-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

طوفان الأقصى ومعركة الوعي

التهامي مجوري
  • 415
  • 0
طوفان الأقصى ومعركة الوعي

عندما وقعت واقعة “طوفان الأقصى”، هممتُ بالكتابة عن المقاومة وعودتها، وعن الهوان الذي تلقّته الأمة بغيابها، وحاولت أكثر من مرة، ولكنني لم أوفق؛ لأنني لم استطع الإجابة عن سؤال هام وهو: ماذا أكتب؟ وماذا أقول؟ وقد تدفقت عبارات الطوفان جملا متتاليات أفعالا، لا أسماء فيها ولا نعوتا ولا حروفا، وإنما آلات ناطقة بالحق الذي ردمته سنوات الخيانة والذل والعار والعمالة والتطبيع والانبطاح الكلي… ولمن أكتب والناس مشدودون إلى شاشات التلفزيون، والهواتف النقالة تتابع الأحداث على المباشر أحيانا؟
مع ذلك بقيتُ أحاول، وكتبت بالفعل سلسلة من المقالات تحت عنوان: طوفان الأقصى إلى أين؟ بلغت ثلاث حلقات، ثم عدلت عن السلسة؛ لأن الموضوع بمستوى من السرعة لا يتطلب الصبر على انتظار الحلقة القادمة… وعزمت على نشر هذه الحلقات في شكل مواضيع مستقلة عن بعضها بعناوين مختلفة، اخترت لها عناوين، وكانت الحلقة الأولى بعنوان “يا تلاميذ غزة علّمونا”، ثمّ واصلتُ الكتابة؛ لأنني لا أؤمن بكذبة “السيف أصدق أنباءً من الكتب”، إذ للكلمة مقامها ومكانتها؛ بل الرأي قبل شجاعة الشجعان، وكما قال المهندس القسامي الأسير عبد الله البرغوثي: “الكلمة الصادقة في ھذا الزمن الصعب قد تكون أقوى من الرصاص وأشد تأثیراً، من العبوات الناسفة” (من كتاب أمير الظل). وعبد الله البرغوثي لمن لا يعرفه، واحدٌ من القيادات القسامية، المتخصصة في اختراق مواقع الاتصال الصهيونية والمؤسسات الرسمية للسلطة الفلسطيتية والإدارات الصهيونية، ومعد العبوات الناسفة ومهندس العمليات الاستشهادية في القدس التي ركّعت قوات الأمن والمخابراتية الفلسطينية والصهيونية، وهو في الأسْر منذ أكثر من عشر سنوات، وما زالت جوانب من ملفات قضيته مفتوحة إلى اليوم، بسبب علاقاتها المتعددة مع فروع المقاومة وخلاياها.
طوفان الأقصى، عملية عسكرية استخباراتية بامتياز، وقد حققت من المكاسب التي من جنسها الكثير، ولكنها حققت في الوقت ذاته من المكاسب العميقة التي لا تتحقق إلا بعمق كبير في إدراك حجم المعركة والمسؤولية تجاهها.
ولا يمكن لهذا المستوى أن يكون غير مفكَّر فيه كما يتوهم بعض المحللين، من أن المقاومة لم يكن يعنيها إلا ملفات الاستخبارات “الشاباك” المتعلقة بالجواسيس في غزة. لقد أدارتْ المقاومة بعلم وحكمة وحنكة قلّ نظيرها في حركات التحرر الوطني التي عرفنا في التاريخ، من بدايتها إلى آخر صورة من صور تسليم الأسرى إلى الصليب الأحمر في دفعتها السادسة، زمن كتابة هذا الموضوع.
لقد أثبتت المقاومة الفلسطينية أن الشعوب هي التي تصنع مستقبلها، وهي المنقذ الحقيقي للأمة من أزماتها.
والشعب الذي خانته نخبُه ومؤسساته التي تمثله في المحافل الدولية وأمام دول العالم، يمكنه أن يكفر بالواقع الذي لم يُنصفه، ويتجاوزه بفعل ما يؤمن به… فالمقاومة في غزة، قد خانها القريب والغريب، بعد أن استثمروا فيها بانتهازية فائقة وخبث وسوء طوية، وتنمّروا عليها؛ بل تآمروا عليها وتواصوا بالخبث والمنكر، وهي تعلم ذلك ولكن ما باليد حيلة فهي محاصَرة من جميع الجهات، ومع ذلك لم يثنها أحدٌ عن فعل ما آمنت به… بل تجاوزت بفعلها البطولي جميع الطروحات المأزومة والمهزومة، وأعادت القضية إلى مربعها الأول، إلى أن قضية فلسطين قضية ينطبق عليها مبدأ تصفية الاستعمار وتقرير مصير شعب مستعمَر.

  لا أظن جهة مهما كانت من السماحة في العالم، تأسر شخصا ومعه كلبه لمدة خمسين يوما وترعاهما، ثم تسلّمه هو وكلبه معا، وتمنيت لو أن المقاومة اعتبرت الكلب في عداد الأسرى، باعتباره مواطنا صهيونيا ردا على الكلب بن الكلب الذي اعتبر الفلسطينيين “حيوانات بشرية”.

