آن لهؤلاء المسؤولين الرحيل.. وسنُعاقب المتآمرين على الحج
كشف محمد عيسى وزير الشؤون الدينية والأوقاف في هذا الحوار الشامل للشروق عن جملة من القرارات التي ينوي اتخاذها في قطاعه خلال الأيام المقبلة، بينها القيام بحركة واسعة بالإعفاء من المهام والإحالة على التقاعد والتحويل، تمس الإطارات المسيرة للقطاع والتي بدأت بالإدارة المركزية بالوزارة وستمتد إلى مديري الشؤون الدينية في الولايات، وحركة أخرى ستمس الإطارات المسيرة للديوان الوطني للحج والعمرة، الذين قال إنّ أغلبهم متقاعدون من قطاعات أخرى وجاءوا إلى قطاع الشؤون الدينية للعمل في الوقت بدل الضائع على حد وصفه، وبدا الوزير متذمّرا من حالة الديوان خصوصا بعد أن اضطر إلى التّدخل شخصيا وتجميد العمل بدفتر الشروط الجديد الذي قال إن مدير الديوان اعتمد على استشارة واحدة عكس التزام الوزير الذي وعد باستشارة الشركاء من وكالات سياحية عمومية وخاصة، من جهة أخرى اعترف الوزير بالإختلالات الموجودة في القانون الأساسي، وقال إن الوزير الأول أذن بمعالجتها، وانتقد النّظام التّعويضي لموظفي القطاع الذي قال إنه يبخس حقوق الأئمة وباقي الموظفين، ولم يتردد الوزير في الإجابة على كل الأسئلة حول التجاوزات المسجلة في تنظيم عملية الحج وأسباب فشل المسار الالكتروني لإسكان الحجاج، وتكلم عن لقاءات مصارحة ومحاسبة مع المسؤولين، وكان للتقرير الصادر عن الخارجية الأمريكية نصيبه من انتقادات الوزير الذي تكلم عن أخطاء تضمّنها التقرير كاعتبار الإباضية أقلية مع أنهم لا يعتبرون أنفسهم كذلك، وكذا زعم التقرير بوجود 1 بالمائة من الجزائريين غير مسلمين، وهو ما يعادل 400 ألف جزائري!
يسجل المعنيون بقطاع الشؤون الدينية ثغرات عديدة في القانون الأساسي لموظفي القطاع، من حيث وجود رتب محرومة من الترقية، على غرار المؤذن وأستاذ التعليم القرآني، هل هناك عمل في الأفق لتغيير هذه الوضعية الغريبة؟
فعلا سجلنا في الوزارة العديد من الاختلالات بينها هذا الخلل، الذي نتصور فيه شابا بمستوى الثّانية الثّانوي ويحفظ القرآن الكريم، ويتخرج من المعهد كأستاذ للتعليم القرآني، لكن يُحرم من التّرقية لا في صنفه، ولا في صنف آخر، وقد ينال الدّكتوراه ويبقى يتقاضى راتب أستاذ التعليم القرآني، وأنا أتمنّى أن يكون المشكل فقط في القانون الأساسي للقطاع، لأنّي التزمت مع الأئمّة والنّقابات أن أُصلح الخلل، لكني أخشى أنْ يكون للأمر علاقة بالقانون الأساسي للإطار الذي يحكم الوظيفة العمومية، حينذاك لا بدّ من مراجعة الأمر بشكل أشمل، وعموما أنا التزمت بتقديم مقترحات للوظيفة العمومية تحت رعاية الوزارة الأولى، وقد طلبت من النقابتين أنْ تقدِّما مقترحاتهما مع التّركيز على النّقاط الأهم في القانون الأساسي، وقد تلقّيت اقتراحا من النّقابة المستقلة، وأنتظر اقتراح التّنسيقية التّابعة للمركزية النّقابية، وعموما نحن مأذونون من قبل السّيد الوزير الأول بفتح ورشة القانون الأساسي ومراجعته فيما لا أثر مالي له في الظرف الحالي، عدا ما يتعلق بالترقية بعد التكوين، أو فتح المعابر بين رتبة وأخرى، لكن ليس في الزيادة في الأجور، بسبب الأزمة وبسبب أننا لسنا مأذونين في ذلك .
