-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ختم النبوة

التهامي مجوري
  • 573
  • 0
ختم النبوة

المراد بختم النبوة في الثقافة الإسلامية، أن لا نبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو آخر الأنبياء والرسل، أي نهاية النبوات التي كانت قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك استنادا لقول الله تعالى (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الحزاب 40]، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم “إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين” (البخاري ومسلم عن أبي هريرة).

ورغم وضوح عبارة “خاتم النبيين” في الآية والحديث، فقد وجد في الأمةالإسلامية من يدعي النبوة لسبب من الأسباب، لم أجد من درس هذه الظاهرة للكشف عن الأسباب الحقيقية لمثل هذه الادعاآت، خاصة وأن البعض ممن ادعى النبوة كانت مستوياتهم العلمية عالية، ويتميزون بقدر هائل من الذكاء والفطنة… مثل رشاد خليفة المصري صاحب الأبحاث الرائعة في الإعجاز العددي –الرقم 19- في القرآن، فقد ادعى النبوة وأعلن عن ذلك رسميا، وقبيل قتله كاد أن يعلن عن يوم القيامة في ملتقى القرآن الكريم في الحزائر في سنة 1981 ولكن لم يسمح له بذلك، والطبيب صلاح شعيشع المصري، الذي ادعى النبوة هو الآخر، ولكن الملاحظ أن كل تلك الادعاآن بطلت بوفاة صاحبها أو بقتله كما وقع مع رشاد خليفة، بحيث لم يبق من أولئك الأدعياء إلا القديانية أو ما يعرف بالجماعة الأحمدية.

وسر بقاء الأحمدية واستمرار دعوتها في تقديري، هو أن مؤسسها تدرج في ادعائه للنبوة، حيث ادعى انه المهدي المنتظر، ثم أنه المسيح الموعود واستقر الأمر على النبوة المزعومة، ولا ندري ما المقصود بالمسيح الموعود، أهو نزول عيسى عليه السلام، الذي وردت فيه أحاديث كثيرة؟ ام هو نبي بعد محمد يختلف عن نزول المسيح، وأول كل النصوص الوارد في ختم النبوة، أن وجد حلا لمشكلة الأحاديث التي وردت في لا نبي ولا نبوة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، وحتى المسيح عليه السلام عندما ينزل في آخر الزمان كما هو مقرر عند اهل الاختصاص، سيحكم بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد أشرنا فيما مر معنا إلى بعض التأويلات، مثل أن ختم النبوة أي طابع النبوة، وخاتم الأنبياء بمعنى زينة الأنبياء، باعتبار أن الخاتم من الحلي الذي يتحلى به الرجال والنساء.

ولكن ما خفي عن الأحمدية هو أن البعثات النبوية لم يبق لها مبررا بعد بعثة محمد، حتى ولو لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم، لا نبي بعدي، أو أنا خاتم النبيين؛ لأن الغاية من بعثة الأنبياء والرسل هي إقامة الدين وتعبيد الله لرب العالمين، والدين قد أكمله الله على يدي النبي محمد آخر الرسل والنبيين (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المائدة 3]، بحيث لم يعد الإنسان في حاجة إلى إضافة جديدة بعد الذي جاء به القرآن والسنة؛ لأن الكمال البشري قد بلغ ذروته ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حتى أن الفيلسوف الهندي محمد إقبال قال “إن ختم النبوة حد فاصل بين العالم القديم والعالم الجديد” [تجديد الفكر الديني]، بحيث لو افترضنا أن نبيا جديدا يبعثه الله اليوم، لا يمكن أن يضيف لنا على ما في القرآن الكريم سيئا [ابو القاسم حاج حمد، الإسلامية العالمية الثانية].

ذلك أن منهجية القرآن المعرفية، قد وضعت طريقة في التعامل مع الواقع بمستوى من التوازن والكمال لا يمكن للإنسان أن يجد أفضل منها، أو يبحث عما هو أقدر على فهم الإنسان وتقلباته مما قرره القرآن، ولذلك كانت معجزة النبوة الخاتمة كتابا يتلى –وهو القرآن- إلى يوم القيامة، ليس كما كانت النبوات السابقة لها معجزات مادية، مثل عصى موسى وناقة صالح ومائدة عيسى للحواريين…إلخ (وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ۚ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) [الإسراء 59].

هذا من جانب التفاعل مع الطبيعة بمكوناتها كلها، أما من الجانب التعبدي، فلا يحتاج المسلم أكثر مما تقرر في شريعة الإسلام من مقررات تعبدية، من صلاة وصيام وزكاة وحج ودعاء وذكر لله؛ بل إن من يضيف عليها يعد مبتدعا، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم “من عمل عملا ليس عليه امرنا فهو رد”، أي كل عبادة ليست من مقررات الإسلام الذي جاء به محمد هي بدعة منكرة.

