الرأي

أرزُ الونشريس

لستُ من هواة قراءة الروايات، لأنّ أكثرها “خيالي”، وتتميَّز بانحطاط المعنى والمبنى تحت اسم “الواقعية” في الأدب، ولمعرفتي المباشرة وغير المباشرة ببعض هؤلاء الروائيين الذين يخجل إبليسُ الأمّارُ بالفواحش والمنكرات ممّا يرتكبونه من تصرّفات.

في الفترة ما بين 1975 و1985 قرأتُ -مضطرًّا- بعض هذه الروايات، لأنّني كنتُ مسئولا عن القسم العربي في مديرية النشر، التابعة للشركة الوطنية للنشر والتوزيع (SNED)، وكم صفَّيْنا من قذارات في هذه الروايات، التي كان بعضُها لا يمرّ على قسم النشر العربي.

ولكنَّني في هذه الأيام انكببتُ على قراءة رواية ليست مما عهدتُه من روايات، هذه الرواية هي “أرزُ الونشريس” التي أهدِيت لي في معرض الكتاب لهذه السنة، ولا أذكر أنني أعرف صاحبَها وهو الأستاذ محمد بوديبة، ولا معرِّبَها الأستاذ خليل أوذاينية، اللذين أحيّيهما على ما بذلاه من جهد في هذه الرواية التاريخية.

شدّني إلى هذه الرواية التي أتيتُ عليها في يوم وبعضِه أمران:

– اسمها “الونشريس”، وهو طودٌ عظيم يقع إلى الجنوب الغربي من مدينة الجزائر، ومعنى “الونشريس” بلسان أهل المنطقة “لا يوجد ما هو أعلى منه”. (ص293). وذكّرني هذا المعنى بما قرأتُه في كتاب جغرافية الجزائر للأستاذ أحمد توفيق المدني من أنّ جبل الونشريس كان يُسمَّى “عين الدنيا” لإشرافه على منطقة، شاسعة، ولجماله وجلاله سمّاه جنرالٌ فرنسيٌّ “جنة الأرز”. (ص35).

– شهرةُ أحد أبناء الونشريس بعلمه وورعه، وهو الإمام أحمد بن يحيى صاحب كتاب “المعيار”، وهو موسوعةٌ فقهية / اجتماعية لمنطقة الأندلس والمغرب الإسلامي.. وتقديرا من أبناء المنطقة لهذا العلَّامة كانوا يقسمون -وما ينبغي لهم وغفر اللهُ لهم- باسمه فيقولون “حقّ سيدي أحمد المعيار”.

حوادثُ هذه الرواية تجري في هذه المنطقة التي كانت قلعة طبيعية من قلاع وطننا في جهادنا الأخير ضدّ فرنسا المجرمة (1954- 1962)، ولِوُعُورة تضاريسها وكثافة غاباتها اتخذها المجاهدون قاعدة للمنطقة الرابعة (الولاية الرابعة)، وقد عانى الفرنسيون المجرمون كثيرا في هذه المنطقة التي سمّوها “جمهورية الفلّاقة”، أو “جمهورية جبهة التحرير الوطني”، كما وصفتها جريدة (L’ Humanité) (ص71-72).

لقد واجه المجاهدين في هذه المنطقة بعضُ الخونة كالخائن باشاغا بوعلام صاحب كتاب (Mon pays La France) الذي مات في مستشفى للأمراض العقلية بفرنسا، وكالخائن المسمّى “مايو”.

كما برز من قادة هذه المنطقة الشهيدان سي أمحمّد بوقرة وسي الجيلالي بونعامة رحمهما الله وجميعَ شهدائنا.

وقد عانت المنطقة أكثر من غيرها من نقص السلاح لبُعدها عن الحدود الجزائرية التونسية والحدود الجزائرية المغربية التي يتسرّب منهما السِّلاح.

اعتمد المؤلّف في روايته على بعض المراجع المطبوعة كلّها فرنسية إلا كتابَا محمد حربي المسمّيان “جبهة التحرير الوطني” و”أرشيف الثورة الجزائرية”، وهو ممّن وصفهم الشيخ أبو اليقظان: “الألسنة الفرنسية في الأفواه الجزائرية”، فلا ثقة فيه، لأنه “مجروح” بلغة علماء الحديث الشريف.

مقالات ذات صلة