هل تجد روسيا فرصة في مشروع الجزائر العملاق للسكك الحديدية؟
تتجه الجزائر إلى توسيع شبكة السكك الحديدية لتصبح إحدى ركائز التحول الاقتصادي وربط مختلف مناطق البلاد بمراكز الإنتاج والثروة.
وفي خضم هذا المسار، تطرح قراءة اقتصادية جديدة إمكانية توسيع التعاون مع روسيا ليشمل قطاعًا استراتيجيًا لا تقتصر أهميته على النقل، بل يرتبط بالأمن اللوجستي والتنمية الصناعية واستغلال الموارد المنجمية.
يرى الخبير الاقتصادي قاسي إدير، مدير مكتب استشارات متخصص في العلاقات الحكومية، أن الطموح الجزائري لتطوير آلاف الكيلومترات من خطوط السكك الحديدية خلال السنوات المقبلة يفتح المجال أمام شراكات دولية جديدة، من بينها شراكة محتملة مع روسيا، بالنظر إلى ما تمتلكه من خبرة في مشاريع البنية التحتية الكبرى والصناعات المرتبطة بالسكك الحديدية.
ولا ينظر صاحب الطرح إلى السكك الحديدية باعتبارها مجرد وسيلة لنقل المسافرين والبضائع، بل أداة لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للبلاد. فربط الهضاب العليا والجنوب بالمراكز الشمالية من شأنه، وفق هذه الرؤية، أن يمنح المشاريع الصناعية والمنجمية قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق ومنافذ التصدير، ويعزز في الوقت نفسه الاندماج الاقتصادي بين مختلف مناطق الجزائر.
وتكتسي مشاريع الربط نحو الجنوب أهمية خاصة في هذا التصور، بالنظر إلى ارتباطها بمشاريع استغلال الموارد المنجمية.
ومن هذا المنطلق، تطرح الرؤية التي يقدمها قاسي إدير توسيع التفكير في شبكة السكك الحديدية لتتجاوز بعدها الداخلي، باتجاه بناء ممرات اقتصادية تربط شمال الجزائر بجنوبها وبالأسواق الإفريقية، بما يعزز موقع البلاد كبوابة بين المتوسط والعمق الإفريقي.
ماذا يمكن أن تضيفه روسيا؟
في هذا السياق، يرى صاحب الطرح أن موسكو يمكن أن تكون شريكًا محتملًا للجزائر في بعض حلقات هذه المنظومة، خاصة في مجالات الهندسة، وتصنيع أو توفير معدات السكك الحديدية، وأنظمة الإشارات، وتسيير حركة القطارات، إلى جانب التكوين ونقل الخبرات والتكنولوجيا.
وتقترح الفكرة البحث في امكانية إشراك الخبرة الروسية ضمن سلسلة صناعية وتقنية أوسع، بما يسمح للجزائر بالاستفادة من التجارب المتراكمة في تنفيذ وتسيير شبكات السكك الحديدية والمشاريع الكبرى.
ويبرز هنا عامل آخر يتمثل في الرقمنة، يقول الخبير قاسي، فكلما توسعت الشبكات واعتمدت على أنظمة إلكترونية متقدمة لتسيير حركة القطارات ومراقبة البنية التحتية، أصبحت حماية أنظمة المعلومات والبيانات جزءًا أساسيًا من أمن المنشآت الاستراتيجية.
وفي هذا الجانب، تدعو الرؤية المطروحة إلى أن يبقى التحكم في البنية التحتية الرقمية الحساسة والبيانات والأنظمة المعلوماتية الاستراتيجية بيد الجانب الجزائري، مع إمكانية الاستفادة من الشركاء الأجانب في مجال الخبرة التقنية والتكوين ونقل المعرفة.
تعاون يتجاوز السكك الحديدية
ولا تأتي هذه الدعوة بمعزل عن تطور العلاقات الاقتصادية الجزائرية الروسية خلال السنوات الأخيرة، حيث برزت عدة مجالات كمرشحة لتوسيع التعاون خارج القطاعات التقليدية.
وتندرج الرقمنة والأمن السيبراني ضمن المجالات التي أبدت الجزائر اهتمامًا متزايدًا بالاستفادة من الخبرة الروسية فيها، إلى جانب قطاعات الصناعة والفلاحة والتجهيزات الكهربائية والصناعة الصيدلانية.
كما طُرحت مجالات مرتبطة بالموارد المائية والتطهير ضمن فرص التعاون والاستثمار، في وقت يشكل فيه التعاون الفضائي والعلمي والجامعي والثقافي أحد الأوجه الأخرى للعلاقات بين البلدين.
طرح مستقبلي وليس شراكة قائمة
غير أن المعطى الأساسي الذي ينبغي التمييز فيه هو أن الحديث عن الدور الروسي في قطاع السكك الحديدية، وفق هذا الطرح، لا يعني وجود شراكة روسية قائمة حاليًا بشأن المشاريع الجزائرية الكبرى في هذا المجال.
فمشروع خط بشار–تندوف–غار جبيلات، الذي دخل مرحلة الاستغلال في 2026، أُنجز بمساهمة مؤسسات جزائرية وصينية، من بينها المجمع الصيني ” CRCC ” ومجمع كوسيدار العمومي، من دون مشاركة روسية في المشروع بحسب المعطيات المتاحة.
وعليه، فإن طرح الدكتور قاسي إدير يمثل قراءة استشرافية تقترح توجيه جزء من التعاون الاقتصادي الجزائري الروسي مستقبلاً نحو قطاع السكك الحديدية، في إطار توجه أوسع لتنويع الشراكات الدولية للجزائر في مجالات التكنولوجيا والهندسة والصناعة.
وفي النهاية، لا يتعلق الرهان بمجرد بناء خطوط جديدة، وإنما بما يمكن أن يرافقها من توطين للتكنولوجيا، وتكوين للكفاءات، وتطوير للصناعة المحلية، وتأمين للأنظمة الرقمية، وربط للموارد المنجمية بمراكز التصنيع والأسواق.
وهو ما يجعل السكك الحديدية، في حال توسيع دائرة الشراكات حولها، أحد القطاعات التي يمكن أن تختبر فيها الجزائر مدى قدرة علاقاتها الاقتصادية مع شركائها الدوليين على الانتقال من التعاون التقليدي إلى شراكات صناعية وتقنية ذات قيمة مضافة أكبر.