أجواء حميمية تنسي المسنين فراق الأهل وعقوق الأبناء
معظم هؤلاء النسوة أتين بمفردهن وليس هنالك من أتى بهن إلى الدار، وهي نقطة أثارت فضولنا كثيرا، فتوجهنا بالسؤال إلى مدير المركز الذي أجابنا أنه لا يمكن أن يرضى بالمشاركة في جريمة مثل هذه “أن يجلب الابن أو الابنة والديهما إلى دار المسنين”، بما أن القانون واضحٌ في هذه المسألة، غير أن الكثير من الأبناء -يقول المدير- يفعلون ذلك بطريقة غير مباشرة، حيث أنهم يعملون جاهدين وبكل الوسائل من أجل جعل الوالد أو الوالدة يملّ من العيش معهم ويأتي بمحض إرادته إلى المركز.
عندما توصد كل الأبواب في وجوههم، ويتخلى عنهم الأقربون، يبحثون عن ملجأ يأويهم وعن يدٍ حانية تمتد إليهم، لتنتشلهم من غدر السنين وظلم أعز الناس إليهم، فوجدوا في مراكز المسنين ملاذا لهم. “الشروق اليومي” وفي زيارة قادتها إلى مركز المسنين بسيدي موسى بالعاصمة، وقفت على الأجواء التي تعيشها هذه الشريحة من المجتمع بين أسوار هذه الدار.
استقبلنا مدير المركز السيد جمال شعلال بحرارة، وتنقل بنا في كل ثنايا الدار، وهو يعرِّفنا بكل صغيرة وكبيرة تخص المركز والمقيمين به، حيث يعود تاريخ نشأة دار الأشخاص المسنين بسيدي موسى التابعة إقليميا لبراقي في العاصمة إلى سنة 1966، كان يطلق عليها قبل عام 2012 “دار المسنين والأشخاص المعوقين”، لتتحول بعد هذه السنة إلى “مركز الأشخاص المسنين”، قدرة استيعاب الدار نظرياً حوالي 300 شخص، إلا أنها تأوي حاليا 272 فرد، قدموا من 30 ولاية.
ديكورٌ منزلي بامتياز
يتوفر مركز سيدي موسى للأشخاص المسنين الذي يعدّ الأقدم من حيث التأسيس بالنسبة لبقية المراكز الموجودة على التراب الوطني، على عدة هياكل قاعدية وفضاءات للتسلية والنشاطات كما تقسم إلى قسمين الأول مخصص للنساء فقط ويضم عدة غرف تضم كل واحدة منها سريرين مزوّدة بجهاز تلفزيون، كما تتوفر كل غرفة على مرحاض ودوش خاص بكل نزيلين، ناهيك عن وجود قاعة لاستقبال الضيوف صمم ديكوره مثل ما تعودنا عليه في البيوت الجزائرية، أرائك، زربية ومائدة تتوسط الصالون، بالإضافة إلى تلفزيون كبير داخل “البيبليوتاك”.
وتعدُّ قاعة الاستقبال هذه ملتقى النسوة خاصة في المناسبات، ولم ينس القائمون على المركز ضرورة اهتمام هؤلاء النسوة بجمالهن الخارجي، فحرصوا على توفير صالون حلاقة مجهز بكل أدوات التجميل والأجهزة التي تحتاجها المرأة للظهور بأبهى حلة، حيث تقصد إحدى الحلاقات المحترفات المركز كلما حلت مناسبة أو حدث سعيد، بغية تزيين النساء المتواجدات على مستوى الدار. كما تتوفر على حمام مخصص للجنسين مقسم على جهتين مرفق بمسبح.
ولم يغفل المكلفون بالاهتمام بهذه الشريحة من المجتمع، الجانب التعليمي الذي يجب زرعه في كل وافد جديد على الدار، حتى ولو كان أمّيا ولا يتقن حرفا واحدا من أبجديات اللغة العربية، لذا خصص القائمون على المركز قسما خاصا لتدريسهم تحت إشراف معلمة مؤطرة يوميا، ووفقا لبرنامج دراسي خاص، وبغية تشجيع المقيمين في المركز على التشبث بمقولة “أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”، خصص المركز شهادة شرفية تقدم لكل مجتهد في القسم.
محبة وألفة
خلال جولتنا بين أرجاء الدار رفقة المدير، لمسنا درجة الحب والاحترام الكبيرين الذي يكنه هؤلاء الأشخاص المقيمون بالمركز لمديرهم، هذا الأخير كان يتوقف بنا عند كل غرفة ويعرِّفنا على المقيمين بها، فكان محل ترحيب من قبل المقيمات والمقيمين هناك، حيث كانوا يستقبلونه بكل بهجة وسرور، وهو يسأل عن أحوال كل واحد منهم على حدة، إذ أخبرنا معظمهم أنه في كل صباح يتفقدهم ويسأل عن أحوالهم، وعما ينقصه لذا حجز مكانا في قلوب النساء المسنات اللواتي ينادينه “وليدي” ليرد عليهم بـ”يما”، ونفس الشيء بالنسبة للشيوخ.
