الجزائر
القيادي السابق في الحزب العتيد عبد الرحمن بلعياط

أحداث أكتوبر دبرتها أطراف داخل النظام

الشروق أونلاين
  • 26370
  • 0
الأرشيف

يعود القيادي السابق في حزب جبهة التحرير الوطني، عبد الرحمن بلعياط، إلى أحداث أكتوبر 1988، التي مر عليها ما يقارب ثلاثة عقود، ليؤكد أن تلك الأحداث لم تكن طبيعية بقدر ما كانت تمظهرا للتناقضات التي كانت تتصارع داخل النظام في ذلك الوقت.

يقول بلعياط: “لقد توقف المؤتمر السابع للحزب الذي انعقد في مارس 1998، بالتحليل عند أحداث أكتوبر، وذلك في اللائحة السياسية، مؤكدا أن تلك الأحداث لم تكن طبيعية للعديد من المعطيات”، وأكد أن مؤسسات الدولة المختلفة تنبأت بوقوع تلك الأحداث بأيام، غير أنها لم تتمكن من استباقها”.

ويذهب وزير السكن الأسبق إلى الاعتقاد بأن من دبر تلك الأحداث أطراف من داخل النظام، بهدف واحد وهو الخروج من الأحادية الحزبية، والانتقال إلى عهد جديد قوامه التعددية في مجالي السياسة والإعلام، لاعتقاد يكون قد ترسخ لدى تلك الأطراف بأن البلاد باتت بحاجة إلى وضع جديد يبعدها عن تطورات قد تعصف باستقرارها.

وعادة ما تلجأ بعض الأنظمة السياسية في العالم إلى ممارسات من هذا القبيل، لإطالة عمرها، وكذا القضاء على مراكز صناعة قرار أخرى داخل النظام ذاته، واستند المتحدث في قراءته هذه على سابقة للزعيم الصيني الراحل، ماو تسي تونغ، استغل فيها التناقضات الداخلية ليقضي على خصومه السياسيين (الثورة الثقافية)، فضلا عن التجربة التي قام بها الرئيس التونسي الراحل، الحبيب بورقيبة، عندما تبنى التعديدية في العام 1980، بعدما ترسخ لديه إحساس بوجود رغبة لدى أطراف داخل الحزب الحاكم الذي كان يقوده.

وبرأي بلعياط، فإن الأفلان ورغم استهدافه بتلك الأحداث، إلا أنه لم يعترض طريق مخرجاتها، والمتمثلة في التعددية السياسية والإعلامية، بل انخرط في المسعى  الديمقراطي ودعمه، كما لم يساير السلطة في بداية التسعينات في بعض توجهاتها، وخاصة عندما أقدمت على وقف المسار الانتخابي، وقامت بتشكيل مؤسسات انتقالية لمواجهة حالة الشغور التي طبعت بعض مؤسسات الدولة خلال عشرية التسعينات.

وأوضح بهذا الخصوص: “لم نسقط في تصرفات كما لم نتبن مواقف تجهض التوجه الديمقراطي الذي باشرت فيه البلاد في ذلك الوقت، وحتى لما توقف المسار الانتخابي لم نشارك في المجلس الانتقالي، ولا في المندوبيات التنفيذية، وانتظرنا حتى العام 1997 لنشارك في الانتخابات ولكن لم نشارك في التزوير.. وهذا أمر يحسب لحزب كان يمارس الأحادية”.

وبرأي بلعياط، فإن بعض الأطراف كانت خارج السلطة مثل الإسلاميين واليساريين وغيرهم من التيارات السياسية، لم يشاركوا في صناعة تلك الأحداث وإنما رافقوها وحاولوا الاستفادة منها، والإشارة هنا إلى المظاهرات التي قام بها الإسلاميون غداة اندلاع الأحداث بالعاصمة.

ويعتقد القيادي السابق في الحزب العتيد، أن أحداث أكتوبر ساهمت في نقل البلاد من وضع إلى وضع جديد، كما ساهمت أيضا في إخراج حساسيات سياسية وإيديولوجية بقيت لسنوات عدة تنشط في الخفاء، مثلما مكنت الجزائريين من الحكم على هذه الحساسيات من خلال عمليات الفرز التي أنتجتها الممارسة السياسية لاحقا.

 

أبوجرة سلطاني للشروق:  

الإسلاميون واليساريون ركبوا موجة أحداث 5 أكتوبر ولم يصنعوها

محمد بوسليماني لمعاونيه: هذه الأحداث ننظمها ولن نقودها لكن سنوجهها

قال الوزير ورئيس حركة مجتمع السلم سابقا إن أحداث 5 أكتوبر 1988 لم تكن من صنع الإسلاميين ولا من صنع اليساريين، ولكن كانت نتاج خلاف داخل السلطة آنذاك بين تيار محافظ داخل جبهة التحرير الوطني وتيار إصلاحي، واندلاع الأحداث كان بغرض التأثير في الطرف الآخر.

