-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشيخ القرضاوي قامة شامخة ولو كره الشامتون المرجفون

خير الدين هني
  • 2077
  • 1
الشيخ القرضاوي قامة شامخة ولو كره الشامتون المرجفون

كتب أساتذة الرأي في جريدة “الشروق” عن فضائل الشيخ القرضاوي، ومكانته العلمية والأدبية ومنهجه في الدعوة والإصلاح، ونضاله المستميت في مقارعة المدارس الفكرية المستورَدة والتي أخلت بالتوازن العقلي والنفسي والوجداني والعقيدي لنخبة الجيل المعاصر، وهذا أقلّ ما يكتبه كاتبٌ أو مثقف عن رجل ندب نفسه لخدمة الإسلام وقضايا الأمة المضنون عليها من أهلها السمّع، وقد كفوا ووفوا مع أن فضائل الفقيد أكبر مما يعددها كاتبٌ أو أديب أو خطيب، ولذلك ينبغي ألا نعيد ما قاله الإخوة الزملاء، ونتناول الموضوع من وجهة أخرى ذات الصلة، وهو بيان القيمة الاعتبارية للعالم الصادق في دعواه الوفيّ لخطه النضالي والمخلص في عمله واجتهاده ودعوته إلى الله، وفي مقابل ذلك نشير إلى ما يقوله الناس عن التيوس المحللين والشامتين في موت الفقيد رحمه الله.

العالمُ الصادق هو أكسير الحياة وملح طعمها وفواح أريجها، وهو بعلمه الغزير ومنهجه المستقيم وصدقه في الدعوة والإصلاح، يعدُّ منارة يهتدي بها الضالون ويسترشد بها التائهون، فهو الذي ينير للناس طريق الهدى ويخط لهم خط السير على دروب الفضيلة، لذلك برزت مكانةُ العالم في المجتمعات ودورُه الريادي في خدمة العلم والمعرفة والأمة والإنسانية وقيم الفضيلة ومكارم الأخلاق، فالعلماء الصادقون الأوفياء الملتزمون بنهج المـثل السامية، هم الذين تخرّج على أيديهم جيوش من طلبة العلم والدعاة والهداة والمرشدون وناشدو الحق والفضيلة، وقد كرّسوا حياتهم لتحقيق غاياتهم عبر مؤسسات التربية والتعليم والتثقيف والتوجيه، أو عبر التأليف والتصنيف والمقالة والمحاضرة، وجعلوا من الفضيلة هدفا أسمى ندبوا حياتهم من أجل بلوغه، ولم يكن لهم من وراء ذلك غاية نفعية أو مكسب عيني يسعون إليه.

هؤلاء هم العلماء الذين يستحقون التزكية والإطراء والذكر الحسن، وهؤلاء هم من تنظر إليهم السماء بعين الرحمة والرأفة واللطف والرضا، وهؤلاء هم من يستحقون نيل التزكية وشرف القربى من الباري سبحان لقوله تعالى: “إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ”، ونالوا شرف الانتساب إلى رتب الأنبياء في قوله صلى الله عليه وسلم، “العلماء ورثة الأنبياء”. والشيخ القرضاوي –رحمه الله- نحسبه عند الله منهم، ولا نزكي على الله أحدا، لما قام به من جهد في خدمة العلم والفضيلة والأمة والشرف، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصدح بقول الحق أمام فراعنة العصر الذين قتلوا واستحيوا واستعلوا في الأرض بغير حق، في الوقت الذي سارع فيه التيوس المحلّلون إلى تزكية الظلم والطغيان ومباركة المناكر، وفيهم قاماتٌ علمية من ذوي الشأن والمكانة والوجاهة والاعتبار.

