أزواج يرفعون شعار.. تعدّد أو تبدّد
كثير من الأشخاص عاودوا الزواج أكثر من مرة، دون تطليق الزوجة أو الزوجات السابقات، وكثير من الناس يفكرون في إعادة الزواج، لأسباب تختلف من شخص إلى آخر، أما قاسمهم المشترك فالقول: “الدين حلل أربعا”، والغريب أن بعضهم لا يحسن الوضوء ولكنه يحفظ كل آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة التي تتحدث عن تعدد الزواج عن ظهر قلب، وثمة حالات أخرى لزواج تندرج ضمن ما يسمى بزواج المصلحة خصوصا إذا كانت المرأة صاحبة جاه ومال وتملك سكنا بصرف النظر عن جمالها ونسبها، فتحاول أن تصطاد الرجل الذي تريده، حتى وإن كان زوجا وأبا لعائلة، ولا تجد صعوبة في قبول الرجل وقد تقبل زوجته الأولى أيضا طمعا في مال ضرتها.
تزوج بطفلة عمرها 11 سنة تيمنا بوالده
تعد منطقة ميه ونسة، الواقعة غرب ولاية وادي سوف، ومنطقة الطيبات المجاورة لها، التابعة لولاية ورڤلة، من أشهر المناطق التي انتشرت فيها ظاهرة تكرار الزواج وصار سلوكا يتوارثه الأبناء عن الآباء، لدى بعض العائلات وشعار هؤلاء من لم يتزوج بأكثر من امرأة أعور، أو معوق، ولا يجد الرجال صعوبة في إقناع نسائهن، بل إن الزوجات منذ أن يطرق الخاطب بابهن، حتى يعلمن بأنهن لن يعشن وحيدات طوال العمر، فالزوج سيلحق بهن ضرات وربما كثيرات، وتكاد تعجز في هاته المناطق أن تجد رجلا بزوجة واحدة حتى ولو كان مريضا أو فقيرا معدما، أو غير مطبق لفرائض الإسلام إطلاقا.
في ميه ونسة غرب وادي سوف، يوجد عدد معتبر من الذين عاودوا الزواج أكثر من مرة، غير أن المعروف فيهم المسمى عبد الرزاق المدعو “الدولة” وهو شخصية مرحة، خفيف الروح يتعامل مع الجميع دون تمييز، وظيفته سابقا سائق في البلدية وبعد التقاعد واصل الوظيفة لدى الخواص ويمارس التجارة الحرة، وكل المنطقة تعرفه، اقتربنا منه لنعرف حكايته مع تعدد الزوجات فراح يسردها دون تردد، بدءا من الزواج الأول سنة 1977 وقتها بلغ من العمر 17 سنة، وسبب زواجه، هو والدته التي تعد الزوجة الرابعة والأخيرة لوالده، كبرت الوالدة العجوز في السن فأصرت على تزويجه. وهنا يقول: “زوجتي الأولى عمرها 11 سنة، وحين قررت أمي تزويجي كانت قد اختارتها، وكانت آنذاك طفلة تلعب مع أترابها في الحي وبعد مرور 5 سنوات أعدت الزواج بامرأة ثانية، ثم ثالثة فرابعة، كل واحدة مستقلة عن الأخريات أنجبن 23 ولدا وبنتا منهم 17 كانوا يدرسون معا في مدرسة ابتدائية واحدة”.
ولم يصنع عبد الرزاق الاستثناء بزواجه من طفلة عمرها11 سنة، ومن أربع نساء فما فعله نسخة طبق الأصل لسلوك والده رحمه الله الذي تزوج بعدد مماثل من النساء أصغرهن أمه التي كانت ذات وقت تلعب مع قريناتها في الحي وحدثتهم عن حكاية زواج شيخ دون أن تعرف أنها المعنية بالزواج به أو كما قال لنا عبد الرزاق، علما أن هذه الحادثة صارت متداولة إلى اليوم في أوساط السكان ولا تزال المعنية بها على قيد الحياة تحت رعاية ابنها الذي حذا حذو والده.
زوج وأربع نساء في سكن واحد
يؤكد عبد الرزاق أنه لم يجد صعوبات كبيرة في تسيير حياته العائلية مع نسائه الأربع والعدد الكبير الذي أنجبه من الأولاد والبنات ويؤكد من جهة أخرى غبن كثير من الناس على غرار ذلك الذي تزوج بأربع نساء ولا يملك سوى سكن هش ولم يجد من بد سوى إنجاز زريبة تحيط بالسكن على سبيل توسيعه. ففي أحد الأيام يقول عبد الرزاق: “لما كنت سائقا في البلدية نقلت لجنة من البلدية لمعاينة وضع السكان في طرف المدينة. كانت السيارة تسير وسط شارع لتتوقف أمام سكن يقابله كوخ بداخله امرأة راحت تتخفى فعلمنا لاحقا أن الكوخ ملحق بالسكن المقصود بالمعاينة ليؤكد لنا صاحبه أنه يقطن وزوجاته الأربع في غرفة واحدة محاطة بسور من الجريد والحطب ومواد بلاستيكية.
