الجزائر
لا يعرفن المحمول ولا التلفاز

أربع يتيمات يصارعن قسوة الحياة بصنع الطاجين والحلفاء

الشروق أونلاين
  • 17456
  • 85
مكتب سطيف

اختار الشقاء منطقة أولاد حجيجو ببيضاء برج شرق ولاية سطيف ليبسط ذراعيه، ويحط الرحال في عدة منازل أبرزها بيت لأربع يتيمات، لا يعرفن من هذه الحياة إلا جدران الحجارة، ولا احتكاك لهن إلا بالطين الذي يصنعن منه الطاجين والحلفاء التي يحوِّلنها إلى حبال على طريقة القرون الوسطى وكأنهن يعشن في زمن غير زمننا فالعالم بالنسبة إليهن صغير صغر الكوخ الذي يأويهن.

 

سمراء 18 سنة وفاطمة 20 سنة وجهيدة 21 سنة وذهبية 28 سنة، فتيات في سن الزواج وجدن أنفسهن في عزلة عن العالم، بعدما توفي والدهن وتخلت عنهن والدتهن التي هجرت المنزل وتزوجت في مكان خارج ولاية سطيف؛ فالأم التي كانت بالأمس مثالا للحنان ثارت ثائرتها ذات يوم فحملت أغراضها وغادرت المنزل هروبا من الفقر الذي ظل يطاردها منذ سنوات.  

وبغض النظر عن تفاصيل هذا الرحيل “الجريء”، قصم قرار الأم ظهور الفتيات وقلب حياتهن رأسا على عقب، فلم يجدن سوى العم الذي تولى أمرهن، فآوت إليه ذهبية وأخواتها ووجدن فيه الحضن الدافئ رفقة زوجته وابنه، لكن هذا التكفل كان معنويا أكثر من أي شيء آخر، لأن العم لا يملك عقدا على نقد، وبالتالي ازدادت العائلة الجديدة فقرا على فقر، ولم تجد الفتيات سوى حرفة صناعة الطاجين لتوفير قوت اليوم. 

 وتقوم سمراء بجمع الطين وتتولى فاطمة طحنه، بينما تتفنن جهيدة وذهبية في عجنه وتحويله إلى طاجين أصيل يعدّ أفضل وسيلة لتحضير الكسرة والمطلوع. هذه الحرفة توارثها أفراد العائلة وتوّلت زوجة العم تعليمها للبنات، فتحولت إلى مصدر رزق للعائلة، إلى جانب حرفة فتل الحلفاء وتحويلها إلى حبال يبيعها العم رفقة الطاجين في الأسواق. وحسب العم فإن دوره يتمثل في بيع منتوجات البنات مقابل دراهم معدودة لا تكفي لسد الرمق؛ فالحرفة كأنها سقطت من الزمن الغابر وهي من حال العائلة التي تبدو كأنها سقطت سهوا من سنوات الزمن الغابر.

ولا تعرف اليتيمات الأربع الهاتفَ النقال ولا مواد التجميل، ويومياتهن تنحصر في صناعة الطاجين وفتل الحلفاء ومحاكاة جدران حجرية تروي قصة مستوحاة من مستخلص البؤس، فجهاز التلفزيون بالنسبة إليهن جسم غريب، لم يعتدن على مشاهدة البرامج التلفزيونية ولا يعرفن المسلسلات التركية ولا السورية. وكلما خيَّم الظلام يخلدن إلى النوم رفقة العم وزوجته، وفي اليوم الموالي نهار جديد لكنه لا يختلف عن سابقه، فالموعد دوما مع الطاجين والحلفاء، والسمر الروتيني، وحتى الحكايات انتهت بالنسبة للفتيات الأربع فقد تحدثن عن كل شيء من عالمهن الضيق، وفي غالب الأحيان يستسلمن للصمت الذي يخيم على المنزل بكامله.

وإذا كان أهل الأرياف قد اعتادوا على تربية الدواجن والماشية فهي غير موجودة في بيت الفتيات اليتيمات لأن العم عاجز على شرائها، وليس له مدخول إلا الدراهم التي يجنيها من بيع الطاجين والحلفاء، حيث أكد لنا بأنه كلما ذهب إلى السوق لا يكاد يعود إلا بقليل من الحليب والسميد وبعض الخضروات، ولذلك فطعام العائلة لا يزيد عن الكسكس والحليب وأكلات خفيفة وأحيانا يقتصر على الكسرة والبصل، الشيء المحير الذي لمسناه عند أهل الدار هو ذلك الصبر الذي تتحلى به الفتيات فالصغيرة سمراء تقول “اشتقت إلى حضن أمي وابتسامتها وطريقتها في تحضير الطعام”، لكن برغم الشوق والرحيل غير المبرر للأم التي تخلت فجأة عن بناتها إلا أن الفتيات لا يذكرنها بسوء ويبحثن لها في كل يوم عن عذر جديد. 

وبرغم إلحاحنا على معرفة ما تطلبه الفتيات وما يتمنّينه، فإجابتهن الموحدة لا تزيد عن مقولة “الحمد لله” والتأكيد على عدم تطلعهن إلى أي شيء من هذه الدنيا، فلم يطلبن اللباس الجديد لتغيير ألبستهن الرثة ولم يسألن عن الهاتف الثابت ولا النقال، ولا عن اهتمامات الفتيات العاديات، بل كل ما يتمنينه رؤية والدتهن من جديد، ومسكناً يقيهن من الحر والقر لأن الكوخ الذي يأويهن لا يليق بمقام البشر وكل شيء فيه موحش، ولم يعد يأوي سوى البؤس الذي رضعته الفتيات وهو الآن يحاصرهن في كل زاوية.

 

مقالات ذات صلة