أبناء وأحفاد وزوجات “رموز كبيرة” يمارسون البزنسة باسم التاريخ!
كثير من عائلات أعلام ورموز الفكر والسياسة في الجزائر، وفور وفاتهم تسارع إلى تأسيس فضاءات تحمل اسمها بذريعة المحافظة على الموروث الثقافي، الذي تركه الفنان فلان أو المفكر علان أو السياسي الراحل، غير أن الملاحظ على أرض الواقع، ومع مرور الوقت وتراكم التجارب، أن تلك المؤسسات عجزت حتى في التعريف بالأشخاص الذين تحمل اسمهم لأسباب أو لأخرى، فما هي مبررات فشل القائمين على هذه الهيئات غير الحكومية، في تنفيذ المهمة التي تأسست من أجلها؟ وما هي الدوافع الحقيقية وراء تهافت هذه العائلات على إنشاء مؤسسات ثم إهمالها وتضييع الاهداف التي تأسست من أجلها فيما بعد؟ وهل الدولة تفرض رقابة على هؤلاء الاشخاص الذين اصبحوا “يتاجرون” بهذه الرموز، ولماذا تأخرت أنيسة بومدين، عن إنشاء مؤسسة تخلّد اسم ومسيرة الرئيس الأسبق الراحل هواري بومدين؟
من بين أبرز المؤسسات تلك التي تحمل اسم الأمير عبد القادر، والتي تأسست قبل 20 سنة، غير ان هذه الاخيرة لم تنجح في ردّ الجميل لمؤسس الدولة الجزائرية، الحديثة ولو بقدر قليل، وبدل العمل على نشر فكر الأمير عبد القادر في هذه الاجيال، أصبح الصراع هو الغالب على المؤسسة التي يديرها منذ ميلادها أحفاد الأمير عبد القادر، خاصة بعدما رفض محمد بوطالب، التنحي عن رئاستها في السنوات الاخيرة، وإصراره على البقاء رغم تقدمه في السن وعدم تمكنه من إدارة شؤونها، الأمر الذي دفع حفيدا اخر للأمير عبد القادر، لتحريك دعوى قضائية ضد محمد بوطالب، خاصة بعد ما أقدم هذا الاخير على قبول التمويل من المؤسسة العالمية “الروتاري الدولي” والسعي نحو تنظيم لقاءات عن الأمير عبد القادر، في الذكرى المئوية لوفاته، الأمر الذي أثار موجة من السخط والاستنكار ضد القائمين على المؤسسة .
ويبدو أن مؤسسة العلامة عبد الحميد بن باديس، ليست أحسن حال من سابقتها، رغم أن العلامة كان حظه أوفر من الأمير عبد القادر، خاصة بعد أن أدرج يوم وفاته كيوم وطني للاحتفال بيوم العلم، إلا ان السياسة التي تسير وفقها المؤسسة لم تسمح لأصحابها بالرقي الى مستوى العلامة ابن باديس، الذي شكل على مدار مشواره الثوري والنضالي رمزا من رموز القومية والوطنية المدافعين عن الاسلام، حيث أصبحت الصراعات والخلافات تمزّق المؤسسة بسبب أزمة “الزعامة” التي تشهدها منذ نشأتها، حيث أسرت لنا أطراف مقربة من المؤسسة أن عبد الحق ابن باديس، شقيق الشيخ عبد الحميد بن باديس، هو المتحكم في زمام الامور، “ولا سلطة لا للانتخابات ولا للجمعيات الانتخابية التي يعقدها أعضاء جمعية بن باديس، في تعيين الرؤساء ولا مكاتب الجمعية”.
غير أن شقيق العلامة الراحل عبد الحق ابن باديس، زعم أن المؤسسة تسير بالشكل المطلوب خاصة بعد تجديد المكتب والرئيس، وأنه تم تسطير برنامج ثري خاص بالجمعية للفترة القادمة، معتبرا أن كل ما يقال حول استغلاله للجمعية التي تحمل اسم أخيه لقضاء مصالحه الشخصية أو المتاجرة باسم اخيه العلامة عبد الحميد ابن باديس، مجرد أكاذيب، قائلا: “ليست العبرة في توجيه التهم، ومن يملك الدليل فليواجهني”. في الوقت الذي طعن الرئيس السابق للمؤسسة ووصف الانتخابات التي أجريت شهر ديسمبر الماضي بغير الشرعية، مشيرا إلى أن الدعوات وجهت إلى عدد قليل من الأعضاء لا يتجاوزون 10 بالمئة، وبالتالي فإن الجمعية لم تعقد وفقا للقانون الأساسي المعتمد من طرف وزارة الداخلية.
.
مفدي زكريا.. تسيير من وراء البحار!
لا أحد يدري كيف كان سيكون مصير شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكرياء، لو لم يكن صاحب “الإلياذة” أو النشيد الوطني، الذي ضمن له شهرة كبيرة على الصعيدين المحلي والعربي، حيث يحفظ كل الجزائريين “قسما”، حتى وان كان بعضهم يتعثر عندما يتعلق الامر بصاحبه من الطور الابتدائي، بعد أن أدرج في المقررات الدراسية، ورغم ذلك يبقى صاحب رائعة “الذبيح الصاعد” غائبا عن النشاطات الثقافية التي تنظم من حين لأخر رغم ميلاد مؤسسة تحمل اسمه، أنشئت خصيصا للمحافظة على الموروث الشعري الذي خلّفه، والتعريف به باعتباره أحد رموز ثورة نوفمبر المجيدة.
المؤسسة حتى وان كان ابنه الوزير الأسبق للثقافة والإعلام، سليمان الشيخ، هو الذي يديرها رغم انشغاله حاليا بمنصبه في منظمة التعاون الإسلامي في هيئة الامم المتحدة، والذي فرض عليه الاقامة في سويسرا، وصرح الأمين العام للمؤسسة جابر باعمارة، في اتصال مع “الشروق” “أن قلة نشاطات الجمعية راجع للإمكانات الضعيفة التي تتوفر عليها المؤسسة، وان النشاطات التي يتم تنظيمها تتطلب ميزانية كبيرة، في حين يقتصر تمويل المؤسسة على وزارة المجاهدين وبعض الشركات”، مؤكدا في سياق متصل، أنّ الاشكال الكبير الذي تعانيه المؤسسة يتعلق بالتمويل، خاصة وأن الدولة لم تحدد قانونا خاصا بهذاالنوع من المؤسسات بعد، حيث لا يزال حبيس ادراج المجلس الشعبي الوطني، مشيرا إلى أن آخر جمعية عامة عقدتها المؤسسة كانت في الـ29 من شهر نوفمبر الفارط، بحضور رئيسها سليمان الشيخ. واستبعد المتحدث أن يكون الدافع وراء تأسيس هذه الهيئة التي تحمل اسم الشاعر مفدي زكريا، هو المتاجرة قائلا: “اين المتاجرة، المؤسسة ليست مصدر أموال، وبالعكس هي بالدرجة الاولى تضحية، ومفدي زكريا ليس رمز مؤسسة معينة بل هو ملك لكل الجزائريين“.
.
هذا ما خلّفه بوضياف!
وغير بعيد عن ذلك، خرجت الخلافات الطاحنة التي اندلعت بين الزوجة الثانية للرئيس الاسبق، الراحل محمد بوضياف، فتيحة وابنه ناصر إلى صفحات الجرائد بسبب ممارسات الأولى، والقائمين على المؤسسة التي اعتبرها البعض “غير شرعية”، حيث صرح ناصر بوضياف، في اتصال مع “الشروق” أن زوجة والده كانت تسعى للمتاجرة باسم والده من خلال هذه المؤسسة، مشيرا الى انها لم توجه له الدعوة من أجل المشاركة في تأسيس الجمعية – كان بألمانيا – رغم أن المؤسسة تحمل اسم والده، مؤكدا أن القائمين على الجمعية لم يكونوا لا من أصدقاء المرحوم ولا من المقربين منه”.
وأشار ناصر بوضياف:”ان زوجة والده كانت تستغل المؤسسة رفقة أقاربها لقضاء مصالحهم الشخصية، ولم تساهم ولو بقدر ضئيل في ترسيخ افكار والدي خاصة النضالية منها لدى أبناء هذا الجيل، كما انها أهملت بشكل كلي ومطلق قضية البحث عن الحقيقة فيما يتعلق بقضية وفاته، وهي الغاية الأسمى التي يفترض أن تتأسس من أجلها هذه الهيئة”.
وأضاف نجل الرئيس المغتال: “زوجة والدي لم تقدّره ولم تدرك مكانته فاستغلت المؤسسة في جني مكاسب شخصية من أجل تحقيق حياة البذخ، ويكفي أن المؤسسة كانت تحصل على 23 مليار سنتيم من طرف الدولة، بالإضافة الى التمويل الذي تحصل عليه من جهات أخرى“.
وعن نيته في إعادة بعث المؤسسة من جديد، أكد ناصر بوضياف، الذي يقيم في فرنسا أنه يفكر في مناشدة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من أجل إعادة بعث المؤسسة من جديد، بعد ان تم تجميدها في السنوات الاخيرة، “ولكن مع من يحملون افكار والدي من أبناء هذا الجيل“.
.
مؤسسات لقضاء “المصالح” لا لترسيخ الذاكرة
أجواء الصراع أصبحت السمة الغالبة على هذا النوع من المؤسسات، كما أن نشاطها في الآونة الاخيرة بات يقتصر على إحياء ذكرى وفاة الشخصيات، مثلما هو حال بقية المؤسسات الثقافية في بلادنا، باستثناء بعض الجمعيات الصغيرة التي نجحت الى حد ما في اتمام جزء من المهمة التي تأسست من أجلها، على غرار الجمعية الثقافية “محمد العيد آل الخليفة” في ولاية الوادي، التي نجحت في المحافظة على الجائزة التي تطلقها، فيما تبقى مؤسسة الشاعر الراحل محمد الأخضر السائحي، وغيره من الاسماء التي شكلت رموز الثورة والمقاومة والفكر في بلادنا، وفي هذا الصدد، يصرّح الكاتب والمفكر عمر أزراج: “عندما عدت من بريطانيا، وجدت في الجزائر ميلاد عشرات من الجمعيات والروابط الفنية والثقافية، لتضاف الى جانب الاتحادات الثقافية والفنية القديمة في ذلك الوقت، ظننت أن هذه الجمعيات الكثيرة جدا تمثل المجتمع المدني وتعمل من أجل تحقيق طموحاته، ولكن بعد استقراري في هذا البلد لمدة خمس سنوات اكتشفت أن هذه الجمعيات قد اصيبت بفيروس التعددية الحزبية التي تحولت الى ملكية مطلقة من جهة، والى جانب انها اسست لأغراض جمع الأموال وصرفها على الاشخاص الذين كونوا الجمعية نفسها ومن هنا ولد الخلل”.
وأضاف المتحدث: “لا يعقل أن يسير هذه الجمعيات اناس لا تتوفر فيهم معايير الثقافة، ومعايير تسيير وتنشيط الشأن الثقافي، وقد وصل الامر بالكثير من اصحاب الجمعيات الى نفخ الفواتير وتزييفها، وغالبا ما تختلق هذه الفواتير اختلاقا لكي تكون مبررا للاستيلاء على الأموال”.
وذكر عمر ازراج، في سياق متصل “كما انني لاحظت ان الفعاليات الثقافية والفنية التي تحركها هذه الجمعيات في احيان قليلة تتسم بطابعين، طابع الإخوانيات والشللية والصداقات المصلحية، اما الطابع الثاني فيتمثل في السطحية الى حد القرف، ولقد علمت من مصادر موثوقة، ان عدد الجمعيات الثقافية والفنية في الجزائر يتجاوز 17 الف جمعية وكلها تتلقى الاموال من جهات رسمية وغير رسمية بنسب مختلفة، ولكن اصحابها يورثونها ويحتكرون قيادتها للأبد، ولا يساهمون في القضاء على الأمية حتى في المناطق التي توجد بها“.
وأضاف المتحدث في سياق متصل: “هذا النوع من الجمعيات أصبحت تعيد إنتاج تقاليد الحزب الواحد في التسيير وفي العمل الديماغوجي، وغيرهما من الممارسات التي تتناقض جملة وتفصيلا مع أخلاقيات العمل الثقافي والفني النبيل، ونتيجة لكل هذه المظاهر فقد تحولت هذه الجمعيات إلى مسرح تجاري لا اكثر ولا اقل، والأدهى والأمرّ أن رؤساءها يتشبثون بالمسؤولية مثلهم مثل رؤساء أحزابنا الذين لا يرحلون إلا بالإقالة او بالموت الطبيعي”.