يطالب الأئمة بمنحة التعويض عن العمل أيام العطل وفي الليل..كيف تتعاملون مع هذه المطالب؟
مهما كان، فإنّ الإمام موظّف عمومي، وإذا كان يضحي للقيام برسالته من حقه أن لا تهضم حقوقه المهنية، والنّظام التعويضي هو نظام تفاوضي، غير أن المفاوضة التي حدثت في أول نظام تعويضي لم تأخذ بعين الاعتبار الكثير من الالتزامات الواقعة على الإمام، هناك الكثير من الجهود التي يبذلها الإمام ليست مثمّنة .
مثلا المهام التي يقوم بها الإمام خارج المسجد؟
نعم.. هناك الكثير من المهام ليست مثمّنة، لا توجد منحة للخطر مثلا، فالإمام يغادر بيته على الثّالثة والنّصف صباحا، وقد يتعرّض لكل المخاطر، وتتأكّد هذه المخاطر إذا كان للإمام مواقف قوية ضد التّطرف وضد المظاهر السلبية في المجتمع… لا يوجد تعويض لهذا ولا تعويض على الهندام، فقميص الإمام لا يسقط من السماء ولا بد من أخذه بعين الاعتبار في النظام التعويضي، ولا بد كذلك من منحة التوثيق، فالإمام بحاجة إلى مكتبة خاصة وكمبيوتر وأنترنت.
متى يستفيد الموظف من هذه المنح التي تتحدث عنها؟ هل من جدول زمني؟
الوزارة بادرت قبل مطالبة النقابات بتقديم طلب إلى السّيد الوزير الأول بمراجعة النظام التعويضي، وطلبنا أمرين، إما أن نكون قطاعا خاصا متميزا عن الأصناف الأخرى، أو نصنف كما صنف أساتذة التربية الوطنية، حيث يكون الإمام الأستاذ مثل أستاذ التّعليم الثانوي والمدرس كأستاذ التعليم المتوسط، وهكذا، وقد التمسنا تجاوبا من الحكومة، لكن بعد هذا دخلت الجزائر في أزمة اقتصادية، والآن أنا أؤكد أني أتفهم الصعوبات التي يعيشها موظفو القطاع، لأن الإخوة في النقابة يعتقدون أن الوزير لا يريد تسوية المطالب، وأنا أقول أن الأزمة هي التي منعتنا، لكن المجال مفتوح، ولا مانع من أن أجلس معهم حول النّظام التعويضي للبحث عن طريقة يمكن أن نعالج بها المشكل، ولن أتردّد في أن أرفع من جديد مطالبهم للوزارة الأولى لعل تكون هناك استجابة ولو جزئية، وقناعتنا أن الإمام الذي يقوم بأهم رسالة في المجتمع ينبغي أن يأخذ تعويضا حتى لا يكون محتاجا لغيره.
بعض الأئمة يتحدثون عن مفارقة تحدث لهم مع السلطات المحلية التي تستعين بهم في عمليات الترحيل لتهدئة الغاضبين، لكنها تتجاهل وضعيتهم، وفيهم من يسكن في بيوت القصدير أو في مقصورة المسجد؟
مشكل السكن مشكل وطني ويمس كل الفئات، وعلى الإمام أن يتقدم بطلب الحصول على السكن كمواطن حسب الصيغ الموجودة، أمّا ما يتعلق بالسّكن الوظيفي، فالوزارة تحرص أن يتم توجيه المساعدات التي نعطيها للجمعيات الدّينية لسكن الإمام، من جهة أخرى، نحن ننسق مع الولاّة لتخصيص قطع أرضية تكون مجاورة للمساجد، لبناء سكنات للأئمة، وذلك يحدث في الأرياف كذلك.
وقد راسلنا كل مديريات الشؤون الدينية بالولايات لإحصاء الأئمّة الذين تقدموا بطلبات الحصول على السكن بمختلف الصيغ، مع إعطاء رقم الطلب وتاريخ الإيداع، وسوف أتوسط لدى وزير السكن حتى يأمر مصالحه في الولايات للتكفّل بهؤلاء حتى لا يُهمشوا ويعطى لهم حقهم في السكن، وهناك من يسأل أين وصل ملف الوساطة، فأقول أن الملف ينتهي عندما تكتمل التقارير الواردة من مديرياتنا في الولايات ولم تبق إلا خمس ولايات لم تقدم قوائمها، عندها سنراسل مباشرة وزير السكن.
