمس فيهم الكثير من الصدق، والقليل من المنهجية والوعي، فأراد لهم أن يكونوا منهجيين في أنشطتهم وواعين بمشاكل عصرهم وحاجات أمتهم الحقيقية، حتى يتجاوزوا المكائد والفخاخ التي كانت تنصب لهم هنا وهناك، ومنها على وجه الخصوص المسائل الفقهية التي كانت تثار، ويراد منها استدراج شباب الصحوة إلى معارك وهمية وانشغال بجزئيات للتعمية على الكليات الفعالة.

فلم يكن الشيخ بإصدار للكتاب يريد ترجيح رأي على رأي، بقدر ما كان يهدف إلى رحابة البحث العلمي لدى العلماء العاملين من سلف الأمة، والكشف عن وجهة اهتمامات الأمة وفضحها عندما تكون في الحضيض، حيث تصبح ميالة إلى الخوض في الجزئيات على حساب الكليات، “لقد نجح بعض الفتيان في قلب شجرة التعاليم الإسلامية فجعلوا الفروع الخفيفة جذوعا وجذورا، وجعلوا الأصول المهمة أوراقا تتساقط مع الرياح”[2]، مثل الفكر الطائفي الذي ينطلق من الجزئيات ثم يجعلها حكما على الأصول، كالشيعة والخوارج الذين انطلقوا في اختلافهم مع سائر الأمة من مسألة الخلافة وهي مسألة سياسية اجتهادية، ثم أصبح الخلاف انطلاقا من هذه الجزئية إلى الكثير من قضايا الدين الكلية، حتى غدوا لا يصلون وراء بعضهم البعض، ويقتل بعضهم البعض، لكل مذهب مسجده وأئمته ومستنداته الحديثية، وكذلك كل من ينطلق من الجزئيات فيعتمدها كقضايا أساسية في علاقته بغيره، فإنه يتحول إلى طائفي لأنه على مر الأيام ستصبح تلك الجزئيات هي الحكم الفاصل بينه وبين غيره ممن يخالفونه، ثم تكون حكما على الكليات التي هي محل اتفاق.

يتبع

[1]– شهادة لسلمان منشورة في موقعhttps://salmanalodah.com/

[2]– محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ص 8

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • ياسين

    بالفعل " أن المسائل التي أثارها -الكتاب-ليست جديد أيضا، وهي مبثوثة في كتبه الكثيرة، ..." وأن الشيخ الغزالي رحمه الله أراد من خلال ذلك أن ينبه الغافلين إلى مسألة الصراع الفكري التي كانت محتدمة آنذاك ولزالت إلى يومنا هذا...ومخابر الصراع الفكري كانت تتعمد إثارة الفتن بين المسلمين وتشوه كل من يحاول تنبيههم إلى خطورة ذلك ...فالغزالي رحمه الله أراد أن يوجه الاهتمام بالمشاكل العامة الحقيقية لكن مخابر الصراع الفكري تريد توجيه الأنظار والاهتمام بالجزئيات والفروع وهذا ما نعيشه إلى يومنا هذا؟