ظاهرة أخطب لابنتك .. تنتشر
يُلمّح بعض الآباء لبعض العائلات لخطبة إحدى بناته، ولا يخالجهم أي شعور بالانتقاص، فليس عيبا أن يختار الأب لابنته من يرى فيه صلاح الدين والدنيا وحسن الخلق وكلنا نعلم بهذه المقولة “اخطب لبنتك قبل أن تخطب لابنك” وبين من يرفض ذلك مباشرة، تذهب بعض العائلات للحيل كالتلميح و الدعاية بشكل مبالغ فيه لبناتها .
لا ترى السيدة “حنيفة” حرجا في اصطحاب بناتها إلى المناسبات الاجتماعية المختلفة، فهي أم لثلاث بنات، تتراوح أعمارهن ما بين 20 و34 سنة، مضيفة أنها من خلال اصطحاب ابنتها الكبرى إلى المناسبات استطاعت أن تجذب الأنظار إليها، مما أدى إلى خطبتها مؤخرا، وهذا ما ستفعله بالنسبة لبقية بناتها، كي يجدن نصيبهن في وقت مبكر، موضحة أنها عايشت بمرارة تجربة عنوسة بعض شقيقاتها بسبب عزلتهن وعدم خروجهن إلا في إطار الحي، لذلك حاولت ومنذ وقت مبكر أن تُبعد هذا المصير المشؤوم عن بناتها، لاسيما وهي تستخدم أسلوبا مهذبا ولبِقا يمكن أن تلجأ إليه الكثير من الأمهات، وهو ليس أسلوبا مستهجنا ينتقص من كرامة الفتاة.
وتتساءل “باية” –طالبة جامعية- “أين المشكل إذا سعت البنت في جهود حثيثة لتتم خطبتها خاصة مع تفاقم مشكل العنوسة في الجزائر؟” . مواصلة “كثيرا ما تحرص الفتاة على التودّد والتقرّب من زميلة لها، لعلها تكون سببا في خطبتها من شقيقها أو خالها”، مؤكدة على أنه ليس من العيب لجوء الأسرة إلى حيل لتزويج بناتها، شرط أن يكون ذلك برضاهن ودون إكراه فنحن –تقول- “نعيش في زمن صعب يعزف فيه الشباب عن الزواج، بسبب تفشي البطالة وغلاء التكاليف”.
وتتحدث “دليلة” في هذا الشأن قائلة “الفكرة ليست فيها إشكالية من الناحية الاجتماعية ولا الدينية، بل العيب في نظرة الناس لمن يفعل أو تفعل ذلك، ومن هنا أخشى أن يخطب الأب أو الأم لابنتهما ويتم الزواج ثم يظل الزوج “يعيّرها” بأنها هي من بحثت عنه ولم يبحث عنها”، مبينة أن مسألة الزواج بالنسبة للبنت شيء له أوانه لذلك تضيف “ينبغي أن لا تستعجل الأحداث وتحاول تسويق نفسها، خاصةً أن مثل هذه الأمور تقلل من قيمة الفتاة واحترامها، ثم أنها تجعلها أقل في نظر العريس المنتظر، وبالتالي فهي الخسرانة في كل الأحوال”. مضيفة “أعرف زوجان ارتبطا حديثا، وحدثت بينهما خلافات كثيرة، كادت أن تؤدي إلى الطلاق لأن الزوج قال للزوجة في مشادة صغيرة إنها ورّطته، حيث إنّ والد الفتاة خطب الشاب من باب المثل القائل”اخطب لابنتك“، مشيرة إلى أنها لو عاد بها الزمان إلى الوراء وبلغت من الكبر عتيا، وشارفت على قرن من الزمان، فإنها لن تتزوج رجلا بحثت عنه ولم يبحث هو عنها!.
من الناحية الشرعية خطبة المرأة للرجل الذي تريده أمرا مباحا وليس مرفوضا في الإسلام، ولكن يتم التعبير عن ذلك وفق شروط وضوابط تضمن الحفاظ على مكانتها وحيائها، بحيث يتم عن طريق غير مباشر كأن تخبر أحدا من ذويه أو أهله أصحاب ثقة بأنها تتمنى ذلك الشخص زوجا لها وأنها لن ترفضه إذا تقدم لخطبتها بحيث لا تحرج الفتاة إذا رفض الزواج بها، ومن هنا تأتي أهمية دور الأب والأم لأنهما يمكن أن يقوما بهذا الدور مثلما حدث مع سيدنا شعيب -عليه الصلاة والسلام- حينما علم أمانة سيدنا موسى-عليه الصلاة والسلام- وخلقه الطيب فقالت إحدى ابنتيه “قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ”، وعندما عرف الأب الذكي اللماح ما تريد ابنته فذهب يخطب موسى لابنته فقال له “قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ” .. ولنا في سنة محمّد -صلى الله عليه وسلم – أسوة حسنة مع أم المؤمنين السيدة خديجة -رضي الله عنها-.
و ظاهرة أخطب لابنتك قديمة في المجتمع الجزائري ففي وادي سوف مثلا تقام ولائم العرسان و تجمع العائلات ببناتها للرقص بشعورهن، و كان الشباب الراغب في الزواج يحضر تلك الولائم و يرش الشاب الفتاة التي تناسبه بالعطر و في ذلك إعلانا بأنه اختارها للزواج …
أمافي العاصمة القديمة فقد كان الأب الذي يرغب في أن يزوج بناته يضع غصن النعناع في أذنه و كان الآباء يتوجه إليه في المقاهي الشعبية لخطبة الفتاة لأبنائهم أو أقاربهم أو حتى جيرانهم .
لقد كانت أيام الخير و البركة و دام فيها الزواج و استقر إلى ما شاء الله .