هناك تصريحات على لسانك وصفت فيه الإمام الذي يطالب بزيادة الأجر الشهري بـ”أكل السحت”.. هل هذا صحيح؟
أبدا… أنا لم أقل هذا، وإذا قلت هذا الكلام سأكون شتمت نفسي، البيان جاء في إطار العلاقة الاجتماعية بين الجمعية الدينية وبين الإمام، لأن الكلام المتداول أنّ الجمعية الدّينية ضد الإمام، وأنا قلت أنّ الجمعية الدينية تمثّل المجتمع.
لكن الواقع الذي ينقله مراسلونا من الولايات، يقول إن أصحاب “الشكارة” من أعضاء هذه الجمعيات أصبحوا “يتغوّلون” على الإمام ويتدخلون في صلاحياته؟
قوانين الجمهورية تعطي الصلاحية المطلقة للإمام، أي إمام يشكو من هذا الضغط، وغمطه المدير الولائي حقه، ستسمع له الوزارة، وسوف أمارس كل السلطات المخولة لي كوزير حتى يبقى المسجد تحت مسؤولية الإمام فقط، وليس للجمعية الدينية صلاحية مسؤولية المسجد وإنما فقط تسيير المرفق من حيث النظافة والصيانة والتوسعة والبناء، وعندما تختل المعادلة وتصبح الجمعية هي التي تسير هنا يمكن وصف الأمر بأكل السحت، كأن يقول الإمام أنا “ناكل خبزتي” وانتهى الأمر.
بالمناسبة، كيف تفاعلتم مع الدعوة إلى تقليص صلاة الجمعة إلى خمس دقائق فقط؟
أنا لا أتصوّر أن يُساوم الإمام المجتمع في دينه، وأعتقد أن هذا الكلام وإن قيل فعلا لا أعتقد أن مقصودا بذاته… لعله نكتة وأنا اعتبرته نكتة فعلا، لأنه لا يوجد في الجزائر إمام يقول إذا لم تدفعوا لي كذا لا أصلي بكم أو أقلص الخطبة أو أنقص من عدد الركعات، أو أصلي بلا وضوء… الأمر كان نكتة وتبقى الأخلاق الفاضلة هي الطريقة التي يضغط بها الإمام.
هناك من يتكلم عن التّكوين المستمر الذي يخضع له الأئمة بأنه أصبح مجرد لقاءات رسمية لإعطاء تعليمات الوزارة؟
نحن بصدد مراجعة منظومة التّكوين، وسيكون لنا برنامج بحسب حاجة المجتمع، لابد من إدراج محاضرين في القضايا الفكرية والاقتصادية والنحل الجديدة ومكافحة الإرهاب وليس مجرد تلقي دروس في الفقه.
الكلام على التكوين يجرنا إلى موضوع أكثر أهمية، وهو المرجعية التي تتكلم عنها أنت كثيرا، لكن إلى الآن لم يتم الاتفاق على محددات هذه المرجعية، وهل تبدأ وتنتهي عند المذهب المالكي في الفقه؟
المرجعية الدينية الوطنية هي مصطلح بإمكانك أن تملأه بما شئت، ونحن لا نريد أن نضمنه فقط بإطاراتنا، لأننا التزمنا بأننا سنفتح النّقاش، للتحضير للقانون التّوجيهي لقطاع الشّؤون الدينية، وأول ورشة هي المرجعية الدينية الوطنية، وأنا على يقين بأن سجالا فكريا سيفتح في الجزائر، بمشاركة رجال الإعلام والفكر والأئمة وشيوخ الزوايا وأصحاب الأفكار والنحل والأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية، وسنجيب سويا على سؤال: هل لنا في الجزائر نمط للتدين؟ وعموما فإن الدين الذي هو وحي من السماء ليس بحاجة إلى أن يؤطر بمرجعية، وفهم الكتاب والسنة ليس حكرا على الجزائريين، لكن طريقة التطبيق التي تأخذ بعين الاعتبار المصلحة والعرف والعادات والتقاليد، هي التي نعتبرها معالم لتدين جزائري، وما يخرج عن هذا الإطار نعتبره ضيفا أو وافدا خارجيا.
