حياة “المؤثرين” زيفٌ.. وشُهرتهم بكسر الطابوهات
دعا خبراء وأساتذة وأئمة في ندوة “الشروق” حول ظاهرة “المؤثرين” إلى ضرورة الاهتمام أكثر بما يعرض على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى فضاءات تجارية بامتياز، تستغل لجلب الانتباه وزيادة نسب المشاهدات لربح الملايين، مؤكدين أنه يجب الاستثمار في هذا المجال لتشجيع المحتويات الهادفة وتبني المؤثرين الإيجابيين، لمواجهة الانحراف الرقمي، الذي أفرز شبابا فاشلين دون مستوى، يستغلون كسر الطابوهات والإغراء وهدم القيم للتأثير واستقطاب المتابعين، وباتوا يقدمون أنفسهم كبديل سهل للنجاح وخلق الثروة…
حذر من تأثير السلبيين منهم على المجتمع.. بشير إبراهيمي:
أموال الوقف لتمويل المؤثرين الإيجابيين

أكد المفتش بوزارة الشؤون الدينية، الإمام بشير إبراهيمي، أن سبب انتشار “المؤثرين التافهين” هو غياب الإيجابيين “ما ترك المجال واسعا لظهور أشخاص همهم الوحيد كسب نسب عالية من المشاهدات بكسر قيم وثوابت وأخلاق المجتمع”، وحذر من التأثير السلبي لهؤلاء على الأجيال الصاعدة لأن العديد منهم بات ينشر أفكارا ومعتقدات دخيلة على المجتمع تروج لأفكار وإيديولوجيات غريبة من شأنها أن تغير سلوكيات المراهقين والشباب، “لأن المشاهدة للمرة الأولى قد تكون عابرة لا تترك أثرا، لكن إذا تكررت المشاهدات تصنع صورة نمطية تغيير الأفكار والمفاهيم ومسارات المجتمع، خاصة مع تراجع دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية عن القيام بأدوارها في التربية والتوجيه على غرار الأسرة والمدرسة وحتى المسجد، ما دفع الشباب إلى الاقتداء بمن هب ودب على مواقع التواصل”.
وحذر بشير ابراهيمي من ظاهرة استغلال الأولياء لأطفالهم على مواقع التواصل وتقديمهم كمؤثرين لجلب الأموال، خاصة لدى البنات المراهقات بسن 12 و13 سنة. وهو ما يتطلب تحقيقات في القضية، خاصة مع عدم وجود ضوابط ورقابة على مواقع التواصل. وانتقد المتحدث غياب دور الآباء في التوجيه والتربية وترك أطفالهم هائمين على مواقع التواصل دون حسيب ولا رقيب، “وحتى الخطاب المسجدي اليوم يتطلب مراجعة وتطوير، حيث وقفت أنا كمفتش على فارق كبير في بعض المساجد التي تتواجد في أحياء غارق شبابها في المخدرات والإمام يتحدث عن أمور غيبية بعيدة عن الواقع، وحتى الأساتذة في المدرسة بات آخر همهم التربية وبعضهم تحول إلى قدوة سيئة، ما ترك الشباب والمراهقين تائهين في البحث عن النموذج الذي يقتدون به”.
وبالنسبة للمؤثرين الذين باتوا يستثمرون بزيادة نسب المشاهدة على حساب القيم والمبادئ فتأثيرهم سيكون هداما، إذا لم يتجند الأخيار لمواجهة هذا الشر، عن طريق تشجيع المؤثرين الإيجابيين من شباب ومختصين وأئمة وخبراء وناجحين في الحياة، ونشر النماذج الناجحة كقدوة لشبابنا، وحتى أموال الوقف يجب أن تسخر للاستثمار في الجانب الرقمي بعيدا عن الأمور التقليدية، “وهذا ما يساهم في تمويل المشاريع الإلكترونية التي تهدف إلى نشر الإيجابية كبديل للتفاهة و”الصعلكة” الإفتراضية، بالإضافة إلى غرس الوازع الديني وسط أبنائنا لحمايتهم من كل تأثير سلبي.