ومن بين ما تميزت به النبوة الخاتمة أيضا، هي أن العصمة انتقلت من النبوة إلى الأمة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “لا تجتمع أمتي على ضلالة”، وانتفاء الوسائط، إذ العادة أن الإنسان يحتاج إلى وسيط بينه وبين الله، فالنبوة الخاتمة أبطلت ذلك، وجعلت العلاقة بالله مباشرة بدون وسيط، ولأن لأن النبوة قد استغنى عنها بالقرآن المعجزة الخالدة، وبطلان الاصطفاء والانتقاء، حيث كانت الأمم والشرائع السابقة تعتمد الاصطفاء والتفضيل بحسب العرق والدين والمكانة الإجتماعية، فأبطلت النبوة الخاتمة كل ذلك وجعلت المقياس هو التقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات 13]، (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران 110]، وغير ذلك من الخصائص التي فرضتها طبيعة ختم النبوة.

وإذا اعتبرت الأحمدية نبوة مؤسسها، فإنها بذلك تنسف هذه المسلمات التي هي من أبرز مقررات ختم النبوة، ومن ثم تعتبر البعثات النبوية إما أنها عبثية أي يمكن أن تكون نبوة من غير مبرر علمي أو ديني، وهذا ينفيه القرآن الكريم والإسلام الذي تنتسب إليه الأحمدية نفسها، أو أنها نبوة كاذبة لا سند لها؛ لأنها ادعاء باطل.

ومن بين أسباب استمرار الأحمدية أيضا، انها اتسغلت الفراغ الروحي الذي يعيش فيه العالم اليوم؛ بل ذلك ما يبرر نشأتها في أوساط العجم –في الهند- وانتشارها في ديار الغرب، والآن وجودها في بلاد الغرب اكثر من أي جهة أخرى ومحاضنها في الغرب بمساجدها ومؤسساتها معروفة، ثم بدأ تسللها إلى البلاد العربية والإسلامية، بواسطة العلاقات الخاصة مع الإطارات الرسمية، المتأذية من الإسلام السياسي والإسلام الحركي عموما؛ لأن الأحمدية من التيارات التي تأمر المنتسبين إليها بالخضوع والاستسلام إلى النظم السياسية القائمة في بلادها، فيمكن للأحمدي أن يصالح اليهود لأن النظام الذي ينتسب إليه يقبل بذلك، ويقتل المسلمين لأن نظامه يقبل بذلك؛ بل يوجد لهم فرع في القدس في ظل سلطة الإحتلال!!

وفي خمسينيات القرن الماضي كان منها أول وزير خارجية باكستانى هو ظفر الله خان، وقد قابله الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في زيارته لباكستان في إطار الدعوة لاحتضان الثورة الجزائرية، وفى عهد هذا الوزير امتلأت وزارة الخارجية الباكستانية بأعضاء هذه الطائفة، وعين الكثير من السفراء في العالم.

وباستغلال الأحمدية للفراغ الروحي والإضطرابات التي تعيشها الأمة وأنظمتها السياسية ومنظماتها التربوية والدينية، تسللت كما أسلفت إلى المسلمين العرب وبعضهم وجد فيها ضالته، لا سيما فيما يتعلق بالتزكية والتربية الروحية، وهذا يؤثر بقوة لا سيما عندما نرى أن الخطاب الأحمدي في محاربة التنصير قوي جدا، وفي تهذيب الأخلاق قوي أيضا والاهتمام بالروحانيات بارز في خطابهم؛ بل إن الأحمدية من أشهر الطوائف في محاربة العنف، ولكن الضلالات فيهم كثيرة أيضا…

ولكن العجيب فيمن ينتسب لهذه الجماعة، وهو في تقديري لا يجد إلا يعض اللفتات الروحية التي يمكن أن تكون مبررا لانتماء المسلم المعاصر للأحمدية، ماذا يجد فيها غير هذا الذي ذكرت؟ وما هذا يبرر الانتساب، موجود في عشرات الطرق الصوفية في العالم، كلها –على تفاوت بينها في الالتزام- تؤدي الغرض الذي يبحث عنه من يعاني من الفراغ الروحي، بمعنى أن كل ما يسد هذا الفراغ موجود في مئات الجماعات الصوفية الموجودة في بقاع العالم الإسلامي.

لا شك أن خداع الأحمدية بتأويلات نصوص الوحي وفق ما يتماشى وخياراتهم، مثل جديث التجديد، الإقرار بوفاة عيسى عليه السلام وعدم نزوله في آخر الزمان، والحاجة الإنسانية للبناء الإيماني والتدين بقطع النظر عن الواقع السياسي للأمة…. كل ذلك يغري في الأخمدية ويرغب في الانتماء إليها، ولكن ادعاء النبوة ينسف كل تلك الإغراءات لمن أراد الله ورسوله، وبمكن ان يسد حاجته الروحية في المدارس التربوية الكثيرة في العالم الإسلامي، ولمن أراد معرفة حقيقة الجماعة الأحمدية عليه أن يتابع ما ينشر “هاني طاهر” عن الجماعة بعد انشقاقه عنها، وقد كان من مريديها.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!