أطفال لايعيشون إلا في الظلام
يخشى ديغش مصباح من عين أزال بسطيف، أن يلقى ابنه أنيس نفس المصير الذي لقيه شقيقه محمد منذ 6 سنوات، والذي انزوى في غرفة المنزل واستسلم للموت بنفس الطريقة التي توفيت بها أختهما لامية، التي فارقت الحياة هي الأخرى منذ 8 سنوات، فالرجل فقد اثنين من أبنائه، والثالث مازال في قائمة الانتظار، وكل هذه المأساة سببها مرض نادر يصيب الجلد فتصبح الشمس من المحرمات على الطفل، والحياة بالنسبة إليه تبدأ بعد الغروب، ولذلك يسمى أنيس وأمثاله بأبناء القمر، الذين لا يمكنهم الخروج من المنزل إلا في الليل.
فلما بلغ محمد سن الثالثة عشر، تطورت حالته وتحول جلده إلى كومة من الجراح، وبدأ يتساقط كالفتات، فركن في هدوء إلى زاوية الغرفة وفارق الحياة، وكان ذلك في سنة 2004، وبنفس الطريقة تقريبا توفيت أخته لامية، بعد عامين، والغريب أنها ماتت هي الأخرى لما أدركت الثالثة عشر من عمرها، وكأن هذا السن هو السقف الذي يبلغه الأطفال المصابون بهذا الداء، فيفارقون الحياة، لعدم تمكنهم من الهروب من أشعة الشمس. حيرة الأب الآن تزداد كلما نظر إلى ابنه الثالث أنيس، فيطارده سؤال مفزع: هل سيعيش ويتجاوز عتبة الثالثة عشرة من عمره أم سيلقى نفس المصير؟ القضية مرتبطة طبعا بقضاء الله وقدره، لكن السؤال المحير كيف لطفل لا يحتمل أشعة الشمس أن يعيش وسط عائلته وأترابه في الحي والمدرسة؟ وكيف يتحمل هذا الطفل الحياة بعيدا عن ضوء النهار؟ وكيف له أن يقنع بهذه الحال وهو يسمع أصوات الأطفال خارج المنزل؟
فأنيس الذي بلغ الآن سن الثامنة ولد ولادة عادية، وكلما مر يوم يتمنى والده أن لا يكون مثل محمد ولامية، مع العلم أن للأب مصباح 3 بنات وطفلا آخر نجوا من هذا المرض، وهم يحيون حياة طبيعية. لكن بالنسبة لأنيس أعراض الداء الغريب بدأت تظهر قبل أن يدرك عامه الثاني، فالطفل حينها لم يعد يقوى على فتح عينيه تحت الشمس، وبعد جولة طبية تبين أن الأمر يتعلق بنفس الداء الخبيث، الذي فتك بمحمد ولامية، ويدعى XP، وهي اختصار لتسمية Xeroderma Pigmentosum ويعني الجفاف الجلدي المصطبغ، الذي يعتبر مرضا جلديا نادرا، يصاب صاحبه بحساسية شديدة ضد ضوء الشمس وضوء النهار، وبعض المصابيح وكل الأشعة فوق البنفسجية. كما يصاب جلد المريض بشيخوخة مبكرة، ويكون عرضة لنشوء سرطانات الجلد. ويحدث هذا نتيجة إفراط في حساسية الخلايا للأشعة فوق البنفسجية، نتيجة خلل في الجهاز الترميمي الجيني.
وحسب المختصين، فإن المرض وراثي، والمصاب قد يحمل جينا من أبيه وجينا من أمه، فيصبح جلده حساسا جدا، وتصاب خلاياه بالتلف دون أن يتمكن الجسم من إصلاحها. وتبدأ أعراض هذا الداء باحمرار الجلد مع ظهور قشور وحبيبات النمش، وتتحول إلى بقع دموية نتيجة استمرار التعرض للشمس، وفي المرحلة الأخيرة تتحول إلى سرطان جلدي يصيب خاصة المناطق المعرضة للشمس، كالوجه، وتصبح العيون مؤلمة وسريعة التهيج. ورغم تطور البحوث، إلا أنه لحد الساعة لا يوجد علاج لهذا الداء الذي يصيب شخصا واحدا من أصل 100 ألف، وكل العمليات تقتصر حاليا على حماية المريض من التعرض لأشعة الشمس. وقد تم في هذا الصدد اختراع لباس خاص يشبه لباس رواد الفضاء، يقي من أشعة الشمس، معه نظارات خاصة، بالإضافة إلى غلاف شفاف يلصق على زجاج النوافذ لمنع مرور الأشعة. وهناك مرهم يستعمل يوميا، بالإضافة إلى دواء يقطر في العين.
