الرأي

أربعة سيناريوهات لنهاية حرب أوكرانيا

بقلم: د.عثمان عبد اللوش
  • 782
  • 0
ح.م

بعد ما يقارب من ثلاث سنوات من عملية زاد (Z operation) لروسيا في أوكرانيا، تدخل الحرب ما يمكن أن نسميه مرحلتها الأخيرة، ويبدو أن صفقة لإنهائها أكثر احتمالًا من أي وقت مضى.
لقد كادت أوكرانيا أن تفقد قوتها بشكل كبير خاصة منذ الصيف الماضي، إذ يواجه جيشها نقصًا حادًّا بشكل متزايد في الجنود والعتاد، وقد فازت روسيا في هذه الحرب بشكل كبير واستولت على نحو 20 % من الأراضي الأوكرانية، واعترف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن الجيش الأوكراني يفتقر الآن إلى القوة لتحرير كل الأرض التي تحتلها روسيا، وطرح فكرة تأجيل هذا الهدف مقابل العضوية في الناتو.
وقد أظهرت عدة مؤسسات للاستطلاع أخيرًا أن نحو 52% من الأوكرانيين يفضِّلون نهاية تفاوضية سريعة للحرب، مقارنة بـ27 % فقط العام الماضي.
الأوكرانيون مرهَقون من هذه الحرب التي قضت على الأخضر واليابس، وروسيا أيضًا عانت من هذه الحرب. وقد قدّرت أوكرانيا وحلفاؤها أن قتلى الجيش الروسي وجرحاه قد يتجاوز 700 ألف، وتشير إحصاءات أوكرانيا وحلفائها إلى أن أكثر من 14000 قطعة من المعدات العسكرية الروسية، قد دمِّرت.
كما تقول التقارير الغربية بأن اقتصاد روسيا قد تعرّض إلى الضغط. وحسب هذه التقارير نفسها، يتوقع البنك المركزي الروسي أن ينخفض النمو بشكل حادّ العام المقبل، إلى 0.5 في المائة. يقول البنك المركزي إن التضخم يبلغ 8.54 في المائة، وقد رفع أسعار الفائدة إلى 21 في المائة في أكتوبر، لكن بعض الاستطلاعات الخاصة تشير إلى أنه قد يكون ضعف ذلك على الأقل. في نهاية نوفمبر، انخفض الروبل إلى أدنى مستوى له منذ مارس 2022، وارتفعت تكلفة المواد الغذائية الأساسية مثل الزبدة والملفوف والبطاطا، وبدأت بعض المحلات الروسية تخزين عبوّات الزبدة في خزانات مقفلة لمنع السرقة.

الأوكرانيون مرهَقون من هذه الحرب التي قضت على الأخضر واليابس، وروسيا أيضًا عانت من هذه الحرب. وقد قدّرت أوكرانيا وحلفاؤها أن قتلى الجيش الروسي وجرحاه قد يتجاوز 700 ألف، وتشير إحصاءات أوكرانيا وحلفائها إلى أن أكثر من 14000 قطعة من المعدات العسكرية الروسية، قد دمِّرت.

كل هذا الكلام يعود للصحافة الغربية، والحقيقة أنّه يعود على دول الاتحاد الأوروبي التي عانت الويلات منذ الحرب الروسية الأوكرانية؛ فدول الاتحاد الأوروبي التي أرادت معاقبة روسيا ومحاصرتها اقتصاديا وماليا وسياسيا وديبلوماسيا وعسكريا بل وحتى إعلاميا ورياضيا، وجدت نفسها هي التي تعاني وعلى جميع الأصعدة…
على الرغم من ضخّ موارد هائلة في الحرب، من طرف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وحتى بعض الدول الأخرى، لم تستطع بعد أوكرانيا استرجاع الأراضي التي استولت عليها روسيا، مثل مقاطعات دونيتسك وخيرسون وزابورجيا… المهم 20% من الأراضي الأوكرانية أصبحت اليوم تحت سيطرة روسيا الاتحادية، بل وأكثر من ذلك مازال الجيش الروسي يتقدَّم بقواته إلى الأمام.
لقد تعهّد دونالد ترامب، العائد إلى البيت الأبيض في 20 جانفي 2025، بإنهاء الحرب خلال 24 ساعة، ولن يفتقر إلى النفوذ للقيام بذلك، إذ يمكنه وقفُ المساعدات العسكرية لأوكرانيا إذا لم تتفاوض ويزيدها إذا رفض الرئيس الروسي بوتين الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ولكن، على الرغم من طرح مقترحات مختلفة لصفقة بشكل خاصّ وعلني، فليس من الواضح أن ترامب لديه خطة عملية واضحة المعالم.
ومع ذلك، ستُبرم صفقة في النهاية، لذلك حان الوقت للتخلص من ساحة ما بعد الحرب. مهما كان الاتفاق، ستستمرّ أوكرانيا في الخوف من جار كبير وقوي يمكنه الهجوم عليها مرة أخرى. لقد تحوّل الحديث حتى الآن إلى الضمانات الأمنية إذا انتهك بوتين شروط التسوية السياسية.