بدأنا جولتنا من قسم النساء، ولاحظنا ونحن نهمّ بالدخول إلى الجهة المخصصة لهن بابا حديديا كبيرا مقفلا بالمفتاح، وعند سؤالنا عن السبب أخبرنا المدير أنه إجراءٌ اتخذه بغية تجنب أي احتكاك قد يحدث بين الجنسين ودرءا للمفاسد.
فُتح الباب ودخلنا لنجد مجموعة من النساء يجلسن في البهو، وبمجرد رؤيتنا ارتسمت على وجوههن ابتسامة عريضة مرحّبات بنا، كانت كل واحدة منهن تود الحديث إلينا، وكأنهن كن ينتظرن أي شخص يستمع إليهن وإلى قصصهن المؤلمة لينفسن عن الهموم التي شاءت الأقدار أن ترميها بهن في هذه الدار بعيدا عن الأهل والخلان، وبكل صدر رحب كان المدير يتلقى تحياتهن ودعواتهن النابعة من قلوب في أمسّ الحاجة إلى الحب والحنان والاهتمام.
272 حكاية
دخلنا إلى الغرفة الأولى فكانت في استقبالنا خالتي ربيعة، ذات 53 ربيعاً، تحدثت إلينا عن سبب تواجدها هنا على الرغم من أن لديها شقيقات بالعاصمة، هي ابنة الحراش، دخلت المركز منذ عام تقريبا، قالت لنا “ضاع زوجي المصاب بالزهايمر، ولم أستطع الذهاب للعيش مع شقيقاتي المتزوّجات، فأنا لا أريد أن أكون عبئا على أحد”، كما حدثتنا عن إلحاح شقيقاتها لاصطحابها في كل زيارة إليها إلا أنها في آخر مرة ذهبت لتمكث عند إحداهن، عادت إلى الدار قبل أن تنقضي المدة المحددة، لأنها وبكل بساطة على حد تعبيرها، “اشتاقت إلى أهلها” والذين تقصد بهم المسنين المتواجدين في المركز.
ودعنا خالتي ربيعة ودخلنا غرفة أخرى فرحبت بنا خالتي “أم الخير”، 65 سنة، والتي وجدناها على فراش المرض، حيث أخبرنا المدير أنها أجرت عملية جراحية على مستوى القلب، “خالتي أم الخير” قدمت من سوريا إلى الجزائر منذ 5 سنوات لتقصد بيت أشقائها، غير أنهم رفضوا استقبالها فقرّرت اللجوء إلى المركز، الذي تقول عنه إنه عوّضها عن حيطان البيت والدفء العائلي، والأشخاص الموجودون فيه بمثابة “أشقاء وشقيقات” لها، قالت إنها بحال جيدة جدا، وقد وضع المركز تحت تصرفها ممرضة تعتني بها. “خالتي أم الخير” وعند سؤالنا لها إذا ما كان أشقاؤها يقومون بزيارتها؟ قالت إنهم يلهثون وراء مصالحهم، حيث أن إحدى شقيقاتها قدمت مرة لزيارتها بغرض الحصول على أموال ولتسهل لها إجراءات السفر إلى سوريا للدراسة.
تركنا خالتي أم الخير مستلقية على الفراش وتمنينا لها الشفاء العاجل، لتكون وجهتنا غرفة خالتي غنية، 65 سنة، ولعل أهم ما يلفت انتباهك وأنت تهم بالجلوس على السرير هو مدى التنظيم والترتيب والنظافة التي توجد عليها الحالة العامة لجل الغرف التي دخلناها، عرفتنا خالتي غنية على نفسها قائلة “كنت متزوجة بمصري وأعيش في فرنسا، غير أننا لم نتفاهم فقررنا الانفصال فعاد هو إلى بلده، ورجعت أنا إلى الجزائر، وبما أنني لا أملك هنا أهلاً سوى ابنتي الوحيدة المتزوجة، قررت أن آتي إلى مركز المسنين، بما أن حماة ابنتي امرأة صعبة المراس ولن ترضى أن أعيش معهم، جئتُ إلى هنا حتى لا أسبِّب المشاكل لابنتي”.