الحياة بالنسبة لأنيس تبدأ بعد أذان المغرب
وأما فيما يخص حياة الطفل أنيس فهي جد معقدة، وأول ما شد انتباهنا عند زيارة بيت العائلة بعين أزال، أن كل النوافذ والأبواب موصدة، والنور يشتعل في عز النهار، والطفل لا يمكنه الخروج إلا بعد غروب الشمس. فتجده يجول رفقة والده في أزقة الحي المظلمة، والتي تعد ـ رغم الروتين ـ أهم متنفس بالنسبة لأنيس. وفي البيت هناك ترتيبات خاصة مفروضة على أفراد البيت، فبالإضافة إلى ضرورة غلق المنافذ، قام الوالد بوضع مادة شفافة لاصقة على زجاج النوافذ والأبواب، لعزل أشعة الشمس، وهي مادة مستوردة من الخارج لم يتحصل عليها الوالد إلا بشق الأنفس.
وإذا تابعنا يوميات أنيس أثناء العطلة نجدها فعلا صعبة للغاية، لا يحتملها أي طفل في هذا السن، فهو يستيقظ في الصباح لتناول الفطور مع إخوته، وعندما يشاهد إخوته وهم يغادرون المنزل، يقترب هو من الباب، ويعود ليشغل نفسه بألعاب سئمها، فتجده يشعر بالضجر، وقد سبق له حسب الوالد أن حاول التمرد واقتحام الباب للخروج، لكن الوالد يمنعه، ويقنعه بالعودة والمكوث في البيت، لأن الخروج في النهار يعني الموت المؤكد مثلما حدث مع لامية ومحمد. وفي المساء يظل الطفل محبوسا إلى غاية الغروب، فأذان المغرب بالنسبة إليه بداية الحياة، وحينها يمكنه الخروج، لكنه للأسف لا يجد أترابه في الخارج، فيضطر إلى القيام بجولة قصيرة مع والده ثم يعود إلى سجنه المحتوم من جديد.
الوالد قام بتغليف نوافذ القسم ويترجى المعلم كي لا يفتح الباب
وأما عن التمدرس، فلأنيس حكاية عايشها الأب بمرارة كبيرة، لأن الذهاب إلى المدرسة يعني ترتيبات أخرى تمتد إلى باقي التلاميذ والمعلمين وإدارة المؤسسة. في البداية لم يكن الوالد يرغب في إدخال ابنه إلى المدرسة لأنه يعلم أن المهمة صعبة للغاية، لكن بإلحاح الأم تراجع عن القرار، وخاض المغامرة، وكان عليه أن يبدأ بإقناع إدارة المدرسة والمعلمين بالشروط التي تسمح لأنيس بمزاولة الدراسة دون التعرض لأشعة الشمس، وقبل الشروع في أي خطوة، على الوالد أن يحضر رخصة تسمح لابنه بالتمدرس، وهي الوثيقة التي دوخت مصباح، ولم يتحصل عليها إلا بعد مساع حثيثة، فاضطر إلى التنقل إلى مديرية التربية لولاية سطيف، ولم يفز بها إلا بعدما تأخر ابنه عن الدراسة لمدة شهرين كاملين. وقبل الالتحاق بالمدرسة كان على الوالد أن يقوم بنفسه بتغليف كل نوافذ القسم بالغلاف اللاصق العازل لأشعة الشمس، مع العلم أن هذه المادة تأتيه من الخارج بمساعدة أحد المحسنين.
ولما أنهى السيد مصباح عملية تغليف النوافذ، كان عليه أن يترجى المدير والمعلمين كي لا يتركوا باب القسم مفتوحا، حتى لا يتأثر أنيس بالشمس. وقد أبدى الجميع تضامنا كبيرا مع الطفل، لكن لما حلّ فصل الحر انزعج المعلم من هذه الوضعية، وأخبر الوالد أنه لا يمكنه أن يعمل وكل شيء مغلق في القسم، وتحولت هذه القضية إلى نقطة خلاف بين الأب والمعلم، الذي قال لمصباح بالحرف الواحد: “لا يمكنك أن تجبرني على تدريس ابنك في مثل هذه الظروف”.
