-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أطفالُ التاريخ

أطفالُ التاريخ

من أصدق ما قيل من حِكم قولُ أحد الرومانيين: “من لا يعرف التاريخ يظلّ طفلا”؛ ذلك أنّ التاريخ هو أكبرُ مدرسةٍ لاستخلاص العِبر التي يغفل عنها الغافلون ولو كانوا ذوي قامات عالية علمًا ومسئولية.

بعضُ هؤلاء الغافلين لوجودهم في موقف قوّة مؤقّتٍ يظنّون أنهم خالدون في ذلك الوضع، فيعلُون في الأرض بغير الحقّ، ويستعبدون الناس، وما هي إلا فترة من الزمان –تطول أو تقصر- حتى يداوِلُ الله، القاهرُ فوق العباد، الأيامَ، ويُردُّوا أسفل سافلين، ومنهم من تذهب ريحُهم، ويصبحوا أحاديث كأن لم يكونوا.

إن أكثر من انطبقت عليهم المقولة الرومانية: “من لا يعرف التاريخ يظلّ طفلا” لأنه لم يعتبر ولم يتّعظ هم هؤلاء الفرنسيون الذين دنّسوا أرضَنا الطاهرة، وزعموا أنّها “خالصةٌ لهم”، وأعمت أبصارَهم، وأصمّت آذانَهم قوَّتُهم المؤقتة.

وما هي إلا سنواتٌ حتى أدال اللهُ دولتَهم، وأجبرهم الشعبُ الجزائري المجاهد على أن ينسخوا بأنفسهم ما سبق لهم الإيمان به، وهو أنّ الجزائر “فرنسية”، رغم السِّمات والسّحنات وجوَلان الضاد في اللهوات.. ورجعت الجزائر رغم أنف فرنسا، ورغم قوّتها إلى محمد –صلى الله عليه وسلّم- وحطّم الهلالُ الصليب، عكس ما قاله السفيهُ جورج بيدو، زعيمُ حكومة فرنسا وزيرُ خارجيتها «la croix écrasera le croissant».

لقد كتب الإمام ابن باديس الذي لم يكن طفلا لأنّه درس التاريخَ وفَقِهه، كتب يقول ما معناه: “لا ندّعي علم الغيب، إذ لا يعلمه إلا علامُ الغيوب، ولكننا نستيقن أنّ الجزائر كما تقلّبت في التاريخ في سالف القرون، سيأتي يومٌ تستقلّ وتصبح ندّا لفرنسا”، وقد وقع ما تنبّأ به الإمامُ الفقيه وزال ما قاله وسطّره الوزيرُ السَّفيه.

وأمّا أكثرُ من تنطبق عليهم في الوقت الحاضر هذه المقولةُ الرومانية فهُم اليهودُ الصهاينة الذين ما أقاموا كيانهم المؤقت –مهما يطل- في فلسطين إلا بمساعدة الغربيين، وما استمرّوا هذه السّنين إلا بما يمتصّونه من هذا الغرب، الذي سيأفل نجمُه أيضا، وما أكثر الدراسات الغربية التي تتنبّأ بقرب نهاية هذه الهيمنة الغربية التي أسِّست على الظلم والطغيان، فينتهي المددُ الغربيُّ لهذا الكيان المختلَق، واقرأ إن شئت ما قاله الصهيونيُّ مردخاي كيدار في قناة “الهدهد” الصهيونية في يوم 14/ 8/ 2025.

أقول ما قلت وأنا أضحك من قول سفيهٍ صهيوني برتبة وزير هو سموتريتش معلّقا على اشتراط السعودية لتطبيعها مع الكيان الصهيوني إقامةَ الدولة الفلسطينية، فردّ هذا السفيهُ برتبة وزير مخاطبًا السعوديين: “استمرّوا في ركوب جِمالكم”، فدلّ بهذا القول على أنّه ما يزال طفلا لأنّ قومه يتنبّأون بزوال كيانهم عن قريب.

أنا لا أدافع عن النظام السعودي، ولا عن أيِّ نظام عربيّ، فأكثرُ حكام العرب مستبدّون، مبذّرون، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون… ولكنّني أقول لهذا “الطفل” إنّ الجزيرة العربية قد أنجبت الغُّرَّ الميامين، وأنجبت للبشرية خيرَ من وطِئ الثرى، وعلا بأخمصه الثّريا، وهؤلاء النجباء هم الذين أحدثوا أعمق وأضخم وأطول تغيير في تاريخ البشرية، فقد أسقطوا -في بضع سنين- إمبراطورية فارس، ونقصُوا الإمبراطورية البيزنطية من أطرافها، وهدّدوا عدّة مرات عاصمتها حتى فتحها الفاتح، ولو كنتَ ذا عقل لعاقلتُك، ويكفي أن تعلم أنّ قومك لو أصابهم عُشر معشار ما أصاب أهل غزّة، والله –غير حانث- لتكوننّ أوَّلَ الهاربين من فلسطين، ولو على ظهر خنزيرٍ مثلك، فالشيءُ منجذبٌ إلى أصله، والأيامُ بيننا أيها “الطفل” الذي ليس له براءة الأطفال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!