لاحظنا من خلال حديثنا إلى معظم هؤلاء النسوة أنهن أتين بمفردهن وليس هنالك من أتى بهن إلى الدار، وهي نقطة أثارت فضولنا كثيرا، فتوجهنا بالسؤال إلى مدير المركز الذي أجابنا أنه لا يمكن أن يرضى بالمشاركة في جريمة مثل هذه “أن يجلب الابن أو الابنة والديهما إلى دار المسنين”، بما أن القانون واضحٌ في هذه المسألة، غير أن الكثير من الأبناء -يقول المدير- يفعلون ذلك بطريقة غير مباشرة، حيث أنهم يعملون جاهدين وبكل الوسائل من أجل جعل الوالد أو الوالدة يمل من العيش معهم ويأتي بمحض إرادته إلى المركز، وهو ما حدث مع عمي علال 86 سنة، حيث يقول إنه لم يتحمل البقاء مع أبنائه الذين “شربولوا المرار” على حد قوله، حيث كانوا يشتمونني وينعتونني بأقبح الصفات، كما لا يهتمون بي أبدا، بل يتركونني مهمَلا، حتى سئمت العيش معهم، فجئت إلى هنا، مضيفا أنه لا يريد العودة أبدا إليهم. “أنا ليس لدي أبناء، هذا هو ابني” مشيرا إلى مدير المركز.
كنا نجلس مع عمي علال في الحديقة الغناء التي كانت تحوي أنواعا من الأشجار والنباتات الجميلة، فأقبل صوبنا عمي الحسين، 76 سنة، وقال إنه جاء من مدينة عنابة سنة 2005، لديَّ أشقاء من أبي لكنني لم أتربَّ معهم، فجئت إلى هنا وقد وجدت دفء العائلة رفقة هؤلاء الأصدقاء الذين تحوّلوا إلى أشقاء. وعن سؤال توجهنا به إلى مدير المركز حول عدد حالات نزلاء المركز الذين عادوا إلى البيت العائلي؟ أخبرنا أن هنالك 25 مسنا جاء أهلهم وعادوا بهم إلى المنزل بعد شعورهم بالندم.
وفيما يخص الأكل فقد أشار المدير إلى المطعم الذي هو في حالة ترميم، ولازالت الأشغال به متواصلة، فأخبرنا أن الوجبات تنقل حاليا إلى المقيمين إلى غاية غرفهم، كما يوجد مقهى مخصص للرجال والنساء، يوفر المشروبات بمختلف أنواعها و”قهوة حليب”.
برنامج ثري للتسلية
وفي إطار التنفيس عن هذه الفئة، ومن أجل إدماجها في جو الدار، وتحسيس هؤلاء الأشخاص بالدفء العائلي، تنظم الدار رحلات صيفية إلى عدة ولايات ساحلية، كانت آخرُها في ولاية عنابة، حيث يتكفل المركز بنقل المسنين وبكل مصاريف النقل والإيواء والأكل والشرب، كما يعكف على إقامة حفلات داخل الدار تكون تحت إشراف المركز وبمساعدة بعض المحسنين، حيث تقام في كل أسبوع حفلة، كانت آخرها من تنظيم إحدى الجمعيات، حيث أقامت مأدبة غداء مصحوبة بحفل فني، ناهيك عن إقامة حفلات زفاف لبعض المقيمين الذين يشاء القدر أن يجدوا شريك حياتهم خارج المركز، لتقام لهم حفلات زفاف رائعة، وقد ظهر لنا ذلك جليا من خلال ألبوم الصور الذي قدّمه لنا المدير.
ونحن بمكتب المدير نتبادل أطراف الحديث معه جاء عون الأمن ليخبره بقدوم حالة لامرأة من ولاية المسيلة وهي في انتظار الدخول، طلب منه المجيء بها، فإذا هي امرأة في العقد الرابع من العمر، أخبرها المدير بأن القانون لا يسمح بإقامتها لعدم تجاوزها سن الـ 65 عاماً، فبدأت تحكي قصتها قائلة إنها قدمت من ولاية المسيلة وهي مطلقة لم يقبل أهلها باستقبالها، فقدمت إلى العاصمة ومكثت أياما عند ابنة خالتها غير أنها طردتها، فجاء بها أحد فاعلي الخير الذي وجدها في الشارع، إلى المركز.
وهنا أخبرنا المدير أنهم في كل ليلة يقومون بالتجول في أرجاء العاصمة للبحث عن المشردين، إلا أنه طلب منها رقم عائلتها فرفضت، ما جعله يمتنع عن قبولها خوفا من المشاكل، غير أنه يضطر في بعض الأحيان إلى غض الطرف عن القانون، الذي يحدد السن بـ65 عاماً عندما يتعلق الأمر بامرأة حتى “يجنبها المبيت في الشارع الذي لا يرحم” حسب قوله.