وبما أن السيد مصباح لا يملك الإمكانات وحالته الاجتماعية صعبة، فقد ترجى مصالح بلدية عين أزال كي تدعم المدرسة بمكيف يوضع في القسم، لكن لحد الساعة البلدية لم تلب طلب السيد مصباح، الذي تقطع قلبه لما علم أن المعلم يقوم أحيانا بفتح الباب لتهوية القسم دون أي مراعاة لحالة الطفل.
الطفل يتنقل كالشبح وبذلته الفضائية تثير الاستغراب
الجدير بالذكر أن أنيس لا يتنقل إلى المدرسة بصفة عادية، بل عليه أن يرتدي بذلة خاصة جدا، سلمتها له جمعية فرنسية تعتني بهذه الفئة، وهي مصنوعة من مادة عازلة للشمس، ومزودة بنظارات لا تسمح بمرور الأشعة، وهي البذلة التي تصل تكلفتها إلى حوالي 30 مليون سنتيم، ومن حسن الحظ أن الجمعية الفرنسية منحتها مجانا لأنيس، وعليه أن يرتديها عند الخروج من المنزل وينزعها داخل القسم. وقد كان أنيس يشد الأنظار ببذلته الغريبة، لكن مع مرور الوقت تعوّد عليه زملاؤه.
أطفال يموتون في صمت وعائلات تعاني في الظلام
ومن حسن حظ أنيس أن حالته لقيت اهتمام السيد نور الدين من وهران، وهو متطوع سخر نفسه لمساعدة الأطفال المصابين بهذا الداء عبر مختلف ولايات الوطن، حيث التقى بعضهم صدفة بمستشفى وهران، فتأثر لحالهم ومن يومها قرر أن يقدم لهم يد العون، وامتد نشاطه عبر عدة مناطق، فتجده يشتري لهم مختلف اللوازم بمساهمة أهل الخير، وقد تمكن من اقتناء قبعات خاصة من صنع أمريكي، وغلاف عازل وأدوية ومصابيح خاصة، وسلمها مجانا لأنيس والعديد من أمثاله.
من جهتنا اتصلنا بالسيد نور الدين الذي رفض الكشف عن لقبه، حتى يظل عمله خالصا لوجه الله الكريم، وأكد لنا أنه يتنقل عبر الولايات لمساعدة هؤلاء الأطفال، ويقوم بهذا العمل بمفرده دون الانطواء تحت أي جمعية، لأنه لا يؤمن بالعمل الجمعوي، وقد تمكن من توفير العديد من اللوازم للمرضى بهذا الداء، وأضحى معروفا وسط العائلات التي لها أطفال يعانون في الظلام مثل أنيس.
وحسب السيد نور الدين، فإن الإحصاءات تشير إلى وجود 500 طفل في الجزائر، يعانون من مرض الـ XP، وكلهم يعانون في صمت ويموتون أيضا في صمت، والغريب أن وزارة الصحة لا تصنف هذا الداء ضمن الأمراض المزمنة وبالتالي، فإن أبناء القمر لا يستفيدون من أي دعم أو امتياز، وعلى ذويهم أن يتحملوا مصاريفهم بأنفسهم مع العلم أن المرض يتطلب عناية فائقة ومستلزمات عديدة، كالقبعات الخاصة وأوراق الفيلم العازل والمصابيح بالإضافة إلى صابون خاص، ومرهم يستعمل يوميا، وكل هذه المواد المستوردة من الخارج تتطلب مصاريف معتبرة، ولا يمكن للعائلات المعنية أن تتحملها بمفردها، خاصة لما يتعلق الأمر بعائلات محدودة الدخل، كما هو الحال مع عائلة أنيس بعين أزال. ويقول نور الدين إن إصابة طفل بداء الجفاف الجلدي يعني معاناة كبيرة له ولعائلته، ولذلك الأمر يتطلب تدخل كل الجزائريين لمساعدة هذه الفئة.