مثل التوجه السلفي والتشيع؟
مثلا… وإن كانت أدبيات جمعية العلماء تشير إلى التّوجه السّلفي عند العقبي الذي يسجّل نفسه في هذا الاتّجاه، ما أقصده أنا أن نعطي هوية لتديننا، وهذه الهوية تعفينا من إصدار قوانين ردعية، فمن الواجب أن يخدم الخطاب المسجدي المجتمع، وأن يجمع الكلمة ولا يفرقها، وأن يكون منفتحا على المذاهب الأخرى، ولا ننفي بأن المذهب المالكي هو الأساس، لكن من خصاله أنه منفتح على المذاهب التي عايشها، لا بد من إيجاد صيغة دون قرار مسبق، فنحن نرفض ترسيم المذهب المالكي، لأن ترسيمه سيدعو غيره من المذاهب إلى المطالبة بالتّرسيم، بل سيدعو كل صاحب فكرة إلى التّرسيم، ونحن لسنا دولة طائفية، والأمر الوحيد الذي نقننه ونرسمه هو أن الإسلام دين الدولة.
بخصوص الهيئة الوطنية للإفتاء المزمع إنشاؤها… هل من إطار زمني؟ بمعنى متى سترى النور؟
ملفنا جاهز، لكننا في انتظار معرفة مصير المجلس الإسلامي الأعلى في الدّستور الذي سيتم تعديله، وعليه نحن محتفظون بوثائقنا إلى ما بعد مراجعة الدّستور، فإذا احتفظ المجلس الإسلامي الأعلى بصفته هيئة استشارية لدى رئيس الجمهورية، وترك الإفتاء للوزارة عندها سننشئ هيئة مستقلة للإفتاء وستكون مؤسسة تداولية لمدة ثلاث سنوات وستضم كفاءات من أسرة الأئمة ومن الزوايا ومن الجامعة، وعندما يتداولون في مختلف القضايا لا بد من العودة إلى أهل التخصص كالأطباء والاجتماعيين وعلماء النفس والاقتصاديين.
وقبل ذلك وفي ظل عدم قيام المجلس الإسلامي الأعلى بالإفتاء، ألا ترى أن هذا المجال مفتوح الآن على الفوضى، حيث تقوم العديد من الشّخصيات الدّينية بتقديم الفتوى على الفضائيات، هل تتابعون نشاط هؤلاء وهل تفكرون في تأطير عملهم؟
الإفتاء لا يتوقف في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، هناك المجالس العلمية التي تقوم بدورها، ونحن طرف في الكثير من القضايا، في العدالة عندما يطلب القاضي رأينا في قضية ما، وأعضاء المجالس العلمية يفتون في الإذاعات المحلية وبالهاتف وعلى الانترنت، وبعضهم في التلفزيون العمومي بكل قنواته، أمّا ما يتعلق بما يحدث في الفضائيات الخاصّة فالظّاهرة موجودة في كل البلدان بما فيها مصر التي فيها الأزهر الشريف، وفي السعودية وفي كل الدول، وهو فضاء يمكن تنظيمه بالقوانين، وأنا كل مرة أشاهد فتوى ليست متناغمة مع المنظومة الوطنية على القنوات الخاصة، أزداد قناعة بضرورة وجود هيئة وطنية إما على مستوى الوزارة أو المجلس الإسلامي الأعلى، أو على مستوى سلطة الضبط، أو باتفاق الفضائيات التي تخدم المجتمع دينيا، المهم أن تكون لدينا هذه الهيئة.
يعني أنت تدعو كل هذه الأطراف إلى المساهمة في إنشاء هذه الهيئة؟
بالضبط… هذا هو النّداء الذي رفعناه، وهذا ما نعمل عليه الآن، وبالتّعاون مع وزارة الاتصال سوف ننظم لقاء وطنيا للبحث في آفاق وطرق التعاون لخدمة الانشغال المرجعي كوسطية الإسلام، ونبذ التطرف، وعدم مهاجمة الاختيارات الدينية الوطنية، وبالنسبة للحالات التي كان فيها التشنج فقد نبهت لها وزارة الشؤون الدينية وقد تكفلت بالموضوع شخصيا في بيان خطورة رأي ديني مبني على خلفية إيديولوجية أو خلفية سياسية، لأننا عندها سنعود لحكاية توظيف الدين لغرض أو آخر، والملتقى الدولي الذي نظمناه في مستغانم حول الخطاب الديني في وسائل الإعلام أظهر لنا أن هناك الكثير من الأشياء التي سنقوم بها بالتنسيق بين الوزارة ووسائل الإعلام.