وقال بوجرة الذي كان حينها أستاذا بجامعة قسنطينة وإماما وداعية له صيته في كل ربوع الجزائر، إنه كان ينشط ضمن تيار الشيخ نحناح الذي كان يحاول استجماع نفسه بعد خروج الراحل نحناح من السجن، وكان المرحوم محمد بوسليماني مكلفا بالتنظيم، ولما اندلعت أحداث 5 أكتوبر قال بوسليماني “هذه المسائل لم ننظمها ولم نصنعها ولن نقودها، لكننا سنشارك في توجيهها بما يخدم الحريات العامة، والأمر متروك للتقديرات في الميدان”.

هكذا كان تعامل الإسلاميين مع أحداث 5 أكتوبر حسب شهادة بوجرة سلطاني الذي اعترف صراحة أن الإسلاميين ركبوا موجة الأحداث ولم يشاركوا في صنعها، كما هو الشأن بالنسبة لليساريين الذين تحركوا بقوة في الجامعات وفي الشارع يومي 5 و6 أكتوبر، وبدأوا في تصدير خطابهم، مستغلين الأحداث التي وقعت، وكذلك فعل الإسلاميون ابتداء من يوم الجمعة الذي أعقب الأحداث، حيث تناغمت خطب الجمعة عبر الوطن مع الأحداث وتناولت قضايا الفساد المستشري حينها واستمر الحال هكذا إلى غاية خروج الرئيس الشاذلي بن جديد في خطابه الشهير الذي تعهد فيه بإصلاحات سياسية. وجزم بوجرة بأن الأحداث كانت من صنع تيار داخل السلطة للضغط على الطرف الآخر، لكن من حركوا الأحداث لم يكونوا يتوقعون تطورها بذلك الشكل، إذ أن الذي حدث أن ما وقع كان أكبر بكثير مما خُطط له.

وربط بوجرة سلطاني بين أحداث 5 أكتوبر 1988 وما سبقها من إرهاصات خاصة أحداث قسنطينة، التي شهدتها جامعة قسنطينة منتوري، بعد إضراب للطلبة في الثامن من نوفمبر 1986، تطوّر إلى عمليات تخريب مسّت وسط مدينة قسنطينة، طالت المرافق العمومية.

 

اعتقد أن الأمر مجرّد إضراب سيشنّه عمال المنطقة الصناعية “الرويبة”

الشاذلي انهار نفسيا بسبب أحداث أكتوبر

أحدثت مظاهرات الخامس أكتوبر 1988 خلخلة في المشهد السياسي، وخلطت أوراق الرئيس الشاذلي بن جديد آنذاك، الذي كان يحكم البلاد تحت وطأة ضغط رهيب، حيث وجد نفسه بين كماشتي الأزمة الاقتصادية الناجمة عن تهاوي سعر النفط، وكذا جبهة اجتماعية توشك على الانفجار يحرّكها شباب ناقم على أداء الحزب الواحد.

وحسب ما رواه خليفة بن جديد، شقيق الرئيس الراحل الشاذلي في تصريحات سابقة لـ”الشروق”، فإنّ أحداث أكتوبر 1988 التي شارك فيها الآلاف من الشباب الغاضب عبر كافة ربوع الوطن، صدمت رئيس البلاد آنذاك، وتسببت له في انهيار نفسي، بعد ما سقط فيها ما يقارب 250 ضحية ومئات الجرحى، ناهيك عن أعمال الحرق والتخريب التي طالت عديدا من المقار الرسمية.

وأضاف شقيق الرئيس الرّاحل، أنّ الشاذلي كان يظن أنّ الأمر لا يعدو أن يكون مجرّد إضراب سيشنّه عمال المنطقة الصناعية الرويبة في الجزائر العاصمة، للمطالبة بحقوق اجتماعية ومهنية، لكن حدث لم يكن في الحسبان، فتخمينات الرّئيس جانبت الصّواب، وكانت أحداث أكتوبر “مؤلمة حقّا”. وفي ذات الصّدد، يروي خليفة بن جديد قصّة يوم الخامس أكتوبر قائلا: “لمّا وقعت أحداث 5 أكتوبر كنت واليا على قسنطينة، وكنت أكلّم شقيقي الشاذلي يوميا.. الحقيقة كان منهارا نفسيا.. لم يكن يظن أن الأمور ستنزلق إلى حدّ القيام بأعمال شغب ومواجهات مع أجهزة الأمن انتهت بسقوط أرواح”.