أظهرت عدة مؤسسات للاستطلاع أخيرًا أن نحو 52% من الأوكرانيين يفضِّلون نهاية تفاوضية سريعة للحرب، مقارنة بـ27 % فقط العام الماضي. الأوكرانيون مرهَقون من هذه الحرب، وروسيا أيضًا عانت منها. وقد قدّرت أوكرانيا وحلفاؤها أن قتلى الجيش الروسي وجرحاه قد يتجاوز 700 ألف، وتشير إحصاءات أوكرانيا وحلفائها إلى أن أكثر من 14000 قطعة من المعدات العسكرية الروسية، قد دمِّرت.

وعندما التقى زيلينسكي بترامب والرئيس إيمانويل ماكرون من في باريس أخيرا عند إعادة افتتاح كنيسة نوتردام دو باري، استغلّ ماكرون أول لقاء شخصي لزيلينسكي مع ترامب منذ الانتخابات الأمريكية الأخيرة، للضغط على أهمية مثل هذه التأكيدات. كما أنه طلب من الرئيس المنتخب ترامب الضغط على الرئيس الروسي بوتين…
وفيما يلي أربعة سيناريوهات محتملة لحل النزاع الروسي الأوكراني المستقبلي. يريد زيلينسكي عضوية الناتو، لكن من المحتمل أن يظل هذا الأمل غير محقق. الإجماع مطلوبٌ لقبول عضو جديد في الناتو، وكان أقرب ما يكون للحلف هو التفكير في أوكرانيا في عام 2008، عندما أعلن أن أوكرانيا ستنضمُّ إلى صفوف الناتو في موعد غير محدد في المستقبل. هذا الغموض يرجع إلى الانقسامات المستمرة في الاتحاد الأوروبي، وهو أيضا يعاني من مشاكل عدة، قد تؤدي به إلى الاندثار أو الزوال.
واليوم: ورد أن سبع دول على الأقل في الناتو تعارض دخول أوكرانيا أو تريد تأجيله إلى أجل غير مسمى، بما في ذلك الولايات المتحدة، إذ قال كبار مستشاري ترامب إن عضوية أوكرانيا في الحلف الأطلسي غير مطروحة على الطاولة. بدلاً من ذلك، يمكن للناتو أن يتعهَّد بحماية أوكرانيا. المشكلة هي أن أوكرانيا ستريد أن تكون الولايات المتحدة من بين الضامنين. وهي تعتبر الناتو في الأساس ضمانًا أمريكيًّا للحماية ولن تنظر في أي تحالف موثوق به ما لم يجري تحصينه بالقوات والأسلحة الأمريكية. من غير المرجح أن يوقع ترامب، الذي لا يسعى فقط إلى إنهاء الحرب من دون تقديم أي وعد بحماية أوكرانيا، ولكن أيضًا لتقليص الالتزامات الأمنية لأمريكا في أوروبا بشكل عامّ، على أي ترتيب من هذا القبيل.
تشير تصريحات ترامب والأشخاص الذين خصّهم بالمناصب العليا في السياسة الخارجية والأمن القومي في إدارته المقبلة، إلى أن القوة العسكرية الأمريكية ستوجَّه بشكل متزايد نحو آسيا والمحيط الهادئ لمواجهة الصين. علاوة على ذلك، لأسباب جيوسياسية بسيطة، فإنّ أمن أوكرانيا سيكون دائمًا أكثر أهمية للأوروبيين منه للأمريكيين. لذلك من الحكمة توقّع انخفاض الدور العسكري الأمريكي في أوروبا. على الأقل، يجب على الأوروبيين تحمّل المزيد من العبء على دفاعهم، وربما حتى المسؤولية الأساسية عن حماية أوكرانيا.
كيف يمكن أن تبدو نهاية اللعبة التي تأخذ فيها أوروبا زمام المبادرة؟ ناقشت العديد من الدول الأوروبية إمكانية نشر قوات في أوكرانيا بعد الحرب. في الأسبوع الماضي، التقى الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي شدّد على أن أوروبا يجب أن تعمل المزيد من أجل دفاعها، برئيس الوزراء البولندي، دونالد تاسك، لمناقشة نشر جنود أوروبيين في أوكرانيا بعد تسوية سلمية. وهذا لأن بولندا ستترأس الإتحاد الأوروبي بداية يناير 2025 مدة عام كامل.
وقال تاسك في وقت لاحق إن بلاده «لا تخطط لأي أعمال من هذا القبيل» حتى بعد وقف إطلاق النار. باختصار، كانت هناك محادثاتٌ حول ضمان أمني أوروبي، لكن لم يتخذ أي قرار في هذا الشأن.
هناك نموذج آخر محتمل “كن محايدًا مسلحًا”، سيكون النموذج الوحيد المحتمل في أوكرانيا. سيتطلب الأمر من روسيا التعهُّد بعدم مهاجمة أوكرانيا، وأن تتخلى أوكرانيا عن عضوية الناتو ونشر القوات الأجنبية والأسلحة على أراضيها. الحيادُ المسلح من شأنه أن يجعل أوكرانيا أكثر عرضة للخطر مقارنة بالحلول الأخرى. قد تكون أيضًا النتيجة الأكثر قابلية للتحقيق. وقال بوتين إن “الحياد ضروري لعلاقات حسن الجوار”. قد يكون من الصعب تخيُّل علاقات حسن الجوار في أي ظرف من الظروف، لكن النجاح الكبير الذي حققه الجيش الروسي، خاصة في الأشهر القليلة الماضية، يعني أن بوتين سيكون قادرًا على إعادة عملية “زاد” مرة أخرى.

