أصدقاء فرنسا… بيننا؟!
ما يحدث منذ فترة بين الجزائر وباريس، يمكن توصيفه بأكثر من توتر، وأكبر من كونه جفاء، انه ارتباك ديبلوماسي لم يكن معهودا لسنوات، وهو الآن، يستعصى فهمه حتى من طرف أولئك الذين يدعون أنهم متحدثون باسم المصالح الفرنسية في الجزائر، أو أصدقاء باريس هنا، بيننا، وان كانت الطبخة غير الجاهزة الآن لا تخلو من بعض التوابل التي لا يحسن إضافتها والتحكم في مقاديرها غيرهم.
-
-
الرئيس بوتفليقة غاضب من باريس، ذلك هو الأكيد، وإن كان البعض يستعمل وصف انزعاج للتقليل من شأن الحدث، لكننا نعتقده غضبا يتزايد منذ اعتلاء الرئيس نيكولا ساركوزي سدة الحكم في قصر الاليزيه، وقد بدا ذلك الغضب مشروعا بسبب اجتهاد النظام الفرنسي في تغذيته بالمبررات والأسباب والمعطيات، منها عدم الاعتراف ببشاعة الاستعمار، حتى الآن، والتلكؤ في تعويض الضحايا، واستعمال الحيلة في الاستثمار، وأخيرا، وليس آخر، التعامل الأمني الغامض والأحادي أحيانا مع ملف الإرهاب الذي كنا نعتقد أنه آخر الملفات التي يمكن للبلدين الاختلاف عليها، فظهر جليا أن ساركوزي الذي يتبنى النظرية الأمريكية، وتحديدا عقيدة المحافظين الجدد، لا يترك فرصة إلا ويعامل فيها الجزائر كطرف في معادلة الإرهاب الدولي ومصدر خطر دائم، وليس شريكا في مكافحة الظاهرة مثلما يريد النظام هنا العمل على أساسه.
-
الثقة المفرطة التي تعاملت بها الجزائر في علاقتها مع باريس، لظروف تاريخية لا يمكن سردها الآن، ساهمت بشكل كبير في توريط الدبلوماسية ضمن مسار نظهر فيه بشكل التابع أو في ثوب المغلوب المولع بتقليد غالبه، أو عدم مجادلته، ولاشك أن تلك الأخطاء الدبلوماسية الخطيرة، لا يمكن تصحيحها بلقاءات صحفية عابرة، كتلك التي يقوم بها وزير خارجيتنا مراد مدلسي هذه الأيام، وإنما تحتاج أكثر من ذلك بكثير، وتفتقر إلى إرادة سياسية حقيقية، مازلنا نعتقد أنها خاضعة لتوازن القوى والمصالح داخل النظام، خصوصا ما تعلق فيها بالعلاقة مع فرنسا.
-
وبعيدا عن تفاصيل العلاقة الاقتصادية والتجارية بين البلدين، يبرز اعتقاد جدي أن سياسة الظل في باريس والجزائر ماتزال تلعب دورا أساسيا في تشكيل تلك العلاقة، والغريب هو أن الرأي العام لا يحظى في مثل هذه المسألة الهامة تحديدا باحترام من طرف النخبة الحاكمة في البلاد لتوضيح كثير من نقاط الظل السائدة في ملف العلاقة، وقد يكون ذلك الاحترام المفقود ناتج عن استغباء لعقول الشعب أو الهاء له عن المسألة، فالكثير من الأجيال الجديدة تربت على سماع وصف حزب فرنسا دون أن تعرف امتداداته أو هويته، وفئات واسعة من الشعب تستحق أن تعرف أكثر ما مدى تغلغل ذلك الحزب في دواليب الدولة وحجم مزدوجي الجنسية وولاءاتهم وانتماءاتهم، وغيرها من المسائل الهامة التي تنتظر التوضيح قبل أن يخرج وزير الخارجية ببياناته واعتراضاته ضد فرنسا أو غيرها.