أسرٌ غريبة عن بعضها البعض تستأجر شققاً جماعية
لم تُجدِ الحلول الترقيعية التي تسعى الدولة لإيجادها في كل مرة للخروج من أزمة السكن الخانقة والتي تتخبط فيها البلاد نفعا، حيث مازال السكن الحلم الذي يلازم المواطن الجزائري البسيط ويسعى لتحقيقه ليدفع ما ادخره لسنوات أجرة كراء شقة من غرفتين، ونظرا لارتفاع أسعار الإيجار في العاصمة والمدن الكبرى اهتدت العائلات إلى التعايش في شكل جماعات من أسرتين وثلاث أسر في شقة واحدة في انتظار الفرج.
تشهد أسعار كراء الشقق والمنازل في العاصمة ارتفاعا محسوسا، حيث تتراوح مابين 25 و35 ألف دينار في الشهر الواحد في الوقت الذي وصل فيه ثمن كراء طابق فيلا في حي عادي إلى أكثر من 5 ملايين سنتيم، وقد ترتفع الأسعار إلى الضعف في أحيان عديدة وذلك يحتكم إلى المنطقة الموجود فيها، وقربه من المستشفى، ومراكز البريد، وسائل النقل وبالأخص الميترو والتراموي، وعدد الغرف ووضعية العامة المنزل.
هذا الوضع دفع بأغلبية المستأجرين والذين يفضلون خوض رحلة البحث بمفردهم دون الاستعانة بالوكالات العقارية، والتي رغم توفيرها للطلب سريعا والتقليل من عناء البحث والانتظار، لكنها تكبده مصاريف وأعباء مادية إضافية تترتب على كاهله في حال لجوئه إليها. ولأن أعباء الكراء أصبحت أثقل من أن يحتملها موظفٌ يتراوح مرتبه الشهري مابين 25 و30 ألف دينار، يفضل بعض أرباب العائلات “التعاون” فيما بينهم لتأجير شقة واحدة والعيش فيها؛ فبعد أن كانت هذه الظاهرة حكرا فيما مضى على الطلبة الجامعيين القادمين من ولايات أخرى، هاهي تنتقل إلى العائلات الجزائرية والتي أصبحت تتقاسم منزلا رفقة غرباء.
إلى ذلك، أقدمت عائلة “ن” من حي باش جراح، على كراء شقة في حسين داي بسعر 31 ألف دينار شهريا، إلا أن رب العائلة والذي تمكّن في المرة الأولى من تسديد أجرة الكراء دفعة واحدة لمدة سنة وجد نفسه عاجزا عن تجميع 38 مليون سنتيم لتجديد عقد الإيجار، فحاول استدانة المبلغ من معارفه وأصدقائه إلى أن عرض عليه زميله في العمل الدخول كـ”شريك” معه في إيجار الشقة بالنصف ويقتسمون المنزل، ولما عرض الفكرة على زوجته خاصة وأنه أبٌ لطفلين، وافقت على مضض لتنقل العائلة الثانية معهم واقتسموا غرف النوم، كما قرروا جعل غرفة الاستقبال للأولاد وهم ينامون معا ويعيشون في تفاهم، ليضيف محدثنا أن الخلافات نادرا ما تحدث بين الأطفال الصغار فقط ،أما المودة والتفاهم فهي السائدة بين السيدتين واللتين تبدوان كالشقيقتين، حتى أنهم يفكرون في كراء الشقة لعام إضافي إذا وافق صاحبُ المنزل في انتظار حصولهم على شقق “عدل”.
أما السيد “ع. خالد” فقد وجد نفسه بين ليلة وضحاها من دون مأوى رفقة عائلته المكوَّنة من 4 أطفال بعد خلافات نشبت بينه وبين والده، ما دفع هذا الأخير إلى طرده من المنزل، يحكي محدثنا: بعد خروجي إلى الشارع لجأت إلى عائلة زوجتي، إلا أن هذا الوضع المؤقت لم يكن ليستمر فأنا بعيدٌ عن بيتي وأبنائي، لذا فكرت في تأجير مسكن يؤوينا لكنني صعقت عندما علمت أن أسعار الكراء في العاصمة تتجاوز 25 ألف دينار وهو نفس ثمن مرتبي الشهري، وما زاد الطين بلة هو ضرورة تسديد إيجار سنة واحدة دفعة واحدة وهو ما لم يكن متوفراً لديّ فعرضت على جاري والذي انتهت مدة كرائه أن يشاركني في الإيجار ونسكن معا، وبالفعل تمّت الأمور على ما يرام وأخذنا شقة من 3 غرف في عين النعجة اقتسمناها فيما بيننا ونحن نعيش معا كعائلة واحدة.
وإذا كان المال السبب الرئيسي للجوء العديد من العائلات إلى تأجير شقق ومنازل، فإن دافع “يزيد” يختلف عما سبق، فمع أنه موظف في إحدى المؤسسات جنوب البلاد ويتقاضى مرتبا معتبرا، إلا أنه يضطر إلى التغيب لفترات طويلة عن البيت لمدة تقارب شهرين أو ثلاثة أشهر أحيانا، لذا وجد في فكرة تأجيره لشقة رفقة شقيق زوجته وهو عريس جديد فرصة للاطمئنان عليها خاصة وأنها حامل ويجب أن لا تظل بمفردها، فوجود شقيقها وزوجته إلى جانبها حتما سيبدّدان مخاوفه ومع أنه رفض في البداية مشاركته له في إيجار البيت إلا أن صهره هو الآخر تمسّك برفضه السكن دون مقابل وهو الآن يسافر ويعمل مطمئنا على زوجته.
ومع تباين الحجج والمبررات، تظل فكرة تقاسم عائلتين غريبتين شقة واحدة والتشارك في تفاصيل الحياة كالحمام والمطبخ، قد يولد حالة من الشعور بالقلق والخوف وانعدام الراحة لكلا العائلتين، إلا أنها تظل حلا مؤقتا وجدت العشرات من العائلات نفسها مجبرة عليه وعلى التعايش معه في انتظار حلول جذرية ونهائية من السلطات المعنية لهذه المشكلة.