لا يمكن لأوكرانيا الاعتماد على وعد روسي بعدم الاعتداء، ويجب عليها تقوية أمنها إذا كانت النتيجة هي “الحياد المسلح”. يمكن أن ترفض أي قيود على حجم جيشها، وهو أمر أصرّت عليه روسيا خلال المفاوضات الفاشلة في عام 2022، أو على الأسلحة التقليدية التي يمكنها الحصولُ عليها أو بناؤُها

لا يمكن لأوكرانيا الاعتماد على وعد روسي بعدم الاعتداء، ويجب عليها تقوية أمنها إذا كانت النتيجة هي “الحياد المسلح”. يمكن أن ترفض أي قيود على حجم جيشها، وهو أمر أصرّت عليه روسيا خلال المفاوضات الفاشلة في عام 2022، أو على الأسلحة التقليدية التي يمكنها الحصولُ عليها أو بناؤُها. يمكن للدول الأوروبية، التي تقوم بالفعل بتدريب القوات الأوكرانية، الاستثمارُ في صناعاتها الدفاعية، أن تفعل المزيد على الجبهتين. لقد أثبتت أوكرانيا أنها خصمٌ عنيد، وإذا كان من الممكن جعل جيشها المخضرم الذي جرى اختباره أقوى وأفضل تجهيزًا، فسيتعيّن على روسيا أن تحسب حسابًا لخصم أقوى بكثير.
بعد أكثر من ألف يوم من الحرب التي أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت الملايين ودمّرت أجزاء كبيرة من أوكرانيا، قد تقترب النهاية.
وقد حذّر محامو حقوق الإنسان من أن اتفاق السلام الأوكراني الذي سيتوسط فيه ترامب سيكون غير قانوني إذا استند إلى التهديد بسحب الدّعم العسكري.
وإذا عدنا إلى الرئيس المنتخب الذي زعم أنه «سينهي الحرب في غضون 24 ساعة» بعد تولّيه السلطة في 20 يناير 2025. فإنّ منظمة حقوق الإنسان العالمية زعمت أن الصفقة ستكون غير قانونية.

مقالات ذات صلة