أكد منحهم المال مقابل نشر الفضيلة.. بكيس:
يجب التعامل مع المؤثرين ببراغماتية

دعا المختص في علم الاجتماع السياسي، نور الدين بكيس، أهل المال والمحسنين إلى دعم المشاريع الرقمية الهادفة لدعم وتشجيع ” المؤثرين الإيجابيين”، لمواجهة ظاهرة كسر الطابوهات على مواقع التواصل لاستقطاب مشاهدات مليونية، التي تحولت إلى تجارة مربحة للكثير من التافهين الذين بات همهم جلب الانتباه برمي أنفسهم في القمامة أو استعمال أساليب الإغراء والإغواء والصراعات الوهمية لرفع نسب المتابعات والمشاهدات.
وأكد بكيس أن طبيعة المؤثرين على مواقع التواصل تختلف تماما عن النجوم والمشاهير الذين يظهرون في أطر مضبوطة ومراقبة على غرار التلفزيون أو الرياضية والمسرح ويصعب تقليدهم والوصول إلى مستواهم، “عكس المؤثرين على مواقع التواصل الذين هم أشخاص فاشلون في الواقع لا يملكون أي مؤهلات علمية تجدهم يستقطبون الشباب بالفكاهة والسخرية ويسوقون أنفسهم كنماذج سهلة للإقتداء حيث يشاركون حياتهم اليومية وأسرارهم للمتابعين ويرسلون لهم رسائل ضمنية مفادها أنه يمكن تحقيق النجاح بلا دراسة وأخلاق وتميز، ويكفي أن تظهر مفاتنك وسخافتك لتشتهر وتنجح في كسب المال، حيث يشتري هؤلاء السيارات ويسافرون لمختلف البلدان ويدخلون أفخم الفنادق وهو ما يجعل الشباب يعملون على تقليدهم للوصول إلى ماوصلوا إليه دون تكبد عناء التدرج في الدراسة والشهادة والعمل بأجر زهيد لا يضمن كرامة العيش”
وأكد بكيس أنه كلما زاد الإحباط واليأس والفقر، زاد التطلع للإقتداء بالمؤثرين السلبيين الذين حققوا نجاحا سريعا في الشهر وباتوا يربحون الملايين بتعاقدهم مع مختلف المؤسسات، وأضاف أن انهيار القدرة الشرائية كسر السلطة الأبوية، “فالأولياء الذين يعجزون عن شراء حذاء أو سروال جديد لأبنهم يصعب تحكمهم به وتوجيهه في هذا العصر، وهذا ما صعب على الأسر الفقيرة احتواء أبنائها في مرحل الحجر الصحي لغياب وسائل الترفيه والراحة في البيت، وهذا ما نتج عنه ظاهرة الحرقة لمواقع التواصل التي استقطبت ملايين الشباب والمراهقين الذين يفرون لعالم سهل بعيد عن التكاليف حيث يتم استقطابهم بأساليب فيها المتعة والفكاهة والغرابة من طرف أشخاص مغمورين تحولوا إلى مؤثرين بعدما نجحوا في عمل معين قد يكون تافها وبعدها يسوقون أنفسهم كقدوة للشباب.
وأكد المتحدث أن المؤثرين همهم الأول والأخير كسب المال، وهذا ما يجعل المحسنين والميسورين ملزمين بتوفير فضاء براغماتي لنشر الفضيلة والأمور الهادفة بتمويل كل ما هو ايجابي، وهذا لخلق منافسة بين الناجحين على مواقع التواصل لنشر الفضيلة مقابل استفادتهم من المال، وهذا لمواجهة تمويل الرذيلة والتفاهة، “فعلى أهل الخير التجند والاستثمار وبذل المال لكسب المعركة الرقمية وعدم الزهد فيها وتشجيه الناجحين بالكلمة فقط.
المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا إبراهيم بهلولي:
يجب مراقبة مضامين الإشهار للحد من الاحتيال الرقمي

سلط المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا، إبراهيم بهلولي، الضوء على ما يطلق عليهم المؤثرين عن طريق الشبكة الافتراضية، ووسائل التواصل الاجتماعي، باعتبار الظاهرة من أكثر التجاوزات الاجتماعية خطورة، مع تزايد اتساع مساحة الفضاء الأزرق ووسائل التواصل الأخرى، التي استوجبت تدخل المشرع الجزائري، بعد التقارير المعلنة من طرف هيئات وجمعيات مختصة، بما فيها منظمة حماية المستهلك التي تم على إثرها إصدار قانون الحماية من عواقب هذه الظاهرة المستفحلة في أوساط الشباب، خاصة من الفئة العمرية 19 إلى 35 سنة نتج عنها قانون رقم 03/2009 الذي تم تعديله ليصبح 18/09 في ظل غياب النصوص القانونية التي تتحدث عن الاحتيال الرقمي للمؤثرين باعتبار المساهم في الجريمة هو الفاعل الرئيسي وهو المؤثر المستعمل كوسيط وتاجر افتراضي مقابل المال.