ما كان من هؤلاء المحلِّلين المزوّرين إلا أن باعوا دنياهم مقابل رزق يسير، أو بغية نيل وجاهة منصب أو قربى عشير، أولئك هم عبيدُ الدرهم والدينار والمنصب والكرسي الوثير، وهم غير مشمولين بفضائل الذكر الجميل، فأولئك مغضوبٌ عليهم في السماء والأرض ويوم العرض المرير، وإن عاشوا اليوم حياة العز والمجد والترف الرفيل، فهم مخذولون أمام أنفسهم ويشعرون بالصغار والبوار والضّعة وعذاب الضمير، وإن ماتوا أراحوا واستراحوا ولم تبك عليهم أرضٌ ولا سماء ولا قرض يدب في صرير، وخلاصة أفعال المحللين أن أفسدوا آخرتهم بخدمة دنيا غيرهم.

والشيخ المرحوم –بإذن الله- يوسف القرضاوي، أسكنه الله فسيح جنانه مع الصديقين والشهداء والصالحين، كان رجل علم وأدب وأخلاق وفضيلة ومواقف مشرِّفة، جهر بالحق حينما رأى القوم ناموا في مراتع البغي والضلال وتطاولوا على الحق والفضيلة والشرف، ورأى أهلَ البغي يسرحون ويمرحون ويعيثون فسادا في الأرض، فرأى من وجهة نظره أن الصدع بقول الحق فضيلة وشرف وموقف وواجب يفرضه الدين والحق والأخلاق وقوانين الدولة العادلة، ورأى أن مسئولية العالم توجب عليه أن يقذف بنفسه في بؤر التوتر التي سادت ثورات الربيع العربي، ورأيُه في بعض المسائل صواب يحمل الخطأ أو خطأ يحمل الصواب، وإنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ  ما نوى.

ولا أخال أن عالما واسع العارضة في الفقه والأصول والعقيدة، والسيرة النبوية وتاريخ الفتن التي وقعت بين المسلمين، يُخطئه حدسه في التمييز بين الحق والباطل وبين الضلال والهدى، وبين المعتدي والمعتدى عليه، وحتى الإنسان العادي غير المؤهَّل علميا يستطيع أن يستفتي قلبه في المعضلات والمشكلات التي تطرأ في الحياة، لأن العقل الإنساني مركوزة فيه –فطريا- المبادئُ الأولية التي يبني عليها فكره وحدسه وإحساسه وميزان تفكيره، والبراهين التي يستدل بها على صحة الحوادث وسلامتها من الخطأ، والإحساسات التي تنتاب الإنسانَ عند الحوادث هي ميزان الصواب أو الخطأ في العقل. أما إذا كان الإنسان عالما أو عالي التكوين والتأهيل، فإن المعرفة المكدَّسة في ذهنه مع التجارب التي مرت بالعالم أو المثقف، إضافة إلى الأفكار الفطرية المركوزة في العقل، كل ذلك يمنح العالم القدرة على النظر والتمحيص والتدقيق وترجيح الصواب من الخطأ، وعلى ذلك يبني رأيه واجتهاده في الحوادث والفتن والحروب.

وقد عجبتْ نخبة الأحرار من أولئك المرجفين، الذين شمتوا في موت رجل علم واجتهاد وأدب وأخلاق وفضيلة ومواقف مشرِّفة ومروءة وإباء وشرف، وهو الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله، والرجل قد أفضى إلى ربه، والنبي (ص)، نهى عن غيبة الميت وذكر سيئاته، فقال: “اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ”.

الشيخ المرحوم –بإذن الله- يوسف القرضاوي، أسكنه الله فسيح جنانه مع الصديقين والشهداء والصالحين، كان رجل علم وأدب وأخلاق وفضيلة ومواقف مشرِّفة، جهر بالحق حينما رأى القوم ناموا في مراتع البغي والضلال وتطاولوا على الحق والفضيلة والشرف، ورأى أهلَ البغي يسرحون ويمرحون ويعيثون فسادا في الأرض، فرأى من وجهة نظره أن الصدع بقول الحق فضيلة وشرف وموقف وواجب يفرضه الدين والحق والأخلاق وقوانين الدولة العادلة.

