الكتابات الجزائرية والغربية حول الثورة التحريرية بالأوراس
إن الحديث عن توثيق أحداث الثورة التحريرية المباركة 1954، هو الحديث عن منطقة احتضنت اللحظة التاريخية الحاسمة الأولى بزخم أحداثها وتعدد العمليات العسكرية ضد المستعمِر الفرنسي، فحسب المؤرخة جميلة عمران، التي قدمت دراسة إحصائية حول الثورة التحريرية من حيث عدد العمليات العسكرية وعدد الشهداء وعدد المجاهدين وعدد القوات العسكرية في المنطقة… وتوصلت الباحثة إلى نتيجة مفادها ريادة المنطقة في احتضان العدد الأكبر في مواجهة ومقارعة واهتمام كذلك العدو بالأوراس النمامشة. وهنا يتبادر السؤال بصورة آلية إلى الذهن، هل أخذ الأوراس حقه من الكتابات التاريخية بخصوص أحداث الثورة؟ وهل ما تم إنجازه يفي حقه ويحقق التغطية الشاملة لكافة أحداث الثورة التحريرية الجزائرية 1954؟
يمكن تقسيم كتابة أحداث الثورة التحريرية في الأوراس إلى عدة مراحل، ربما أولى الإرهاصات بدأت بعد الاستقلال إذ كانت المنظمات الثورية تسند لها مهمة انجاز كل أنشطة إحياء مناسبات الثورة التحريرية وكتابة أحداثها، وهنا نستدل بما أنجز من عمل موسوعي يتكون من جزأين بعنوان “التقرير العسكري لمعارك الشرق”، وهو عمل يركز فقط على العمليات العسكرية أثناء المواجهة مع العدو، وبعد تأسيس جمعية أول نوفمبر 1954 يمكن اعتبار هذه اللحظة منعرجا تاريخيا في كتابة أحداث الثورة، خاصة ما قامت به من إقامة ملتقيات خاصة في سنة 1989 وجمعها في مؤلف، وكذلك إنجاز كتاب حول الشهيد مصطفى بن بولعيد الذي يعد عملا رائدا ومرجعا مهما للباحثين. وما أنجزته مؤخرا والعقد الماضي عن طريق رئيسها الرائد عمار ملاح، وهو عبارة عن مجموعة من الكتب والسلسلة بعنوان “قادة جيش التحرير الوطني”. وفي هذه المرحلة عرفت إنجاز كتاب مهم للقائد مصطفى بن بولعيد من تأليف الكاتب سليمان بارور، وعند تأسيس جمعية رواد مسيرة الثورة بالأوراس بآريس فقد قامت بمجهود مميز، وذلك بتأليف سلسلة موسوعية تتكون من ستة أجزاء تتضمن سير وتراجم الشهداء والمجاهدين على مستوى الأوراس.
في المقابل، كانت مرحلة العقد الثاني من الألفية انتفاضة وازدهارا حقيقيا في عملية تدوين تاريخ الثورة التحريرية بالأوراس، وذلك باستصدار عدة مذكرات وكتب أكاديمية وأطروحات الدكتوراه، نذكر منها: مذكرات الرائد هلايلي بعنوان “شاهد على الثورة في الأوراس”، إذ استطاع الكاتب بجرأته الثورية الكشف عن الكثير من الزوايا المغيبة في تاريخ الثورة بالأوراس، وكذلك مذكرات العقيد الطاهر زبيري بعنوان “نصف قرن من الكفاح” التي كانت مذكرات مهمة وموثِّقة للعديد من الأحداث، خاصة أنه من الفارِّين من سجن الكدية رفقة القائد مصطفى بن بولعيد، وأول قائد لأركان الجيش الشعبي الوطني غداة الاستقلال، ومذكرات أحد كتّاب ومرافقي القائد عاجل عجول الطبيب محمد العربي مداسي بعنوان “مغربلو الرمال”. وكذلك نجد أحد صناع ملحمة الجرف المجاهد الوردي قتّال بعنوان “الوردي قتّال أحد أبطال معركة الجرف.. مسيرة رجل وتاريخ نضال”، وهي مذكرات تقدم أحداثا لرجل عاش الكثير من الأحداث والمنعطفات وعايش أغلب قادة الأوراس، خاصة في منطقة سوق أهراس وتبسة وخنشلة، كما نجد مذكرات المجاهد علي مزوز حول الثورة التجارية بمنطقة يابوس، هذه المنطقة التي كانت ريادية في الحركة الوطنية والعمل المسلح .