هل نتوقع حركة في سلك مديري الشؤون الدينية على مستوى الولايات، خصوصا أن هناك من يشير إلى وجود مديرين لا يمثلون روح القطاع، أي لا يلتزمون بالتعاليم الدينية كالصلاة مثلا…كيف يتولى مسؤولية الشؤون الدينية من لا يصلي؟
أنا لا أعرف مدير شؤون دينية لا يصلّي، وإذا عرفت أحدا سأنصحه، وعموما هي وظيفة سامية تتطلب شروطا قانونية لا أخلاقية، هذا الكلام أقوله نظريا، لكن في الواقع أقول أن مشكلتي ليست في المدير الذي لا يصلي، مشكلتي في المدير الذي لا يقوم بمهمته في تسهيل الحياة الدينية في ولايته، ويقوم بعرقلتها بالبيروقراطية، يرفض إعطاء رخص لفتح مساجد، يعرقل ويصعّب اعتماد الجمعيات الدينية، يصدر قرارات ارتجالية بنقل أئمة وسط العام الدراسي دون مراعاة وضع الإمام، هذه هي الصعوبات التي نواجهها، لقد أعطينا تعليمات لكل المديرين الولائيين بتخصيص يوم كامل لاستقبال الأئمة والنظر في انشغالاتهم.
إنّ الكثير من التشنجات تحدث عندما يشعر الناس أن الإدارة ضدهم في موضوع ممارسة حياتهم الدينية، ويحكمون بأن الإدارة لا دينية، فوقع الصدام.. نحن لا نريد تكرار هذه التّجربة، فالكثير من المديرين الذين بقوا مدة طويلة في مناصبهم سوف تقترح أسماءهم على رئيس الجمهورية لإعفاء مهامهم أو إحالتهم على التقاعد، وهناك الكثير من المديرين الذين لم يستطيعوا أن يواكبوا مقتضيات العصر سندعوهم إلى أن يستريحوا، وأن تخلفهم كفاءات سأبحث عنها في أسرة المساجد، أي تكون من الأئمة والأئمة الأساتذة، والمفتشين ورؤساء المصالح، ومديري المعاهد والمراكز الثقافية الإسلامية، وكلهم شياب واع ويحملون شهادات وأثبتوا أنهم بإمكانهم الاستجابة للديناميكية الجديدة في القطاع، مما يضمن لنا حياة دينية بعيدا عن البيروقراطية، وينتهي ذلك الانطباع العام بأن الإدارة ضد الدين.
متى ستكون هذه الإقالات التي تتحدث عنها؟
لقد بدأت الجريدة الرسمية تنشر أسرارنا.
هل تعني أن الحركة تمت وانتهى الأمر؟
الحركة تمت ولكن جزئيا، على مستوى الإطارات المركزية وهي متواصلة، وسوف تنشر الجريدة الرسمية المزيد من القرارات.
وهل تشمل مديري الولايات؟
نعم، تشمل مديري الولايات.
كم عدد الولايات التي مستها الحركة؟
الكثير من الولايات مستها الحركة، وستشمل العملية المزيد من الولايات إما بالتحويل أو إنهاء المهام أو بالإحالة على التقاعد. ويبقى الهدف من كل ذلك، أن الإسلام دين الدولة على الوثائق ينبغي أن يترجم في حياة الناس.
إذا لاحظت فقد أنهينا مشكلة أذان الظهر على الواحدة و20 دقيقة، لأنه كان قرارا إداريا ولم يكن فتوى دينية، وقد أصبح الأمر أحسن بالعودة إلى السنة، أي الأذان بعد الزوال، وكذلك الأمر بالنسبة للزكاة التي أنهينا التشنج بعد أن أصبح سبع أثمان للفقراء، وكذلك الإحرام في الطائرة، فإنّ “الكلوفية” هم الذي أحدثوا ضجة حول الإحرام في جدة، لكننا أصرّينا على إزالة التّشنج، نحن نريد للتدين أن تكون له مظاهره الكاملة في المجتمع ولا يمكن أن نضيق عليه.
نمر إلى موضوع الحج والعمرة، تكلمتم قبل موسم الحج عن ضمان حج الكرامة من خلال آلية المرافقة التي يبدو أنها فشلت، لدرجة أصبح فيها الإمام يوزع الطعام ويبحث عن التائهين بدل الإرشاد الديني؟
سأكون نزيها معك وأقول من هذا الإمام الذي وجد نفسه يقوم بهذا العمل؟ من الإمام الذي حمل الحقائب وبحث عن التائهين، من يفعل هذا له نفس نفسية الإمام الذي يخضع للجمعية الدينية، كل رحلة كان يرافقها إطاران من الحماية المدنية، أما الإمام فمهمته الجانب الديني، آلية المرافقة سمحت لنا بتحديد دقيق للمسؤوليات، وحولت الدّيوان إلى مجموعة من الوكالات إن صح الاصطلاح، وإذا وقع خلل في دور الإمام فسببه الخضوع والانكفاء… وعموما فإن تقييم عملية الحج لم تكتمل بعد.