الشاذلي حسب شقيقه خليفة كان يريد إحداث تغييرات في المشهد السياسي، ولكن بطريقة تدريجية سلمية، مبنية على أسس الحوار مع جميع المؤثرين في صناعة القرار في البلاد، إلا أنّ مظاهرات الخامس أكتوبر خلطت جميع حساباته ودفعته إلى إعادة التفكير بخصوص بقائه في سدّة الحكم من عدمه.

وفي السياق، يروي خليفة كواليس أحداث أكتوبر وما تبعها من تحولات في حياة الشاذلي الرئيس والأب، الذي زاره في بيته في 12 أكتوبر 1988 بإقامته الرئاسية الكائنة في زرالدة بالعاصمة: “خرجت مع الشاذلي من قاعة الضيوف ورحنا نمشي في حديقة منزله.. ربع ساعة من المشي لم نكلّم بعضنا.. بعدها توقف ونظر إلي وقال: “والله يا خليفة لولا خوفي على تماسك الجيش لرميت المنشفة”… وكان يقصد أنّه باقٍ في الكرسي على مضضٍ، ولسبب واحد هو الحفاظ على استقرار المؤسسة العسكرية.

المرحوم الشاذلي الذي كان يفكّر في الاستقالة، أصبح فيما بعد مقتنعا تماما برمي المنشفة، وفي ذهنه أحداث أكتوبر “المؤلمة”، حيث فاجأ الجميع في ديسمبر 1988 تاريخ انعقاد مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني، حيث خاطب المؤتمرين بلغة الآمر “انزعوا صوري”، في إشارة إلى أنّه من اليوم فصاعدا هو ليس رئيسا للجزائر.

واتضحت معالم الرغبة في الاستقالة حسب خليفة بن جديد في الخطاب الافتتاحي للمؤتمر لمّا بدأ الشاذلي كلمته التي ألقاها أمام جمع غفير من المناضلين ببيت شعري لنزار قباني تغنت به كوكب الشرق أم كلثوم كان مطلعه:

“أعطوني حريّتي وأطلقوا يدي إنّي أعطيت وما استبقيت شيئا”.

وبالرّغم من إلحاح الشاذلي على الاستقالة، إلا أنّ قادة ومناضلي حزب جبهة التحرير الوطني قابلوه برفض مطلق، لينتهي المؤتمر بتزكية الرئيس لمواصلة المسيرة ومباشرة تعديلات في الدستور، وهو ما تمّ فعلا في دستور 1989، الذي أباح التعدّدية السياسية والإعلامية، وكُونت بموجبها أحزاب، وأنشئت جرائد تابعة للقطاع الخاص، فيما بقيت الإذاعة والتلفزيون حكرا على الدولة وقتها.

 

قالوا عن أحداث 5 أكتوبر 1988

مجموعة 18 التاريخية 

“بعد الأحداث الخطيرة والأليمة التي عرفتها الجزائر، وبصفتنا مناضلين سابقين في حرب التحرير، ووفاء لذاكرة الشهداء ومبادئ الفاتح نوفمبر 1954، يفرض علينا المساهمة في الحوار الوطني الذي من الحتمية اللجوء إليه، وننحني بتواضع أمام ذكرى جميع الضحايا نندد وبسخط شديد بالتعذيب الممارس خلال وبعد الأيام الدموية التي عرفتها الجزائر، نحن الذين عرفنا فزع وألم تعذيب الآلة الاستعمارية، خلال الثورة التحريرية، من حقنا أن نعرف حقيقة العمليات الممارسة ضد أبنائنا ونصرّ، كما نلح على اجتثاث جميع أساليب التعذيب في البلاد ومعاقبة الواقفين وراء هذا التعذيب، لنجعل من هؤلاء عبرة لمن يعتبر.

لا نستطيع أن نغض الطرف، ونلتزم الصمت ولا نعبر عن انشغالنا العميق أمام تردي وتدهور المناخ الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي والسياسي الذي وصلت إليه المؤسسات الحالية، وطريقة ونهج عملها التي لم تمكنها من التصدي للانفجار الاجتماعي في الـ5 أكتوبر”.

 

اللواء خالد نزار:

“إن الأوضاع التي كانت تعرفها الجزائر قبل 5 أكتوبر كانت كلها تنبئ بانفجار الشارع من خلال الأزمات السياسية التي كانت غامضة، والأزمات الاقتصادية التي تسبب فيها بعض المقربين من الرئيس الشاذلي بن جديد، ومشاكل اجتماعية كان يعيشها المواطن الجزائري، حيث ساهمت هذه العوامل كلها في إحداث غضب داخلي لدى الشارع الجزائري الذي كان مهيأ للانفجار…أؤكد أن أحداث الخامس من أكتوبر 88 كان الإصلاحيون من ورائها.. والهدف من ذلك إخراج الجيش إلى الشارع، ومن ثم توفير الفرصة لتمرير مشروعهم الإصلاحي… ومنذ ذلك التاريخ أصبحت رئاسة الجمهورية مبنى شاغرا، أي أصبحنا من دون رئيس بعدما اختفى الشاذلي بن جديد في مكتبه، ولم يعد يظهر للعيان، فاضطررت لأطلب منه الخروج إلى الشارع ليراه المواطنون… إنّ اتهامي بقتل وقمع المتظاهرين في أكتوبر 1988 هو إهانة للجنود الشباب بذريعة أنهم تلقوا الأوامر بإطلاق النار”.