وقد ذكر بعضُ العلماء أن غيبة الميت المسلم أشدُّ من غيبة الحي، لأن نيل عفو الحي ممكن الحصول إذا طلب المغتابُ ذلك عند الأوبة والشعور بالذنب، والعلماء أفاضوا في ذلك حتى عند تغسيل الميت، فأجازوا للغاسل أن يذكر بعض ما يراه من الميت كبياض الوجه وفواح ريح طيبة ينبعث من جسده، لأن في ذلك بشارة خير وفأل حسن ويريح أهل الميت ويطمئنهم، ولكنهم لم يجيزوا ذكر بعض ما يرونه على وجه الميت من سواد وجهه أو نتن ريح جسده، لأن ذلك يسيء إلى الميت وإلى أهله وذويه، هذا في الأمور العادية أو شبه العادية.

أما الشماتة، وهي إظهار الفرح والسرور والغبطة والارتياح، عندما يصاب أحد الناس بمصيبة أو ألم أو مرض وإن كان عدوا، أو يُقهر أو يُذل أو يموت، وهي خُلقٌ ذميم وقبيح وسيِّء، يدل على خسّة نفس الشامت ولؤم طبعه وقبح خصاله، قال الفيلسوف الشهير شبنهاور: “الشماتة كشرّ ذنبٌ في الشعور الإنساني، أن تشعر بالحسد هو أمرٌ إنساني، أن تستمتع بالشماتة هو أمرُ شيطان”.

شبنهاور فيلسوفٌ كبير ولكنه ليس بمؤمن وهو من المؤمنين بوحدة الوجود، ولكنه تسامى بعقله حين أعلن أن الشماتة عملٌ شيطاني، ولكن المرجفين ممن يسمّون “مسلمين” وفيهم إعلاميون كبار ومثقفون مرموقون، تشفُّوا في موت عالم قلّما يجود الزمانُ بمثله، وأظهروا شماتتهم في الفضائيات والقنوات والندوات، وهم لجهلهم بأصول الدين والأخلاق وحقدهم وغيظهم الدفين في نفوسهم ومراءاة ومصانعة لأوليائهم، لم يدركوا أن الفقيد بقية صالحة من جيل العشرينيات الذين رحلوا عن الدنيا، وهم ممن تميزوا بخالص الإيمان والتقوى والورع والخوف من الله والنضال من أجل قضايا الأمة العادلة، ولكن نباح الكلاب لا يضير وإن كان يزعج النفوس.

والمرجفون –بشماتتهم- فقدوا الإحساس بالمروءة والشرف وروح الإنسانية، ولم يقدّروا أن ما فعلوه بالشيخ- رحمه الله- من شماتة، أفقدهم وقارهم ووقار وظائفهم، وأفقدهم احترام الناس وحبَّهم وتقديرهم، ولعل الذي آلمنا وتأسَّفنا عليه بمرارة، أن منع الفقيد من الدفن في أرض صباه وشبابه وكهولته وآبائه وأجداده، عاش مظلوما ومضيَّقا عليه ومات غريبا ودُفن غريبا فطوبى للغرباء، وكان أن سلط عليه الظالمون قبل موته الأوباش من سفلة الناس فرموه بكل فرية وبهتان، قال تعالى: “إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ” (الزمر:13).

هذا وعدُ الله والله لا يُخلف الميعاد، وفي هذا المعنى المؤكد وعيدٌ للظالمين المكابرين المستكبرين، ورجاء للمضطهَدين المستضعَفين المظلومين في الأرض، المضيَّق عليهم من قساة القلوب غلاظ الطباع منزوعي الرحمة. والله غالبٌ على أمره.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • Dr >Ibrahim

    حياك الله وبياك ياسي خير الدين هني. وأسأل الله تعالى أن يجعل ما قلته في ميزان حسناتك وأن ينزل فقه العصر وفخر كل بلد وكل مصر الشيخ العلامة القرضاوي منزلاً مباركاً وهو خير المنزلين .