وتحدث المحامي عن الأساليب الاحتيالية الرقمية المستجدة،، مؤكدا أنه مع انتشار ظاهر توسع فضاء التأثير عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، أضحت الضرورة ملحة لتوفير حماية جنائية للمستهلك الإلكتروني أو ما يسمى الضحية الافتراضية، ومنها ردع التحايل الإلكتروني في البيئة الرقمية، لذا تحتاج البيئة الرقمية مراقبة ومعاينة من طرف هيئات في الدولة، وهذا راجع لكون المتحايل عليه إلكترونيا من طرف المؤثر الرقمي المستعمل من طرف شركات وهمية افتراضية داخل البلاد أو خارجها، أضحى يحتاج إلى الكثير من الاهتمام من قبل المشرع الجزائري خاصة بعد لإصدار القانون 18/05 المتعلق بالتجارة الإلكترونية.
وأعطى القانوني ابراهيم بهلولي عدة ضوابط تنظم عملية الاستهلاك أو المتابعة القانونية لأفراد أو شركات عبر شبكة الإنترنت، من خلال ضبط النصوص القانونية وتفعيلها، على غرار تقييد عمل المؤثر الرقمي قانونا بنصوص جادة ردعية تراعي مصلحة المجتمع خاصة فئة الشباب التي تعتبر الأكثر ولوجا للفضاء الإلكتروني، علاوة على فرض قيد الضرائب على المؤثر باختلاف صفته، كي يستطيع المشرّع التفريق بين المؤثر الحقيقي والنصاب، مع ضرورة البحث في مضامين الإشهار المستعملة من طرف المؤثرين الرقميين، باعتبار أن وجود بعض المواقع الإلكترونية التجارية دورها الأساسي بيع الأصوات للمؤثرين رقميا.
وعرّج المحامي في تدخله، على أن الضرورة أصبحت حاليا أكثر من ملحة على المسؤولين في الدولة والقانونيين، وضع خريطة رقمية قانونية من طرف المختصين، يتبعها ممارس هذا النشاط الإلكتروني، باعتباره تاجرا افتراضيا له تأثير إيجابي وسلبي على المتابع الذي وجد هذا الفضاء خصبا وقابلا للمتابعة والمشاهدة.
أكد أنه يجب أن ينظر إليهم بإيجابية.. يونس قرار:
على الدولة مرافقة المؤثرين والاستفادة منهم

أصبح من الضروري في ظل التطور المطَّرد لتقنيات الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية، التعرف على الفاعلين المؤثرين الافتراضيين، وما هي حدود التأثير ومجالاته والتداعيات المترتبة عليه إعلاميا واجتماعيا، تساؤل استهل به الخبير في تكنولوجيات الإعلام والاتصال، يونس قرار حديثه، حيث أضحى المؤثر الرقمي والمتأثر في وضع إشكالي أمام تزايد واتساع الظاهرة التي جرت عجلة العلاقة بينهما، حيث أخلط المؤثر مفاهيم العملية عبر صفحات وسائل التواصل ومنصاتها وتطبيقاته، أمام سيل من الرسائل من خلال فيديوهات ضخها صناع المحتوى الذين استقطبوا حسبه الجمهور والمعلنين، بعد انحسار جمهور وسائل الإعلام السمعية البصرية بظهور إعلام جديد وجد ضالته لدى فئة الشباب الذين لا تقل أعمارهم عن 35 سنة.
وقال قرار إنه يجب أن ينظر إلى ظاهرة المؤثرين عبر شبكات التواصل بنظرة إيجابية، ومحاولة الاستفادة من إيجابياتهم مع معالجة بعض السلبيات، ومعاقبة الدخلاء والمجرمين الذين يستعملون هذا النشاط للاعتداء على خصوصية الأفراد وابتزازهم، لتمكنهم من تقنية الصورة والصوت، علاوة عن معرفتهم بالخوارزميات المستعملة في التطبيقات المستغلة من طرف المؤثرين للوصول إلى تضخيم عدد أكبر من المتابعين، وكيفية صياغة المحتوى لجلب المهتمين.