صدر لبعض القادة العسكريين الفرنسيين الميدانيين الذين عملوا بالأوراس كتبٌ عنها، على غرار دومنيك فرال والقائد بيجار وبول شاريير. والملاحظ حالة الإعجاب والانبهار بالشراسة القتالية لمجاهدي الأوراس، فمثلا ريمون نارت ألّف كتابا حول القائد عاجل عجُّول ودوره في تفجير الثورة، وكذلك ما كتبه ضابط المصالح الخاصة دومنيك فرال بعنوان “العقيد عباس لغرور”. وعندما سئل بأن الشهيد عباس لغرور لا يملك رتبة عقيد؟ أجاب بانبهار: “إن شخصية عباس تشبه كاريزما ورتبة العقيد المعروفة في أدبيات الدراسات العسكرية بالرتبة المميزة”.
وعلى الصعيد الأكاديمي، نجد مجموعة من الانجازات والمؤلفات المهمة التي استطاعت تحقيق التميُّز واكتساب صفة العلمية والأكاديمية، خاصة ما قام به الكاتب صالح لغرور شقيق الشهيد عباس لغرور في مؤلفين، إذ جمع مادة علمية من وثائق وشهادات حية، وكان الكتاب الأول بعنوان “عباس لغرور من النضال إلى قلب المعركة”، والانجاز الثاني “إضاءات في التاريخ الداخلي الولاية الأولى أوراس النمامشة”.
كتاب مهم كذلك لصاحبه منصف جنادي وهو عبارة عن شهادات حية استطاع الكاتب اقتناصها وتدوينها في مرحلة مهمة، وهي مرحلة الرعيل الأول للثورة التحريرية ورفقاء القائد مصطفى بن بولعيد، على غرار مصطفى بوستة وأمحمد حابة وعلي بن شايبة… وغيرهم، في حين تبقى كتابات عمر تابليت انجازا مهما لرؤية الأكاديمي الجريء في مؤلفيه حول عاجل عجُّول وعباس لغرور، وكذلك ما صدر مؤخرا عن الكتاب في منطقة الأوراس عبد الفريد عبد السلام في مؤلفه حول “تاريخ الأوراس من العصر الحجري إلى بداية القرن العشرين”، وهو كتاب خصّص فيه الكاتب جزءا مهما للثورة التحريرية في الأوراس. إضافة إلى كتاب الأستاذين سليم سوهالي وعبد الحميد مراردة بعنوان “الحركة الوطنية في باتنة قبل ثورة التحرير وأثناءها”، وهو عملٌ جاء بالكثير من الحقائق انطلاقا من وثائق أرشيفية تنشر لأول. ومؤلف الدكتورة جمعة زروال وسماح بوقلولة بعنوان “جذور سكان مدينة باتنة في الحركة الوطنية والثورة التحريرية”.
أما بخصوص الكتابات الغربية، فنجد ما صدر من قبل القادة العسكريين الفرنسيين الميدانيين الذين عملوا بالأوراس، على غرار دومنيك فرال والقائد بيجار وبول شاريير. والملاحظ حالة الإعجاب والانبهار بالشراسة القتالية لمجاهدي الأوراس، فنجد مثلا ريمون نارت ألّف كتابا حول القائد عاجل عجُّول ودوره في تفجير الثورة، وكذلك ما كتبه ضابط المصالح الخاصة دومنيك فرال الأول بعنوان “العقيد عباس لغرور”. وعندما سئل بأن الشهيد عباس لغرور لا يملك رتبة عقيد؟ أجاب بانبهار: “إن شخصية عباس تشبه كاريزما ورتبة العقيد المعروفة في أدبيات الدراسات العسكرية بالرتبة المميزة”. ونذكر أيضا مؤلفه الثاني بعنوان “معركة جبال النمامشة”. وهنا تحدّث الكاتب عن براعة مجاهدي الأوراس في توظيف حرب العصابات والحرب المضادة، فيما كتب جاك سيمون حول القائد مصطفى بن بولعيد محرك الثورة التحريرية الجزائرية”.
وفي الأخير، يمكن القول إن الأوراس بزخم الأحداث التي احتضنها وريادته في العمليات العسكرية المباشرة مع المستعمِر، وبالنظر إلى ما أنجِز من عملية توثيق لهذه الأحداث والتي لا يمكن عدّها في هذا السانحة، يحيلنا إلى الدعوة والتوصية بضرورة إنجاز مركز خاص يعنى بالبحث في تاريخ أحداث الثورة بالأوراس، خاصة بعد فتح الأرشيف الفرنسي أمام الباحثين، وهو الأمر الذي يتطلب استقلال هذه المادة العلمية بصورة أكاديمية علمية بعيدا عن النشر العشوائي على وسائط التواصل الاجتماعي من دون مراعاة ضوابط النشر العلمي وعلم دراسة الوثيقة التاريخية.