إعادة الزواج في ميه ونسة والطيبات أمر هين والعثور على صبية سهل فحين يقرر الرجل ينفذ دون استشارة الزوجة. المرأة بالنسبة إلى البعض هنا إنسان مكلف بمهام داخل البيت فقط ولما ينفذ الزوج قراره تغضب لبعض الوقت ثم تنسى الأمر هكذا قال لنا عبد الرزاق مردفا كلامه بقهقهة فهل هي قساوة الجنس الخشن أم عادات وتقاليد توارثها أبناء المنطقة عن آبائهم. ومهما يكن فإن آراء الكثير حول الموضوع تتنوع بين الرفض والقبول بتحفظ فثمة من الرجال من يرفض إعادة الزواج رفضا قاطعا ما لم يكن هناك مبرر مقنع تمام الإقناع ولا يدع مجالا للتأويل. هكذا قال لنا أستاذ في ميه ونسه مضيفا أن كل من يعيد الزواج ليس سعيدا في حياته الزوجية وثمة من يقول إنه مع إعادة الزواج ومبرره القول: “تبدال السروج راحة” وكأن الزوجة للمتعة فقط وثمة من يقول: “الدين حلل أربعا” وما إلى ذلك من المبررات التي يأتي بها هذا الطرف أو ذاك.
رجال يطلبون من الأئمة ذكر التعدد في خطب الجمعة
أكد لـ “الشروق” أحد أقدم الأئمة في قسنطينة بأن بعض الرجال من الكهول وحتى من الشيوخ، صاروا يتقربون منه للسؤال عن تعدد الزوجات وعن شروطه وأيضا فوائده، ثم يطلبون منه أن يخصص درسا وحتى خطبتي الجمعة عن تعدد الزوجات، حتى يحضر زوجته الأولى أو الوحيدة إلى الجامع وتسمع بأذنيها بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل صحابته تزوجوا بأكثر من امرأة، فتكون الرسالة الفقهية قوية، تبتلعها المرأة من خروجها مع زوجها نحو الجامع من أجل أداء صلاة الجمعة، وهناك أئمة عن طيب خاطر يفضلون الحديث عن التعدد وتقديم الفوائد الاجتماعية والنفسية التي يحققها في المجتمع ولدى الأفراد، كالحديث مثلا عن التفوق العددي للنساء في العالم وفي الجزائر على عدد الرجال، وهي إحصائية خاطئة بالكامل، لأن عدد الرجال في الجزائر كان دائما أكبر من عدد النساء، ومع وصول التيار السلفي صار التعدد من المسلّمات، وعاد بقوة ليس لدى الكهول أو من الذين أغناهم الله بالمال، وإنما حتى لدى بعض الطلبة الجامعيين الذين يزاولون دروسهم في أقسام الشريعة بالجامعة الإسلامية الأمير عبد القادر بقسنطينة، وأنهى منذ موسمين طالب من جامعة الأمير عبد القادر، وهو من نواحي آريس بولاية باتنة دراسته بحصوله على شهادة الليسانس وأيضا على أربع نساء، اثنتان منهن من طالبات الجامعة قبلن بالعرض لأنه بالمختصر المفيد ليس محرّما دينيا بل إنه سنة طبقها الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدون كافة، وكما قالت إحداهن إذا كان علي بن أبي طالب قد تزوج على ابنة رسول الله فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فكيف لبنات أخريات أن يرفضن الضرة.
وتؤكد معلوما بأن طالبات جامعيات علمن بصعوبة الحصول على زوج، فصرن يتفاهمن مع بعضهن من أجل اقتراح كل صديقة لصديقتها إذا طرق خاطب بابها بأن تكون ضرتها، من أجل ضرب عدة عصافير بحجر واحد وهو كسب الزوج بكل الطرق، وتمكن البعض من تحويل وسائل التواصل الاجتماعي للحديث عن تعدد الزوجات، من خلال طرح نماذج ناجحة عن ضرات يعشن حياة سعيدة في نفس المنزل، مثل الصديقات يتعاون على البر والإحسان ويقمن بنفس الواجب تجاه أزواجهن، وغالبية هذه النماذج من نسج الخيال أو فيها الكثير من المبالغة، لأن فرص العدل بالنسبة إلى الإنسان شبه معدومة بقرار من القرآن الكريم.
ولعبت أيضا البحبوحة المالية التي عاشتها الجزائر في العشرية الماضية وأفرزت أثرياء جددا، والنزوح الأخير بالنسبة إلى بعض القرويين إلى المدن سواء لقضاء أوقات فراغهم أم من أجل التسلية والترفيه، أو من أجل العيش والاستقرار في المدن الكبرى، في تضاعف حالات تعدد الزوجات، فقد صارت المرأة الوحيدة لا تكفي، هي شعار بعض الجزائريين من الذين اقترح المجتمع أن يطلق عليهم لقب البقارة، وهو نوع من الأثرياء الذين يعانون من المراهقة المتأخرة، فحاولوا أن يعيشوا ما افتقدوه في شبابهم وفي مرحلة المراهقة وكانت الطريق الأولى هي النساء، ومن خطإ إلى زواج تعددت الطرق والزواج الثاني أو الثالث أو حتى الرابع.. واحد.