يعني أنكم لم تحصروا التجاوزات التي حصلت؟
نحن نحصرها تدريجيا، حيث قمنا بتقييم أولي يوم 10 نوفمبر، وسنرفع تقريرا إلى الوزير الأول، والتقويم الحقيقي يحصل بين الديوان وإطارات الوزارة، وإطارات الصحة والحماية المدنية في جلسة مغلقة، تكون فيها مصارحة بالأسماء، وكل إطار أهدر كرامة الحاج سيعاقب.
لكن المسار الالكتروني الذي استحدثتموه فشل فشلا ذريعا حسب ما بلغنا بعد أن تم برمجة نساء ورجال في نفس الغرف دون مراعاة مسألة المحرم؟
لعل برمجة النّساء والرّجال في فضاء واحد هي المشكلة الأكبر، وأنا أقول بمجرد وقوع الخطأ تم حله في وقته، وعموما فإن جهاز الكمبيوتر يتعامل مع العمارة حجرة حجرة، الخلل وقع بعدم إعطاء معلومة أن الحجرتين تقعان في حيز مغلق مع مطبخ واحد وبيت وضوء واحد، وحدث الإشكال وتم معالجته، غير أن الموضوع أخذ أكثر من حقه في الإعلام. وقد استفدنا من هذه التجربة.
وقد وقع خلل آخر بعدم تسجيل بعض الحجاج في المسار الالكتروني، وكنا مضطرين لاستخدام الطّريقة القديمة، والسّبب أن أحد المكلفين بالمسار الالكتروني في ورقلة تحديدا قام بالعملية تلقائيا بوضع الجوازات مع بعضها دون معرفة العلاقة بين الحجاج، وعموما فإن المسار الالكتروني نجح سوى بعض الاختلالات ويجب أن تعلم أن البعض أساء ورفض التعاون في موضوع المسار الالكتروني، بسبب عدم إرساله ضمن البعثة.
هل تريد القول أن جزءا من الخلل كان متعمدا؟
طبعا.. هناك من حاول إجهاض العملية برمتها بسبب عدم وجود اسمه ضمن البعثة، وعموما فإن المسار نجح بنسبة 60 إلى 70 بالمائة.
وهل هناك إجراءات عقابية ضد الذين ثبت تورطهم في محاولة إفشال العملية؟
نعم، على مستوى عناصر حجز المعلومة حصل الخلل وستتخذ إجراءات ضد المتورطين.
على مستوى الولايات؟
نعم.
دائما في نفس الموضوع، هل أنت راض على أداء ديوان الحج والعمرة، ولماذا تم إلغاء دفتر الشروط الذي أقره الديوان؟
في الحج أم العمرة؟
في كليهما؟
ما يتعلق بالحج حقّقنا انتقالا نوعيا، صحيح أننا لم نصل إلى كل الأهداف، لكن حققنا تقدما، والحجاج شعروا بالتّغيير والتّحسن، لقد أدخلنا التّقنية في التّسيير، أدرجنا الوجبات للحجاج.. وعموما أنا راض على الأداء مع أنه لا يمكن الحكم على التّجربة من سنتها الأولى.
لكن في اعتقادي أنّ الديوان يجب أن يجدّد هياكله، يجب أن نعلم أن الديوان تجدد في رئاسته فقط، ولا بد أن يتجدد في إطاراته، وهي كلها إطارات متقاعدة أكملت مسارها المهني في قطاعات أخرى، ثم جاءت إلى قطاع الشؤون الدينية والأوقاف، لتعمل في الوقت بدل الضائع، هؤلاء غالبا لا يرجى منهم شيء، وأنا دعوت السّيد مدير الديوان إلى أن يقترح إطارات كفؤة شابة ولها تطلع إلى التحسين في التّسيير والفندقة والإطعام والمعلوماتية، صحيح أننا استعنا بمهندسين ذوي مستوى عال، ولكن لازال أمامنا الكثير، ولا بد من الانتهاء من مسألة التّأطير، وعموما فإن تقييم تجربة الدّيوان هي موضوع اللقاء القادم وستكون فيه مصارحة وتحميل المسؤوليات واتخاذ الإجراءات.