 

الجنرال:

“لقد كنت أثناء أحداث أكتوبر 1988، مديرا مركزيا لأمن الجيش… البداية كانت في جويلية 1988 بوضع مخطط معين وتنفيذه في سبتمبر من السنة ذاتها…. يوجد في جهة ما مركز حساس تثيره أهداف شيطانية، تسبّب في الأحداث المذكورة وقادها، لكن الأمور في النهاية فلتت من يديه وخرجت عن السيطرة.. قناعتي هي أن الهدف المراد تحقيقه كان يتمثل في المساس بسمعة رموز الكفاح الوطني، وبالخصوص الجيش الوطني الشعبي… سيأتي يوم لا محالة يسألون ويحاسبون عنه”.

 

كرونولوجيا الأحداث 

ـ 25 سبتمبر1988 بدأت ملامح ثورة شعبية وعمالية تلوح في الأفق بعد أن عقدت نقابة مؤسسة صناعة السيارات ”سوناكوم” لقاء بالمركب، حيث ندد العمال، لأول مرة، بالفساد وببعض رموز الدولة، مرددين شعارات مناهضة لهم. 

ـ 4 أكتوبر 1988 بدأت بعض القلاقل تظهر في أحياء شعبية معروفة كباب الوادي والرويبة والحراش، وانتشرت مصالح الأمن أو كما كان يسمى سابقا لدى عامة الناس بـ”الأمن العسكري”.

ـ 5 أكتوبر اعترضت مجموعة من الشباب سبيل حافلة وقاموا بإنزال كل ركابها وأضرموا فيها النار، ثم توسعت إلى باقي شوارع الحي العتيق حيث استهدف المواطنون كل ما يرمز للدولة، وانتهز العاطلون عن العمل، وكذا البسطاء، مؤسسات أروقة الجزائر ونهبوا كل ما فيها، وقد بلغ صدى هذه الاحتجاجات إلى أحياء باش جراح والحراش والشراقة وعين البنيان، ثم حتى الأحياء الراقية كالأبيار وبن عكنون وحيدرة، وتحولت العاصمة، بأكملها، إلا بؤرة للاحتجاجات وأعمال التخريب والحرق ومحاولة اقتحام منازل عدد من الشخصيات التي كانت ترمز لنظام الحكم في الجزائر آنذاك.

ـ 6 أكتوبر امتدت المظاهرات إلى كل الأحياء الشعبية، وانقطعت الدراسة في المدارس والثانويات. 

ـ 7 أكتوبر 1988، حاول بعض قادة التيار السلفي في الجزائر قيادة مسيرة في شوارع باب الوادي انطلاقا من مسجد ”السنة” الذي كان يتواجد به علي بن حاج، وقبل انطلاق المسيرة، دعا المرحومان أحمد سحنون ومحفوظ نحناح المصليين إلى التعقل، غير أن هؤلاء لم يستجيبوا لنداءات الشيخين اللذين كانا يحظيان بمصداقية لدى عامة الناس، وقد حاول كل من أحمد سحنون ونحناح وعباسي مدني التوجه إلى رئاسة الجمهورية لدعوة الرئيس الشاذلي بن جديد لوقف إطلاق الرصاص على المتظاهرين وإطلاق سراح الموقوفين من المتظاهرين، لكن مصالح الأمن رفضت ذلك ومنعتهم من الوصول إلى مقر الرئاسة.

وفي المساء، أعلن الرئيس الشاذلي بن جديد، حالة الحصار وفرض حظر التجول ليلا في العاصمة وضواحيها، وانتشرت قوات الجيش عبر كامل أحياء العاصمة حفاظا على ما تبقى مما خربه المتظاهرون.

ـ 8 أكتوبر، بدأ عدد من الشخصيات والمدافعين عن حقوق الإنسان، ومنهم علي يحيى عبد النور، في التحرك للمطالبة بالإفراج عن الموقوفين بعد أن تسربت معلومات عن تعرض العديد منهم للتعذيب.

ـ 10 أكتوبر، ظهور الشاذلي بن جديد على التلفزيون، ودعوته المواطنين إلى التعقل، وتعهده بإصلاحات في جميع المجالات السياسية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة