كنوز ومنحوتات من العاج وأحجار ثمينة
أثاث أرستوقراطي باهظ الثمن في أسواق الخردة!
تصوير: بشير زمري
انتشرت في بعض أحياء الرويسو، والمدنية، والعناصر، حمادي، وميسونيي، والعقيبة، أولاد فايت، تليملي باب الزوار بالعاصمة وكذا في الأحياء العتيقة لقسنطينة ووهران ومستغانم، محلات خاصة بعرض وبيع الأثاث المستعمل وتحف الأونتيكا القديمة، عليها بعض الخدوش وآثار الدق التي تعرضت لها عبر الزمن، وقطع من التحف الصغيرة التي يبدو عليها القدم والتميز والندرة والتي ترجع إلى تواريخ قديمة نسبيا وإلى مناطق وشعوب مختلفة في العالم.
- أطباق وأواني طبخ من الفضة الخالصة سعرها يفوق 800 مليون
كانت المفاجأة عندما عثرنا على أثاث يعود لعائلات أحفاد الأباطرة والأمراء والعائلات العثمانية الأرستوقراطية عمرها ما بين ثلاثة إلى أربعة قرون، يباع في محلات »الخردة وأسواق الدلالة والأثاث القديم، من بينها أطباق وأطقم مائدة وأواني طبخ من الفضة سعرها يفوق 800 مليون وأثاث قصور وأحجار ملونة ثمينة وقديمة جدا تستعمل لتزيين غرفة الجلوس سعرها يفوق 200 مليون، وسيوف فضية، وأسرجة أحصنة… غير أن أصحاب هذه المحلات طلبوا منّا عدم ذكر أسماء محلاتهم لتفادي المشاكل التي قد يواجهونها مع الضرائب أو مع وزارة الثقافة التي تعتبر العديد من هذه القطع تراثا حضاريا، رغم أنهم تحصلوا عليها مقابل دفع مبالغ باهظة من أموالهم الخاصة.
غرف جلوس عمرها 200 سنة
وتتضمن قطع الأونتيكا المعروضة للبيع من محلات الأثاث القديم قطعا تتنوع تصاميمها على مرّ الزمان والمكان، من سنة لأخرى ومن قرن لآخر، وقد عثرنا في سوق الأثاث القديم على أنواع من الأثاث صممت على مر العصور والأزمان.
وفي بعض الأحيان يفوق سعر قطعة صغيرة من هذا الأثاث 100 مليون، وفي غالب الأحيان يفوق ثمنها ثمن الأثاث العصري. وهذا النوع توارثه الأجداد حتى وصل إلينا جيلا بعد جيل، ليباع بأثمان باهظة، تعشقه فئة من الناس، قد يكون تحفة، أو طاولة، أو سجادة أو ساعة حائطية خشبية، أو قد يكون غرفة جلوس نادرة عمرها يقارب 200 سنة، وهو أثاث في قمة التميّز والتفرد والفخامة، وغالبا ما يكون هذا النوع من الأثاث بلون الخشب الطبيعي، أو من المعادن الثمينة، وهو فخم متين ومتقن الصنع.
صور قديمة لعائلات أرستقراطية معروضة للبيع
ومن بين الأشياء الثمينة التي عثرنا عليها خلال الجولة التي قامت بها الشروق اليومي عبر بعض محلات الخردة والأثاث القديم المشهورة بالعاصمة وسوقي الدلالة ببزيطة والعقيبة، وجدنا منحوتات من العاج، تباع بمحلات الأثاث القديم بالرويسو، شمعدانات وثريات فاخرة، فوانيس ومصابيح تقليدية للإضاءة أمام بوابات القصور والفيلات، وأسرجة ضوء قروية، ومزهريات من النحاس والصدف، أو من النحاس المطعم بالأحجار الكريمة، قطع من الأثاث والمرايا والطاولات والتحف والفخار والخشب والصناديق القديمة، وغلايات، صور قديمة لعائلات أرستوقراطية أوروبية.
كما يبيع أحد المحلات مرايا مزخرفة، ومدافئ حطب، وبوصلات، أدوات مطبخ قديمة، اسطوانات غنائية قديمة، كتب خاصة، أواني موقعة ومؤرخة، صناديق، كاميرات وسجادات قديمة، وأقلام ومحفظات صغيرة خاصة بالوثائق، خزفيات، لوحات فنية، مستندات قديمة، عملات نقدية عربية معدنية وورقية القديمة، راديوهات قديمة، وطوابع بريدية متنوعة وكتب ومجلات نادرة، ومكاوي ملابس على الفحم والنار، ومطاحن قهوة يدوية قديمة، ساعات يد وأدوات مطبخ وأواني معدنية نحاسية وزجاجية وكريستالية، وطاولات شطرنج وبعض الأوسمة القديمة والأحجار الملونة الصغيرة ثمينة جدا، وأشياء أخرى كلها قديمة ومستعملة يرجع بعضها إلى أكثر من 100 عام، ومنها أيضا قطع نقدية من الإمبراطوية العثمانية والأمير عبد القادر والعهد الروماني.