وأضاف الخبير الذي نزل ضيفا على ندوة “الشروق”، أنه على الدولة ردع المحتالين الإلكترونية وضبط هذا النشاط قانونا، يجب عليها متابعة هؤلاء المؤثرين ومرافقة نشاطهم حماية لهم من الدخلاء الذين يسيئون إلى العملية، من أجل تطوير قدراتهم التقنية والإبداعية في عدة قطاعات حكومية كالسياحة والتربية والصحة، لما يمتلكونه من قبول واسع لدى فئة الشباب الذي ينتظر أن تكون نقطة انعطاف نحو التطور، ومحاولة استغلال مواهبهم والقوة التأثيرية لديهم في بناء المجتمع وتربية الأفراد بنشر الرسائل البناءة، بالتعاون مع الأئمة والأساتذة، والأولياء والنوادي والفنانين والنخبة الذين لهم دور كبير في جلب اكبر عدد ممكن من المتابعين والمشاهدين، على غرار استعمالهم كطعم مثمر بالنسبة للأحزاب السياسية والحكومات لتمرير رسائلهم أو الرد على بعض الشبهات.
وبطبيعة الحال، يقول غرار، إن هؤلاء الشباب المؤثرين عن طريق وسائل التواصل، ربما تنقصهم التجربة التقنية، بالرغم من أن لديهم مواهب في التمثيل وكيفية إيصال الرسائل، وقد لا يعرفون كيفية التعامل مع المؤسسات، ورجال الأعمال، وقد يقعون ضحية لبعض الشبكات الإجرامية والوهمية التي تستغلهم لميزة التأثير الممارس من طرفهم على المجتمع لتمرير بعض الرسائل الهدامة، باستغلال المتابعين الذين يعتبرون الضحية رقم واحد في هذه العملية.
أكد أن تقليدهم تحول إلى هوس مرضي.. قوراية:
المظاهر الخارجية كذب وتزييف

أكد الخبير في علم النفس أحمد قوراية أن الإعجاب بالمشاهير هوس مرضي تجاوز حد الإعجاب إلى مرض نفسي، قائلا ” إن مسألة الانبهار بالمشاهير ليست وليد اليوم، بل هي ظاهرة موجودة منذ ظهور السينما العالمية، من زمن الأبيض والأسود، حيث كانت وسط متتبعي الأفلام الهندية والمصرية والأمريكية وفي زمن الفن الجميل، وكان للممثلين والفنانين عشاق في الوسط الاجتماعي، وتواصلت تلك السلوكات مع مرور الوقت، ومع التغيرات الحاصلة على المستوى العالمي من تطور التكنولوجيا، تغيرت طبيعة التأثر بالمشاهير فأصبح المؤثر يشاهد في فضاء خاص به عبر مواقع التواصل التي باتت تستهدف كل الفئات العمرية ومن الجنسين، فتوسع الأفق الإدراكي للفرد ونظرا للعمل الذي يقوم به المؤثر يجعل المتأثر به يدخل في فضائه وكيانه ويتابعه باستمرار، ويظهر له أن كل ما يقوم به المؤثر جميل ويصدق كل ما يتلفظ به ويتخذه قدوة له ويستشهد بما يقوله كأنه بطله، خاصة وأن الكثير من الأفراد يعانون الكبت النفسي وأحيانا فقدان الثقة فتجدهم يبحثون عمن يكملهم، بتعلقهم بالشخصيات التي تظهر أمامهم عبر شاشة الهاتف وجهاز الحاسوب، فتتعاظم علاقتهم به ويشتد التعلق بالشخصية الافتراضية..”
وأكد قوراية أن هناك فارقا كبيرا بين المعجب في الزمن القديم “كما أشرت سلفا بحيث في وقت مضى كان التأثير إيجابي ربما المتأثر يقلد المؤثر في لباسه في طريقة حديثه أو كأن يطلق اسم أبنائه على أسماء المشاهير، بينما نجد المؤثرين الحالين الذين يغزون السوشل ميديا يظهرون ممارسات سلوكية غير سوية تضر بالسلامة النفسية للمتتبعين الذين تظهر عليهم بعض الاضطرابات النفسية نظرا للهوس الذي يظهر على شخصيتهم وفقدان الثقة.
وأضاف قوراية: “للأسف أن المظاهر التي يظهر بها المؤثر هي تعبير عن ممارسات حياتية مزيفة ومصطنعة وسرعان ما تزول، وهذا ما يفرض علينا توعية الشباب بالاقتداء بكل ما هو إيجابي وعدم الانسياق وراء أشخاص افتراضيين فاشلين في الواقع”.