أطفال الثورة.. شهود على وحشية الاستعمار وبطولة الثوار
تذكروا بقايا الاستعمار الفرنسي العالقة في قلوبهم الموجوعة، وتلمسوا جراحهم التي تنزف على فراق الآباء.. وتحت مظلة الماضي أعادوا مواقف شجاعة وأخرى للعبرة رسخت في أذهانهم وهم في بداية العمر، فافتخروا بما قال فيهم الله عز وجل »وَلا تَقولوا لِمَنْ يُقْتل فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعرونَ«، وفي عبق النشوة بالفخر أتتهم آلام صراعهم في الحياة وتذكروا أن شهادة آبائهم تركتهم أطفالا بلا طفولة فشقوا طريقهم دون أن يقول أحدهم “كان أبي”.
عمي عيسى ويوسف، وعمي عبد السلام اليوم تجاوزوا عتبة الـ60سنة، لكنهم كانوا أطفالا عندما استشهد أباؤهم خلال ثورة التحرير الوطني، كشفوا للشروق عن حكات غريبة وأخرى أليمة عشية يوم الشهيد.
قطعوا أصابعه وأرسلوا إلينا سبابة “الشهادة” في علبة كبريت
يحكي يوسف للشروق عن كأس المرارة الذي احتساه طوال حياته بعد استشهاد والده سنة 1958، وقال انه أكثر ما يتذكره عن والده، هو شجاعته وهو في ساحة دوار الجابية بني خيار التابعة حالية لبلدية بن معوش ببجاية، حيث كان مكبل اليدين رفقة آخرين قبل ان يعدموه رميا برصاص الاستعمار الغاشم.
“لقد كنت طفلا في السابعة تقدمت من أبي ويداه في الخلف، ومددت لفمه كبسولة قهوة فارتشفها مرة وتساءلت حينها عن سر بقاء ذراعيه في الخلف فبحثت عنهما.. كانتا مكبلتين وملفوفتين بعصابة بيضاء وبدت أصابعه مقطوعة“.
ويضيف الشهيد الطيب دحمان وكان ذكيا “لقد تحدث قبل إطلاق الرصاص عليه بلغة فرنسية سليمة وطلب سيجارة“. وابتسم عمي يوسف ابتسامة ممزوجة بتنهيدة الذكرى الأليمة ونشوة الفخر بوالده ثم اردف قائلا: “لم يطلب سيجارة لأنه يدخن.. طلبها ليجد فرصة تمرير رسالة لجموع الجزائريين الذي التفوا في وسط القرية لمشاهدة الإعدام الجماعي لبعض المجاهدين“.
يضيف قال أبي حينها “ارفعوا رؤوسكم أيها الجزائريون، الاستقلال قريب.. جاهدوا واصبروا حتى تهزموا العدو“.
أحد أسنانه البارزة رسخت في مخيلتي كطفل وتعرفت عليها بين رفاته
و قصة والد عمي عبد السلام تحمل العبرة وعبق الشهادة في سبيل الله والوطن، قال إن الشهيد علي معيفي (والده) عثر على رفاته سنة 1988 بمنطقة “التمار” بالقرب من منطقة الماء لبيض بتبسة. “كان يمشط شعري ويلبس لي الملابس وانا طفل لا ادري عن الحياة سوى محيطي العائلي الصغير“. يقول عمي عبد السلام “شدني لأبي قامته الشامخة وأحد اسنانه الأمامية البارزة حتى رفعت شفته العليا جانبا“. يؤكد ان والده كان مسؤول مركز “المسبلين” في جبهة التحرير الوطني في الحدود التونسية منطقة الصفصاف حاليا، اختفى سنة 1955 وكان مبحوثا عنه من طرف الاستعمار الفرنسي، ونصب له كمينا رفقة بعض المجاهدين في الثورة بتاريخ 17 مارس 1957، وأثناء نقله من منطقة الصفصاف لمركز التعذيب بتبسة توفي في عربة العساكر فخافوا من مسؤوليهم الذين يحتاجون لاعترافاته، فدفن في الطريق، وكان رعاة غنم شاهدين على ذلك. وقال متحدث الشروق إن تصنيف المنطقة آنذاك في قائمة المناطق المحرمة بسبب خط شارل موريس حال دون البحث عن جثة والدهم. في الاستقلال ذهبت العائلة للبحث عن قبره فاكتشفوا أن مكان قبره جرفته السيول.
عشت طفلا متشردا .. لم أسمع بخبر استشهاد أبي إلا يوم النصر
معاناة الطفولة المحرومة من حنان الأب لأجل جزائر حرة، تذوقها عمي عيسى ويتذكرها وهو اليوم في الـ67سنة، قال إن والده الشهيد بوزيد مختار كان رجلا ولايقول إلا كلاما في البطولات وكلماته ترسخت وأذهان أبنائه وهم أطفال، جلسوا في حجر عميروش، وعبد الرحمن ميرة وغيرهم من أبطال الثورة الذين كانوا يترددون على منزلهم في قرية بن معوش ببجاية، حيث كان الوالد من أحد أبناء جمعية العلماء المسلمين، اين شحذ قدراته السياسية. شارك في عدة معارك ضد الاستعمار كمعركة جسر بوحمزة ومعركة تزمانت. وداهم العدو الفرنسي مخبأ كان يعيش فيه رفقة اثنين آخرين وذلك سنة 1961 أين تم اغتياله بعد أن رفض الخروج من المخبأ. قال عمي عيسى للشروق“افتخر اليوم باسم والدي الذي يحمله مستوصف بحسين داي، رغم اني حرمت منه وانا في الـ14 سنة، تشردت وعملت لأضمن لقمة العيش وأنا طفل“. ويضيف ان عائلة كانت محاصرة في ثكنة بمنطقة القبائل من طرف الاستعمار وتمكن من الفرار للعاصمة كمرشد لشيخ ضرير. “في يوم النصر 19 مارس 1962 ونحن في خضم فرحة الاعتراف بالاستقلال علمت من والدتي ان أبي استشهد فمسحت دموعي رائحة الحرية وغد مشرق بلا قيود الفرنسيين” قالها ومسح عن عينه قطرات دمع متأسفا عن تهميش بعض أبناء الشهداء اليوم.