“نحن ممنوعون من بيع تحف رائعة حصلنا عليها بأموالنا بحجة أنها تراث”
وقال بائع الأثاث القديم، الحاج باي محمد وإبنه توفيق، اللذان يملكان محلا لبيع الأثاث القديم بحمادي، »تحصلنا على قطع ثمينة ذات قيمة تاريخية تعود إلى أربعة قرون، من بينها قطع نقدية تعود لمرحلة حكم الدايات العثمانيين، وبعضها تعود لمرحلة الأمير عبد القادر وبعضها للعهد الروماني ولوحات قديمة.
وأوضح الحاج باي »نحن ممنوعون من بيع أشياء رائعة التي نحصل عليها بأموالنا وجهودنا الخاصة، ونرمّمها وننظمها ونعيدها للحياة مجددا، بحجة ّأنها تراث. وفي نفس الوقت يرفضون شراءها منّا ويطلبون منا التطوّع بها مجانا لصالح المتاحف الوطنية«.
وعثرنا في محل للخردة بالرويسو على قطع نقدية ذهبية وأخرى فضية، تعود لعهد الأمير عبد القادر، وأخرى للعهد الروماني، باعتها بعض العائلات الجزائرية لسوق الخردة. كما عثرنا على مجوهرات فضية تعود للعصور الماضية عمرها أكثر من أربعة قرون، ذات أشكال غريبة، بالإضافة إلى طاحونة يدوية لطحن القمح، وصخور منحوتة.
الرسام والفنان مصطفى بوستة للشروق: نحن نناضل لحماية تراث حضاري من الاندثار ولا نتاجر به فحسب
من جهته صرح الرسام والفنان مصطفى بوستة، الذي التقته «الشروق اليومي» بمحله الصغير الخاص بالأونتيكا والأثاث القديم بالعناصر، »نحن نشتري هذا الأثاث من عند الناس الذين لديهم أشياء قديمة يعرضونها للبيع، وعندما نشتريها منهم نجدها في حالة كارثية، لكننا نرمّمنا بوسائل بسيطة، ونعالجها بكل صبر وحب لهذه المهنة، لنعطيها حياة ثانية، ولا نبحث من وراء ذلك عن الربح، بل نحن نناضل من أجل الاستمرار في ممارسة هذه الصنعة، ومن أجل أن تعود تلك الأشياء القديمة للحياة. غير أن الصعوبات التي تواجهنا تعقد عملنا أكثر، فقد منعت السلطات كل عمليات استيراد الأثاث القديم من الخارج بعد أن كنا نستطيع تمويل السوق الوطنية بالأونتيكا من مختلف دول أوروبا وآسيا، الآن أصبح ذلك ممنوعا، لم نفهم أسباب هذا القرار حتى الآن، نحن نملك سجلا تجاريا وندفع الضرائب ولدينا عائلات نطعمها من هذه »الصنعة«، وفوق كل ذلك نحن نقوم بمهمة نبيلة ونحافظ على تراث حضاري عريق ونعمل من أجل أن لا يموت هذا التراث«.
ويضيف، يجب على المسؤولين أن يقتنعوا بأننا نحمي التراث الحضاري والموروث الشعبي من الاندثار، ونحافظ عليه، ولا نتاجر به فحسب. فكما ترون، هذه الحرفة هواية أكثر منها تجارة، ومع مرور الوقت تصبح مثل المخدر الذي يسري في عروقنا، ولا يمكننا أن نتخلى عنها أو نبدلها بصنعة أخرى، محل لبيع الأونتيكا لا يدخله إلا زبون أو زبونان كل ساعتين أو ثلاث ساعات، لأن الأشياء التي نبيعها تكتسب قيمة معنوية وتاريخية وليس مادية، وليس كل الناس يحبذون هذا النوع من الأشياء، لكن السلطات لا تريد أن تعترف بأننا نساهم بفعالية في حماية الموروث الحضاري من الإندثار.
يعرض الفنان مصطفى بوستة، بمحله، ثريات نحاسية وبرونزية تعود لعهد الدولة العثمانية وأخرى من هولندا وأثاث أسيوي قديم، وصناديق لحفظ الأغراض العائلية عمرها قرنان أو أكثر تعود لمنطقة القبائل وغرفة سوداء تقليدية تستعمل قديما لاستخراج الصور الفوتوغرافية، عمرها حوالي قرن، وقطع معدنية ثمينة تستعمل في صناعة الميداليات.