لقد قررت المقاومة بنشاطها العسكري والسياسي والاستخباراتي، خلال الخمسين يوما من المقاومة والصبر والاحتساب أن تُسقط اتفاقيات أوسلو 1993 وفكرة الدولتين، أو على الأقل تشكِّك في جدوى تلك الطروحات، وتعيد الأمور إلى بداياتها في سنة 1948، وكذلك كانت جرائم الصهاينة أيضا في حق الشعب الفلسطيني.
وبقدر ما كانت ضربات المقاومة موجعة، كان التصعيد الصهيوني في اتجاه الإبادة والتهجير، وهو النهج الذي سارت عليه الصهيونية في بداية زرع بذرتها الخبيثة، كل ذلك ساعد على إعادة القضية إلى ذلك المربَّع المشؤوم.
كما أثبتت عملية طوفان الأقصى، أنَّ جميع المقررات الدولية التي وُضعت بعد الحرب العالمية الأولى في حاجة إلى المراجعة؛ لأنها غير محترمة من قبل واضعيها أوَّلا، ومن قِبل الأوعية الاستعمارية الجديدة التي صنعتها على عينها ثانيا، فالمقررات الدولية التي وُضعت لصالح الإنسان، لم يخضع إليها لا من الولايات المتحدة الأمريكية ولا الدول الأوروبية، ولا المنظمات الدولية التي من المفروض أنها مؤسساتٌ حيادية، ولا الكيان الصهيوني الذي بدا وكأنه الدولة المظلومة التي تحتاج إلى كل مساعدة.
ولذا، فعلى العالم إعادة النظر في كل ما تقرَّر بعد الحرب العالمية الثانية، في حقوق الإنسان، وتقرير مصير الشعوب وتصفية الاستعمار، ومبدإ الفيتو؛ إذ لا يمكن أن يكون ما قامت به قوات الصهاينة من قصف وتدمير وحرب إبادة أقل ما يقال فيها جرائم حرب مكتملة الأركان، مدعومة بالتأييد الغربي، وأعمال لا علاقة لها بما يخدم الإنسان وحقوقه والدفاع عنه.
لقد أثبتت المقاومة مشروعيتها وعدالة قضيتها بانضباطها وصبرها، وهي تشاهد عشرات الآلاف من النساء والأطفال يتساقطون تحت ضربات القصف الصهيوني الوحشي بجميع أنواع الأسلحة وفي ظل صمت دولي مريب… بل بفعل مسانِد إلى أبعد الحدود، فماذا لو تحركت خلايا المقاومة النائمة والموزَّعة في ربوع فلسطين، بروح انتقامية وفعلت ما لا يعجزها فعله، وقصفت هي الأخرى بعشوائية كل شيء، ألا تأتي على الأخضر واليابس وكما يقول المثل الشعبي “علي وعلى أعدائي”؟! ولكن معركة الوعي التي فقهتها فصائل المقاومة وعلى رأسها حماس والقسام، تنظر إلى الأبعاد الاستراتيجية للمعركة وليس لمجرد الحرص على الغلبة الآنية والفوز بالمعركة آنيا وكفى.
والعبقرية التي ظهرت بها المقاومة في تسليمها للرهائن الإسرائليين وغيرهم ممن كانوا في الأسر عندها، كانت في منتهى الاحترام للكرامة الإنسانية، الذي يتجاوز الحقوق المقررة في الأمم المتحدة… تصوروا معي رهينة تسلَّم هي وكلبها إلى الصليب الأحمر! لا أظن أنّ عمال الصليب الأحمر مرُّوا بحالة كهذه في تجاربهم التي مروا بها… لا أظن جهة مهما كانت من السماحة في العالم، تأسر شخصا ومعه كلبه لمدة خمسين يوما وترعاهما، ثم تسلّمه هو وكلبه معا، وتمنيت لو أن المقاومة اعتبرت الكلب في عداد الأسرى، باعتباره مواطنا صهيونيا ردا على الكلب بن الكلب الذي اعتبر الفلسطينيين “حيوانات بشرية”.
ومن مظاهر الآثار القيّمة والجادة في الساحة السياسية الفلسطينية، عودة اللحمة الوطنية بين فئات المقاومة المتجانسة في غاياتها العليا، وهي تحرير فلسطين، وظهور القوى الشعبية المعبِّرة عن ارتياحها لطروحات المقاومة وما تحققه من مكاسب في الصالح الفلسطيني. ورغم أن الجراح عميقةٌ في غزة والثمن المدفوع باهظ، إلا أنّ ما تحقق بالمقاومة لم تحققه ثلاثون سنة من المفاوضات والوعود الدولية الكاذبة والمهرولين إلى التطبيع جماعات وأفرادا، بمباركة فلسطينية؛ بل بتزكية من سلطة لا تمتلك قرارها، كصورة لشبح سمّوه السلطة الفلسطينية.
المعركة لم تنته، ولكن مهما كانت صور نهايتها، فإنها تجاوزت الأكاذيب الصهيونية، وداست بقدميها الطاهرتين على النفاق الدولي والخنوع العربي، وفرضت على العالم تغيير النظارات التي يشاهد بها الأحداث، لينظر إلى العالم وواقعه من جديد كما يقرره التاريخ الذي لا يجامل ولا يحابي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!