وماذا عن إلغاء دفتر الشروط الجديد؟
الموضوع بسيط، لأنني التزمت بمراجعة دفتر الشروط بالتشاور مع الوكالات السياحية، ودفتر الشروط الجديد الذي اقترحه مدير الديوان كان بعد استشارة واحدة وهي استشارة خبرة بعض القطاعات الوزارية التي تشاركنا في مجلس الإدارة، وهذا لا يكفي، لذلك أنا طلبت من السيد مدير الديوان تجميد الدفتر الجديد والعمل بالقديم ريثما تلتقي بالوكالات السياحية للنقاش حول تحسين ظروف أداء العمرة، حتى لا تتكرر تلك المشاهد لمعتمرين يتحولون إلى حراقة في المطارات السعودية، وتراسل السلطات السعودية الخارجية الجزائرية بأن مواطنيكم في وضعية غير قانونية في مطاراتنا.
أعود إلى إعادة هيكلة ديوان الحج والعمرة، هل أعطيتم مهلة لمدير الديوان ليقوم بذلك؟
لم أعط مهلة، الأمر للمدير العام الجديد، صلاحياته أن يقترح، وصلاحيات الوزير أن يقوم الاقتراح ويصادق عليه، وبمجرد المصادقة على الاقتراح يصبح المعني إطارا بالديوان.
في موضوع الزكاة، الأئمة يتحدثون عن صندوق الزكاة الذي أصبح عبءا عليهم في المسجد وباتت المساجد تتعرض للسرقة بسببه، كما أن الموظفين باتوا محل اتهام كذلك… إلى متى تبقى هذه الصناديق في المساجد؟
نعم… قد يتهمون بالتورّط وخصومهم يجدون حجّة إضافية لتوريطهم، أنا أتفق تماما مع هذا الطّرح، لأن وجود صندوق خشبي أو حديدي داخل المسجد يسيء لصورته.
لماذا يسيء؟
بمعنى أنّه لا توجد أمانة المسجد… أنا أقول تلميحات فقط، ولكن سيأتي الوقت الذي أتخذ فيه القرار الذي أتردد فيه، لأن محيطي من إطارات ومستشارين لا يريدونه.
هل هذا القرار هو إلغاء الصندوق؟
بالضبط.. عندما بدأ الصّندوق كفكرة كنّا نقصد به البريد الجاري، وليس صندوقا حديديا في المساجد، وقد حصل اجتهاد في تسييره، وتم فتح الصّندوق في المساجد، وأصبح يستدرج اللّصوص وغير اللصوص، وأنا أشفق على الإمام، لأنّي أريد أن ينحصر دوره في موضوع الزكاة في ما يقوله على المنبر وما يقوله للأثرياء لا أن يتكفل الإمام بالتسيير المالي للصندوق، وأنا أقول قرار حذف صندوق الزكاة من المسجد هو قضية وقت وفقط، لأن منطق التسيير يقتضي الاكتفاء بالحساب الجاري فقط، خصوصا ونحن مقبلون على مشروع الزكاة الالكترونية سنة 2016، وسنستفيد من بطاقة التعريف الالكترونية الوطنية في معرفة المحتاجين الحقيقيين.
برزت مؤخرا قضية شيوع وانتشار الأفكار المنحرفة إلى السّطح، حيث كانت محل تصريح مثير لكم قلتم فيه إننا على علم بكل التّحركات، هل لديكم فعلا معلومات دقيقة عن الأمر؟
عندما قلت إن هناك توسعا خطيرا لبعض الأفكار المنحرفة، فأنا تكلمت عن قوائم بأسماء أشخاص نعرفهم جيدا بأسماء آبائهم وأمهاتهم، ومحال إقامتهم، وأماكن اجتماعاتهم، وعلاقاتهم وطرق تمويلهم، ونحن لا نتكلم من فراغ، ولا نشير إلى بعبع نتخيله، نحن نتكلم عن خطر صرح به رئيس الجمهورية، الذي قال بأن الخطر الذي أصاب العراق واليمن وسوريا هو مبرمج للجزائر، وهو خطر الطائفية، وما قمنا به هو عملية تحسيس، لأنّ الأمر لا يتعلق برأي ديني، ولكن بولاء خارجي وأنا لا أستثني أحدا من التيارات المرتبطة بالخارج، وقد بدأوا برد الفعل من خلال الشكاوى محليا أو إلى الخارج، أنا دعوت للتأهب على مستوى العائلات وفي المجتمع، وقد بادرت وزارة الشؤون الدينية إلى إنشاء المرصد الوطني للانحراف النحلي والتطرف الديني، وهنا نسجل أن الانحراف هو التشيع لا الشيعة، نحن لا نحارب الأفكار والقناعات، ولكن نحارب السلوكيات الخاطئة، نحن لا نتكلم عن السلفية كنمط تدين، ولكن نتكلم عن حركات إيديولوجية تنشر أفكارا لتغيير نمط تدين الجزائريين. نريد أن يكون لنا نص قانوني ينظم هذا الأمر، وهو ما سنبادر به في إطار عمل الحكومة.