البلدية حرمته من مكيّف والفرنسيون أغرقوه بسخائهم
يذكر أن هناك جمعية فرنسية تهتم بالمصابين بهذا الداء، وقد تمكن الأب مصباح من التواصل معها بفضل السيد نور الدين، فلما علمت بحالة أنيس أرسلت له ولوالديه دعوة لزيارة المركز الصيفي الذي يعتني بهذه الفئة، وتحملت الجمعية الفرنسية كل تكاليف السفر والإقامة، حيث دفعت مصاريف تذاكر الطائرة والإطعام والمبيت وتذاكر التنقل بالقطار بفرنسا، وتكفلت بإجراءات التأشيرات، فتنقلت العائلة في الصائفة قبل الماضية إلى فرنسا وأقامت لمدة أسبوعين بالمركز الكائن بمدينة داكس قرب الحدود الاسبانية، حيث استفادت من تربص في كيفية الاعتناء بالمصابين بهذا الداء، بحضور مرضى من مختلف الدول، وكان أنيس الجزائري الوحيد ومعه طفل آخر رفقة عائلته من تونس، والبقية من دول أوروبية. وتخلل المعسكر عدة نشاطات ترفيهية، وعند العودة تحصل أنيس على البذلة الخاصة التي يستعملها حاليا، بالإضافة إلى جهاز إلكتروني يسمح بتحسس أشعة الشمس التي تخترق زجاج النوافذ، والذي يعطي إشارة في حالة وجود الأشعة داخل المنزل. ولما عاد إلى عين أزال ظل الوالد في اتصال مع رئيسة الجمعية التي في كل مرة تطمئن على أنيس، وتسأل عن أحواله. فكل هذا السخاء وجده الوالد عند الأجانب، في الوقت الذي حرمته بلديته من مكيّف لتهوية القسم.
ينبغي الإشارة إلى أن أنيس حاليا في مأمن، طالما والده يطبق عليه برنامجا صارما، بعدما اكتوى بفقدان أخويه، لكن هناك العديد من العائلات في بلادنا لم تتمكن من الاعتناء بأطفالها المصابين بهذا الداء، وتدهورت حالتهم بشكل فظيع، كما هو الشأن مع ضياء الدين من بلدية بئر حدادة بولاية سطيف، والذي تحولت حياته إلى جحيم إثر إصابته بداء الـ XP فتشوه وجهه وتعفن بشكل مفزع، وتراكمت فيه الجراح فوق بعضها، بطريقة لا يقوى أحد على تدقيق النظر معها، وفي الجهة اليمنى من وجه الصبي اشتد الالتهاب إلى درجة أن العضلات طغت على العين، وحجبت عنها الرؤية، والطفل لا يرى إلا بعين واحدة وجلده يتساقط في شكل قطع جافة احمرت من شدة التصلب، وبالتالي أقل ما يقال عن حياة الطفل الصبور ضياء أنها مأساة حقيقية، أرهقت كاهل والده وأتعبت كل أفراد العائلة، الذين استنفدوا كل الوسائل لإعادة الإشراقة لوجه ضياء، وبالرغم من بلوغه سن التاسعة، إلا أن والده لم يسجله في المدرسة الابتدائية، وحرم من التمدرس ليس فقط بسبب أشعة الشمس، بل لأن وجهه تشوه بشكل فظيع، ولا يمكنه أن يطلع على زملائه في تلك الصورة.
وحسب الوالد، فإن ضياء طفل صبور لم يبد أي انزعاج من حالته التي لا يحتملها الكبار، وبالرغم من أن العائلة راضية بقضاء الله، إلا أن الأم والأب والإخوة والأخوات يتقاسمون الحزن والأسى في صمت، وما يحز في نفوسهم هو أن الداء الخبيث حكم على ضياء بالسجن المؤبد في النهار، فلا يمكنه الخروج من البيت، ولا يفكر إطلاقا في اللعب مع أترابه، بل لم يعد له أصدقاء وكل الأطفال ينفرون منه.
هذه هي إذن حياة أبناء القمر، الذين حرمت عليهم الشمس، والأمر يتعلق حاليا بحوالي 500 طفل في الجزائر، وفي العالم فاق عددهم 6000 حالة، لم يتمكن الباحثون من إيجاد علاج لهم. فإذا كان لنا أطفال يخرجون من البيت ويدخلون متى شاؤوا ويلعبون ويمرحون في كل مكان وزمان، فالحياة بالنسبة لأنيس وأمثاله ليست كذلك، وبدايتها تكون عندما يخلد الناس إلى النوم، ولله في خلقه شؤون.