ألا يدخل ذلك في خانة التضييق الذي تحدث عنه تقرير الخارجية الأمريكية؟
الخارجية الأمريكية تعلم أن ممارسة الحقوق حسب المواثيق الدولية مشروطة بأن لا يرجع على النظام العام للدول بالخلل، فمثلا إذا جاءت جهات أجنبية وفتحت كنائس وبدأت في نشر المسيحية فهذا يوقع خللا في المجتمع، كما أن قوانيننا هي قوانين سيادية والتقرير الأمريكي يهاجم قانون 0206 مكرر، وهذا القانون جزائري ويحدد شروط ممارسة العبادة في الجزائر، ومن التزم بها فهو حر في ممارسة أي عبادة، ولا أحد يتدخل في شؤون المسحيين من كل الجنسيات الذين يقيمون القداس داخل الأماكن المخصصة لهم، لكنهم سوف يُغرّمون إذا خرجوا من تلك الأماكن ودخلوا الأحياء الشعبية والمؤسسات التعليمة ودعوا إلى دينهم بتوزيع مطويات مثلا.
وبخصوص تقرير الخارجية الأمريكية فهي مجرد ملاحظات، وقد فتحنا حوارا مع ممثليهم في الجزائر، والتقرير يتحسن سنة بعد سنة، لكن مازلنا ضحية عمل لوبيات تحاول تسويد الوضعية في الجزائر، وتحاول إعطاء الصورة التي كانت سائدة خلال التسعينيات، ونحن لا ننسى أنه خلال هذه السنوات كان هؤلاء ينتشرون في القرى ويقولون دين عيسى عليه السلام خير من دين محمد صلى الله عليه وسلم، مستغلين ما كان يحدث، مع تقديم إغراءات الفيزا والعمل وغيرها.
وهناك أمر خطير ورد في التقرير الأمريكي لم ينتبه إليه أحد، لما يقول بأن 99 بالمائة من الجزائريين مسلمون، لذلك أقول: هل 1 بالمائة من الجزائريين غير مسلمين، من أين جاءوا برقم 400 ألف جزائري غير مسلم؟ من فرضه علينا ومن أملاه ومن أي إحصاء حصلوا عليه؟
ما هي إحصائياتهم الرّسمية لغير المسلمين في الجزائر؟
القائم بأعمال الأسقفية العامة في الجزائر يقول إن أغلب المسيحيين في الجزائر هم ضيوف أي أجانب، والمتنصرين هم أقلية وعددهم قليل جدا يستحيل أن يكون 1 بالمائة من الجزائريين، اللهم إلا إذا اعتبر التقرير الإباضيين غير مسلمين بإدراجهم ضمن الأقليات، وبأي حق يدرجهم في الأقليات، وهم ذاتهم لا يعتبرون أنفسهم أقلية، لأنه لا فرق بينهم وبين باقي الجزائريين، وهذا ما شجع الصدر لإدراج الشيعة معهم.
لا بد من دحض هذه الادعاءات، الجزائر دولة مسلمة وتأوي غير المسلمين، وتأذن لغير المسلمين بممارسة شعائرهم في إطار احترام القوانين، وهي لا تتابع قضائيا الذين يتنصرون، لكن اجتماعيا من حق العائلة أن تحرم ابنها من الميراث لأنه تنصر، ومن حق الزوجة أن تطلب التطليق من زوجها، لأنه تنصر، فتاوى العلماء تبقى مستمرة في هذا الشأن.